مجلة دجلة الخير الإلكترونية الشهرية – العدد 9 أيار 2026

 


دجلة الخير

 

مجلة إلكترونية شهرية عامة، تُدار من قبل نخبة من الصحافيين المتطوعين، وتسعى إلى تقديم محتوى إعلامي مهني يقوم على المصداقية والدقة في نقل الحقيقة.

تلتزم المجلة بأخلاقيات المهنة الصحفية وفق مواثيق العمل الصحافي العالمية، وتضع احترام القارئ وحقه في المعرفة في مقدمة أولوياتها.

تتمتع دجلة الخير باستقلالية تامة، ولا تنتمي إلى أي جهة سياسية أو حزب، ما يمنحها حرية الطرح وموضوعية التناول.

تهدف المجلة إلى دعم القيم الإنسانية والحريات العامة، وترفض التطرف بجميع أشكاله، وتعمل على تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح في المجتمع.

 

هيئة التحرير

د. حسين محمد الفيحان

سلوان اليوسف

علي تحسين الحياني

أنس الشمري

محمد الجراح

محمد البغدادي

نوري حمدان

 

للتواصل معنا

mdkpress@gmail.com

 

*****

 

افتتاحية العدد التاسع

عالم يتغيّر.. والعراق في قلب الأسئلة الكبرى

في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتقنية بصورة غير مسبوقة، يأتي العدد التاسع من مجلة دجلة الخير الإلكترونية ليحاول قراءة بعض ملامح هذا العالم المتغيّر، انطلاقًا من العراق، ووصولًا إلى القضايا الدولية التي باتت تنعكس بشكل مباشر على حياة الناس ومستقبل الدول والمجتمعات.

هذا العدد يفتح ملف التحولات السياسية والاقتصادية في العراق، من خلال قراءة التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، وتعقيدات المشهد الاقتصادي، والقلق المتصاعد بشأن مستقبل الاستقرار المالي، في ظل الأزمات البنيوية التي ما تزال تضغط على الدولة العراقية.

كما يتوقف العدد عند التحولات الدولية الكبرى، والصراع المتصاعد بين واشنطن وبكين وموسكو، وما يفرضه ذلك من أسئلة على موقع العراق في خرائط النفوذ العالمية الجديدة، وسط عالم يتجه تدريجيًا نحو نظام متعدد الأقطاب.

وفي الجانب التنموي، نسلط الضوء على مشاريع الطاقة النظيفة في البصرة، بوصفها محاولة لبناء مستقبل مختلف للطاقة في العراق، بالتوازي مع ملف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وما يحمله من فرص واختبارات أخلاقية وتشريعية واجتماعية.

ولأن العالم يعيش اليوم تحت وطأة أزمات متشابكة، يتناول العدد أيضًا تصاعد المخاوف النووية، والأزمات الاقتصادية الأوروبية، والتحديات البيئية التي تهدد الكوكب، إلى جانب ملف الهجرة العالمية وما يرتبط به من أبعاد إنسانية وتنموية.

أما ثقافيًا وفنيًا، فيحتفي العدد بعودة القيصر كاظم الساهر بأغنية أعادت الحنين إلى الذاكرة العراقية، كما يتابع نشاطات المشهد الثقافي العراقي، من جلسات السرد والشعر، إلى الاحتفاء بالشاعر حميد قاسم، واستذكار تجربة الشاعر والفنان الراحل صادق الصائغ بوصفه واحدًا من رموز الثقافة العراقية الحديثة.

إن "دجلة الخير" وهي تواصل مشروعها الإعلامي المستقل، تؤمن بأن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل محاولة دائمة لفهم العالم، والانحياز إلى الحقيقة والإنسان، وفتح مساحات للحوار والمعرفة والأمل، في زمن تتزايد فيه الضوضاء والانقسامات.

هيئة التحرير

 

*****

 

علي الزيدي.. رجل الأعمال الذي دخل اختبار الدولة

حكومة الزيدي بين ضغوط الداخل وتعقيدات الإقليم الدولية وأزمات الاقتصاد العراقي



سلوان اليوسف – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

لم يعد اسم علي الزيدي مرتبطاً فقط بالمفاجأة السياسية التي رافقت صعوده السريع إلى واجهة المشهد العراقي، بل بات عنواناً لمرحلة سياسية جديدة تواجه اختبارات معقدة تتجاوز حدود تشكيل الحكومة إلى قدرة الدولة نفسها على استعادة التوازن وسط أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة.

