الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية حين تتحول الدولة إلى غنيمة

حين تتحول الدولة إلى غنيمة

يتناول المقال اتساع الفجوة الطبقية في العراق بوصفها نتيجة لبنية ريعية تُسيّس الثروة وتربطها بالسلطة لا بالإنتاج. ويرى أن الخلل ليس اقتصادياً فحسب، بل بنيوي يمس العدالة والثقة العامة. ويدعو إلى إصلاح يعيد تعريف دور الدولة ويؤسس لاقتصاد منتج وعدالة اجتماعية مستدامة.

 


حين تتحول الدولة إلى غنيمة

نوري حمدان

ليست المشكلة في العراق أن الفجوة بين المترفين والمحرومين تتسع فحسب، بل إن هذا الاتساع بات يبدو وكأنه جزء من آلية اشتغال النظام نفسه. نحن لا نقف أمام اختلال عابر في توزيع الدخل يمكن إصلاحه بإجراءات مالية محدودة، بل أمام بنية سياسية ـ اقتصادية تعيد إنتاج الامتيازات بصورة منتظمة، وتجعل من الدولة مصدراً للثروة لا إطاراً لتنظيم إنتاجها.

العراق بلد نفطي غني بالموارد، لكن غناه لم يتحول إلى عدالة اجتماعية مستدامة، بل إلى نمط ريعي مسيّس ترتبط فيه الثروة بالوصول إلى مراكز القرار أكثر مما ترتبط بالكفاءة والعمل المنتج. في هذا السياق، لا تتشكل طبقة ثرية نتيجة تراكم صناعي أو ابتكار اقتصادي، بل نتيجة قربها من السلطة وقدرتها على النفاذ إلى مفاصل الدولة. وهكذا تتحول الثروة العامة تدريجياً إلى امتيازات خاصة، ويغدو الموقع السياسي رأسمالاً اقتصادياً بحد ذاته.

المفارقة أن الفقر في العراق لا ينتج عن ندرة الموارد بقدر ما ينتج عن تركّزها. فالمشهد اليومي يكشف مفارقة حادة بين أنماط عيش مترفة تحيط بالدوائر العليا، وواقع معيش متعثر تعانيه قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب الباحثون عن عمل كريم وفرصة مستقرة. هذه المفارقة البصرية والمعيشية هي التي تولد شعوراً متنامياً بأن قواعد اللعبة مختلة، وأن مسار الصعود الاجتماعي لا يمر عبر التعليم والإنتاج، بل عبر الارتباط بالشبكات النافذة.

لقد تحولت المحاصصة، في ممارستها العملية، من صيغة تمثيل سياسي إلى آلية توزيع اقتصادي، فأصبحت المؤسسة العامة مجالاً للنفوذ وتقاسم الموارد أكثر من كونها أداة لخدمة المواطنين. ومع الوقت، تراجع معيار الكفاءة لحساب الولاء، وتوسعت دائرة التوظيف السياسي للمال العام، فيما بقي الاقتصاد الحقيقي، غير النفطي، عاجزاً عن خلق فرص عمل مستدامة تعزز استقلال المجتمع عن الدولة.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس وجود تفاوت في الدخول، فالتفاوت بدرجات معينة سمة مشتركة في معظم المجتمعات، بل في مصدر هذا التفاوت وطبيعته. حين يترسخ في الوعي الجمعي أن الثروة ترتبط بالقرب من السلطة لا بالإنتاج، فإن الثقة العامة تبدأ بالتآكل بصمت. وهذا التآكل لا يظهر فوراً في شكل انفجار، بل في هيئة لامبالاة سياسية، وهجرة متزايدة، وتراجع الإيمان بفكرة العدالة ذاتها.

وفي ظل اعتماد الاقتصاد على الريع النفطي، تبقى قدرة الدولة على توزيع الأموال مرهونة بتقلبات الأسعار العالمية. قد يسمح ارتفاع الأسعار بإخفاء التناقضات مؤقتاً، لكنه لا يلغيها، بل يؤجل ظهورها. أما عند أول هزة مالية حادة، فإن ما كان كامناً تحت السطح يصبح أكثر وضوحاً وحدّة، لأن المجتمع الذي يشعر بعدم العدالة لا يحتاج إلا إلى صدمة كي يعبر عن احتقانه.

لا يكفي الحديث عن إصلاح إداري أو تحسين مؤشرات كلية، بل ينبغي إعادة تعريف وظيفة الدولة ذاتها. المطلوب هو فك الارتباط بين الثروة والسلطة، وبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي يوسع قاعدة الفرص، ويعيد الاعتبار للعمل بوصفه مصدر القيمة، لا القرب من القرار. كما يتطلب الأمر سياسات عامة تعيد توزيع الفائض بشكل عادل، وتعزز الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، بحيث يصبح الإنفاق العام أداة لبناء مجتمع متماسك لا وسيلة لإدامة الامتيازات.

إن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً خطابياً، بل شرطاً للاستقرار طويل الأمد. والديمقراطية، إن لم تُسند بعدالة ملموسة وفرص متكافئة، تتحول إلى شكل إجرائي فارغ من مضمونه الاجتماعي. فالمواطنة لا تكتمل بصندوق اقتراع فقط، بل بإحساس فعلي بأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها.

العراق ما يزال يمتلك فرصة لتصحيح المسار قبل أن تتكرس الفجوة بصورة يصعب ردمها، لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فحين تتحول الدولة إلى غنيمة، ويتحول الريع إلى أداة لإعادة إنتاج النخبة نفسها، يصبح السؤال الجوهري ليس عن حجم الفجوة فحسب، بل عن الإرادة السياسية القادرة على تفكيك منطقها. والتاريخ يخبرنا أن المجتمعات التي تؤجل إصلاح الاختلالات البنيوية حتى تفرضها الأزمات تدفع أثماناً أعلى بكثير مما لو بادرت إلى الإصلاح في زمن القدرة لا زمن الاضطرار.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.