فبعد أشهر من الانسداد السياسي والخلافات داخل القوى الحاكمة، جاء اختيار الزيدي بوصفه "تسوية اضطرارية" أكثر من كونه نتاج توافق سياسي مستقر، بحسب توصيفات عدد من المراقبين والباحثين السياسيين. غير أن انتقاله من عالم الأعمال والاستثمار إلى رئاسة الحكومة وضعه سريعاً أمام استحقاقات ثقيلة تتعلق بإدارة الاقتصاد، واحتواء الانقسامات، وتهدئة الشارع الغاضب من تراجع الخدمات وتفاقم البطالة والفساد.

ويُنظر إلى الزيدي باعتباره واحداً من أبرز رجال الأعمال الذين دخلوا المجال السياسي من بوابة النفوذ الاقتصادي، إذ يمتلك شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات تمتد إلى قطاعات النفط والطاقة والعقارات والمصارف والخدمات. كما ارتبط اسمه سابقاً بمصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل، الذي واجه قيوداً تنظيمية تتعلق بمنع التعامل بالدولار ضمن إجراءات البنك المركزي الخاصة بمكافحة غسل الأموال.

لكن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الجديدة لا يرتبط فقط بخلفية رئيسها الاقتصادية، بل بقدرتها على التعامل مع ملفات مزمنة ظلت عالقة لدى الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003. فالعراقيون الذين استقبلوا الحكومة الجديدة بحذر، لا يزالون يواجهون أزمات معيشية خانقة تتعلق بارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار أزمة الكهرباء، فضلاً عن اتساع الفجوة بين الوعود الحكومية والواقع الخدمي.

ويؤكد مراقبون أن أي نجاح محتمل لحكومة الزيدي سيظل مرهوناً بمدى قدرتها على الانتقال من منطق التسويات السياسية إلى منطق الدولة، خصوصاً في ظل تصاعد الصراعات داخل القوى السياسية على النفوذ والمكاسب، أكثر من التركيز على حلول اقتصادية وإدارية حقيقية. كما أن استمرار الانقسامات داخل التحالفات الحاكمة قد يحول الحكومة إلى ساحة استنزاف سياسي دائم، يعطل تنفيذ البرامج الحكومية ويضعف قدرة رئيس الوزراء على اتخاذ قرارات حاسمة.

وفي الجانب الاقتصادي، تبدو التحديات أكثر تعقيداً مع استمرار اعتماد العراق شبه الكامل على الإيرادات النفطية، مقابل غياب رؤية متكاملة لتنويع مصادر الدخل وتحريك القطاع الخاص بصورة منتجة. كما أن ملف الديون والاستدانة الداخلية والخارجية، إضافة إلى تذبذب سعر صرف الدينار، يفرض ضغوطاً متزايدة على الحكومة الجديدة، وسط مخاوف من اتساع الأزمة المعيشية خلال المرحلة المقبلة.

أما على المستوى الأمني، فيبرز ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه الاختبار الأخطر أمام رئيس الوزراء الجديد. فالحكومة تجد نفسها أمام معادلة معقدة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، خصوصاً ما يتعلق بالنفوذ الإيراني والضغوط الأميركية الخاصة بإعادة تنظيم المشهد الأمني. ويرى محللون أن الزيدي قد يتجه إلى سياسة "الاحتواء التدريجي" بدلاً من الصدام المباشر، تفادياً لأي اهتزاز داخل التحالف الحاكم.

وفي مقابل هذه التحديات، يراهن بعض المراقبين على أن الخلفية الاقتصادية لرئيس الوزراء قد تمنحه قدرة أكبر على فهم تعقيدات السوق والاستثمار وإدارة الملفات المالية، إلا أن خصومه يرون أن النجاح في إدارة الشركات يختلف جذرياً عن إدارة دولة تعاني أزمات بنيوية متراكمة منذ سنوات طويلة.

وبين هذين الرأيين، يبقى مستقبل حكومة علي الزيدي مرتبطاً بقدرتها على استعادة ثقة الشارع، وتحويل شعارات الإصلاح إلى إجراءات ملموسة، في بلد باتت فيه الأزمات المتراكمة أكبر من قدرة الخطابات السياسية التقليدية على احتوائها. فالعراقيون لا ينتظرون حكومة جديدة بقدر ما ينتظرون دولة قادرة على فرض القانون، وتقديم الخدمات، وكسر الحلقة المزمنة من الفساد والمحاصصة والصراع على المغانم.

 

*****

 

طمأنة المحافظ لا تخفي هشاشة الاقتصاد العراقي

رسائل التهدئة النقدية تتجاوز جذور الأزمة المالية وتعقيدات السوق العراقية


تقرير – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

في توقيت اقتصادي شديد الحساسية، عاد محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق ليطلق رسائل طمأنة جديدة للأسواق والرأي العام، مؤكداً استقرار سعر الصرف، وتأمين الرواتب، وامتلاك العراق احتياطيات نقدية كافية، مع نفي وجود أزمة حقيقية في توفير الدولار أو تهريبه. إلا أن هذه التصريحات، ورغم نجاحها النسبي في تهدئة المخاوف، بدت أقرب إلى خطاب نفسي لاحتواء القلق الشعبي منها إلى تشخيص اقتصادي عميق للأزمة المالية التي يمر بها العراق.

فالعلاق ركّز بصورة واضحة على عنصر "الطمأنة"، لكنه لم يقدم إجابات كافية عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمستقبل الاستقرار المالي، ولا عن الأدوات الفعلية التي يمكن أن تمنع تفاقم الأزمة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية الحالية.

أولى النقاط المثيرة للنقاش كانت حديثه عن أن احتياطيات الدولار "مؤمّنة"، وهي عبارة تحمل طابعاً مطمئناً بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم متانة الوضع المالي. فالمشكلة لا تتعلق فقط بحجم الاحتياطي النقدي، بل بسرعة استنزافه، وقدرة الدولة على تعويضه من عائدات النفط، وحجم الطلب الداخلي المتزايد على الدولار سواء لأغراض التجارة أو الادخار أو السوق الموازية. لذلك فإن الحديث عن وفرة الاحتياطيات من دون توضيح مؤشرات الاستدامة المالية يبقى خطاباً ناقصاً من الناحية الاقتصادية.

الأمر ذاته ينطبق على نفيه وجود نية لتغيير سعر صرف الدينار. فأسعار الصرف لا تُحسم فقط بالرغبات السياسية أو التصريحات الرسمية، بل تتحكم بها معطيات اقتصادية معقدة ترتبط بالعجز المالي، ومستوى الإيرادات النفطية، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. وبالتالي فإن النفي الحالي لا يلغي احتمال تعرض سعر الصرف لضغوط مستقبلية إذا استمرت الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العراقي.

ومن أكثر النقاط التي أثارت الجدل حديث المحافظ عن ضرورة إشراك البنك المركزي في إعداد الموازنة الاتحادية. صحيح أن التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية أمر مطلوب في كل الاقتصادات، لكن تحويل البنك المركزي إلى شريك مباشر في صياغة الموازنة قد يثير مخاوف تتعلق باستقلالية المؤسسة النقدية. فالبنوك المركزية عادة يفترض أن تبقى بعيدة عن الضغوط الحكومية المرتبطة بالإنفاق والعجز، لأن فقدان هذه الاستقلالية قد يحولها تدريجياً إلى أداة مالية بيد السلطة التنفيذية، وهو ما يحمل مخاطر على الاستقرار النقدي مستقبلاً.

وفي ملف الرواتب، استخدم العلاق لغة مطمئنة حين أكد أن الرواتب "مؤمّنة إلى المدى المنظور"، غير أن هذا التعبير بقي فضفاضاً وغير محدد زمنياً. فهل المقصود أشهر قليلة أم سنة كاملة؟ المشكلة الأساسية ليست في قدرة الحكومة على دفع الرواتب حالياً، بل في مدى استدامة هذا الإنفاق مستقبلاً، خاصة أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، فيما تتزايد النفقات التشغيلية والالتزامات الثابتة للدولة بشكل مستمر.

أما في ما يتعلق بملف الدولار، فقد وصف المحافظ الحديث عن "تهريب الدولار" بأنه غير دقيق، مؤكداً أن جميع التحويلات المالية تخضع للرقابة. لكن هذا النفي لا يعالج جوهر المشكلة بالكامل، لأن تسرب الدولار لا يحدث دائماً عبر التهريب التقليدي المباشر، بل قد يتم من خلال فواتير استيراد مبالغ فيها، أو شركات واجهة، أو طلبات تجارية غير حقيقية، أو تحويلات يصعب تتبع مساراتها النهائية. ولهذا فإن السوق بحاجة إلى شرح واضح لآليات الرقابة والتدقيق، لا إلى الاكتفاء بنفي وجود المشكلة.

ورغم أهمية اعتراف العلاق بوجود "عجز فعلي وهيكلي" في الموازنة، إلا أن هذا الاعتراف بقي ناقصاً من دون التوسع في جذور الأزمة. فالعجز المالي في العراق ليس مجرد رقم محاسبي طارئ، بل نتيجة نموذج اقتصادي ريعي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، مقابل قطاع خاص محدود، وضعف الإيرادات غير النفطية، وتضخم الإنفاق التشغيلي، وارتفاع فاتورة الرواتب والدعم الحكومي. وهذه المشكلات لا تُحل بخطابات الطمأنة وحدها، بل بإصلاحات مالية واقتصادية عميقة قد تكون صعبة سياسياً واجتماعياً.

في المحصلة، يمكن القول إن تصريحات محافظ البنك المركزي نجحت جزئياً في أداء وظيفة "التهدئة النفسية" للأسواق، لكنها بدت أقل نجاحاً في تقديم تشخيص اقتصادي واضح وشفاف للأزمة العراقية. فالخطاب ركّز على نفي المخاطر أكثر من شرح أدوات معالجتها، وعلى بث الطمأنينة أكثر من تقديم رؤية إصلاحية متكاملة. وربما يعكس ذلك إدراك المؤسسة النقدية لحساسية المرحلة، وخشيتها من أي خطاب قد يثير الذعر المالي، إلا أن الاقتصاد لا يُدار بالرسائل النفسية وحدها، بل بسياسات واضحة، وشفافية أكبر، وإصلاحات حقيقية تعالج أصل الاختلالات البنيوية في الدولة العراقية.

 

*****

 

بين واشنطن وبكين وموسكو.. أين يقف العراق في خرائط العالم الجديدة؟


نوري حمدان – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

لم يعد العالم كما عرفناه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

فمرحلة الهيمنة الأميركية المطلقة، التي فرضت نفسها طوال العقود الثلاثة الماضية، تتعرض اليوم إلى اهتزازات عميقة، ليس فقط بسبب صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، بل أيضا نتيجة عودة روسيا إلى المسرح الدولي كلاعب يريد كسر النظام الغربي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة.

القمتان اللتان عقدهما الرئيس الصيني شي جينبينغ مع كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بكين خلال أيام قليلة، ليستا مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل تعبير واضح عن ولادة مرحلة دولية جديدة عنوانها: "إدارة الصراع بين الإمبراطوريات الكبرى".

الصين لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت مركزا لإعادة توزيع القوة الدولية. وواشنطن تدرك جيدا أن القرن الحادي والعشرين لن يكون أميركيا خالصا كما أرادت النخب الغربية بعد سقوط موسكو السوفيتية. أما روسيا، التي أنهكتها الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية، فقد وجدت نفسها مضطرة للارتماء أكثر في الحضن الصيني، حتى وإن حاول الكرملين إخفاء حقيقة اختلال التوازن بين الطرفين.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد تنافس بين دول، بل صراع بين مشاريع هيمنة عالمية تتصارع على الأسواق والطاقة والممرات الاستراتيجية والنفوذ المالي والتكنولوجي. الفارق فقط أن النظام الأحادي الذي حكم العالم منذ التسعينيات بدأ يتصدع، فيما يتشكل نظام متعدد الأقطاب بصورة بطيئة ومتعثرة.

لكن السؤال الأهم بالنسبة لنا في المنطقة العربية، وبالذات في العراق، هو: ماذا يعني هذا التحول؟

العراق تاريخيا كان واحدا من أكثر البلدان تأثرا بصراعات القوى الكبرى. فمنذ الاحتلال الأميركي عام 2003، تحول البلد إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، وتداخلت فوق أرضه المشاريع الأميركية والإيرانية، ثم دخلت روسيا والصين لاحقا على خط النفوذ الاقتصادي والطاقة.

اليوم، ومع احتدام الصراع الأميركي-الصيني، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب المعادلة الدولية، لكن بصورة مختلفة. فبكين تنظر إلى العراق باعتباره جزءا مهما من مشروع "الحزام والطريق"، ومصدرا أساسيا للطاقة، وسوقا واعدة لإعادة الإعمار والاستثمارات. وفي المقابل، ما تزال واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية في الشرق الأوسط، تمنع من خلالها تمدد خصومها، سواء إيران أو الصين أو روسيا.

هذا التناقض يضع العراق أمام تحدٍ خطير: كيف يمكن لدولة هشة سياسيا واقتصاديا أن تتعامل مع صراع عالمي بهذا الحجم؟

المشكلة أن الطبقة السياسية العراقية ما زالت تفكر بعقلية المحاور الضيقة، بينما العالم يتحول بسرعة نحو توازنات جديدة. فالعراق، بدل أن يستثمر موقعه الجغرافي وثروته النفطية لبناء سياسة مستقلة، تحول إلى ساحة تنافس تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق مصالحها.

الولايات المتحدة ما تزال تمتلك النفوذ العسكري والأمني الأكبر داخل العراق، بينما تتوسع الصين اقتصاديا بهدوء عبر مشاريع البنية التحتية والطاقة. أما روسيا، فرغم حضورها المحدود مقارنة بواشنطن وبكين، فإنها تسعى للحفاظ على موطئ قدم داخل سوق الطاقة العراقي، مستفيدة من علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية.

لكن الأخطر من كل ذلك أن الاقتصاد العراقي نفسه أصبح رهينة للنظام العالمي الذي تقوده الرأسمالية النيوليبرالية. فالعراق يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير النفط، بينما تُهمل الصناعة والزراعة والتعليم والصحة. وهذا يعني أن أي اهتزاز في سوق الطاقة أو أي صراع بين القوى الكبرى ينعكس مباشرة على حياة العراقيين.

من هنا، فإن صعود الصين لا ينبغي النظر إليه بعين رومانسية بوصفه "خلاصا" من الهيمنة الأميركية. صحيح أن بكين تطرح خطابا مختلفا يقوم على الشراكات الاقتصادية وعدم التدخل السياسي المباشر، لكنها في النهاية قوة رأسمالية كبرى تبحث عن مصالحها، وعن تأمين الطاقة والأسواق وخطوط التجارة. والصين، مثل الولايات المتحدة، تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه فضاء استراتيجيا لمصالحها الاقتصادية والأمنية.

الفرق فقط أن الصين تستخدم أدوات أكثر هدوءا ونعومة، بينما تعتمد واشنطن تاريخيا على القوة العسكرية المباشرة والعقوبات والضغوط السياسية.

أما روسيا، فإن حربها في أوكرانيا كشفت حدود قدرتها الاقتصادية والعسكرية، وأظهرت أنها بحاجة متزايدة إلى الصين. وهذا التحول قد يقود مستقبلا إلى نظام دولي تقوده شراكة صينية-روسية في مواجهة الغرب، لكن بشروط صينية واضحة.

وفي خضم هذه التحولات، يبدو العراق وكأنه يقف على مفترق طرق تاريخي.

فإما أن يتحول إلى دولة تمتلك رؤية وطنية مستقلة تستفيد من التوازنات الدولية لبناء اقتصاد منتج وسيادة حقيقية، وإما أن يبقى مجرد ساحة نفوذ تتصارع فوقها القوى الكبرى.

العراق يفترض أن يقرأ هذه التحولات بعين نقدية، لا بعقلية الاصطفاف الأعمى مع هذا المحور أو ذاك. فالمطلوب ليس استبدال الهيمنة الأميركية بهيمنة صينية أو روسية، بل بناء مشروع وطني ديمقراطي مستقل، يعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والسيادة والتنمية الوطنية.

العراق يمتلك كل المقومات التي تؤهله لذلك: موقع جغرافي استثنائي، وثروات طبيعية هائلة، وطاقات بشرية كبيرة. لكن المشكلة تكمن في غياب الدولة الوطنية القادرة على التحرر من الفساد والطائفية والتبعية.

إن ما يجري اليوم في بكين بين ترامب وبوتين وشي جينبينغ ليس بعيدا عن بغداد. فكل تفاهم أو صراع بين هذه القوى سينعكس على أسعار النفط، وعلى الاستثمارات، وعلى التوازنات الأمنية، وحتى على شكل التحالفات السياسية داخل العراق نفسه.

العالم يتغير بسرعة، والشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ. وفي قلب هذه الخرائط يقف العراق، لا كلاعب رئيسي حتى الآن، بل كساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العراقيين ليس فقط فهم التحولات الدولية، بل القدرة على تحويل العراق من "موضوع" في السياسة الدولية إلى "فاعل" يمتلك قراره ومصالحه الوطنية.

ففي زمن انهيار الأحادية القطبية، لا مكان للدول الضعيفة أو التابعة. والدول التي لا تصنع موقعها بنفسها، سيصنع الآخرون مصيرها عنها.

 

*****

 

شمس العراق تشرق من البصرة

مشاريع الطاقة النظيفة ترسم ملامح التحول الوطني


محمد البغدادي – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

في أقصى جنوب العراق، حيث تمتد حقول النفط وتعلو أبراج اللهب، بدأت ملامح مشهد جديد تتشكل بهدوء. هذه المرة لا يتعلق الأمر بالوقود الأحفوري، بل بطاقة نظيفة تحاول أن تجد لها موطئ قدم في بلد طالما اعتمد على النفط والغاز كمصدرين رئيسيين للطاقة.

في البصرة، تتجه الأنظار إلى مشروع "شمس البصرة"، الذي يُعد من أبرز مشاريع الطاقة الشمسية في البلاد. هنا، وعلى مساحات شاسعة، تنتشر ملايين الألواح الشمسية في مشهد يعكس تحولاً تدريجياً في فلسفة إنتاج الطاقة. المشروع، الذي تبلغ طاقته التصميمية ألف ميغاواط، يتوزع على أربع وحدات إنتاجية، بواقع 250 ميغاواط لكل وحدة، ما يجعله أحد أكبر المشاريع من نوعه في العراق.

دخلت أولى وحدات المشروع الخدمة في آذار 2026، بعد ربطها بالشبكة الوطنية، في خطوة وصفها مختصون بأنها بداية فعلية لمسار طويل نحو الطاقة المستدامة. ويقول المهندس حيدر عدنان، المشرف على المحطة، إن المشروع يضم نحو مليوني لوحة شمسية، موزعة بواقع 500 ألف لوحة لكل وحدة، مشيراً إلى أن الوحدة الأولى بدأت بالفعل بإنتاج 250 ميغاواط.

ولا يقتصر المشروع على حجمه الكبير فحسب، بل يعتمد أيضاً على تقنيات حديثة تعزز كفاءته. ويوضح المهندس حيدر عيسى أن المحطة تستخدم نظام التتبع الشمسي، الذي يضمن توجيه الألواح نحو الشمس بشكل عمودي لزيادة كفاءة الإنتاج، إضافة إلى تقنيات تنظيف آلية تعمل من دون استخدام المياه، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

لكن خلف هذه التفاصيل التقنية، تقف دوافع بيئية واقتصادية ملحّة. فالعراق يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالتلوث وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، إلى جانب الضغوط الناتجة عن نقص إمدادات الغاز. ويؤكد حيدر علي حسين أن التوجه نحو الطاقة الشمسية يأتي ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة في ظل اضطرار البلاد إلى استيراد جزء من احتياجاتها من الغاز.

ويضيف حسين أن مشروع "شمس البصرة" ليس سوى بداية، إذ تعمل الحكومة على تطوير مشاريع أخرى، من بينها محطات في السماوة بقدرة 750 ميغاواط، وأخرى في الناصرية بقدرة 500 ميغاواط، مع توقعات بتوسع هذا النوع من المشاريع خلال السنوات القليلة المقبلة.

ورغم التقدم المحرز، لا تخلو الطريق من التحديات. فقد أدى تأخر وصول بعض المواد بسبب إغلاق طرق الاستيراد إلى تأجيل تشغيل المرحلة الثانية من المشروع، التي كان من المقرر إطلاقها في أيار، إلى منتصف الصيف. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن إنتاج المشروع قد يصل إلى 500 ميغاواط خلال فصل الصيف، ما سيسهم في تخفيف الضغط على منظومة الكهرباء الوطنية.

يمثل مشروع "شمس البصرة" جزءاً من برنامج أوسع أطلقته توتال إنيرجيز عام 2023 بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين، ويهدف إلى تحسين إمدادات الطاقة عبر مزيج من الحلول، تشمل استثمار الغاز المصاحب وإدخاله في منظومة الإنتاج، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة.

في بلد يُعد من أكثر الدول تأثراً بتغير المناخ، وفق تقارير دولية، تبدو هذه المشاريع أكثر من مجرد استثمار في الطاقة؛ إنها محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الإنسان وبيئته، وبين الاقتصاد وموارده. وبينما تواصل الألواح الشمسية في البصرة التقاط أشعة الشمس، يترقب العراقيون أن تتحول هذه الخطوات الأولى إلى تحول حقيقي ومستدام في مستقبل الطاقة.

 

*****

 

قيظ العراق.. صيف ملتهب وكهرباء بلا وقود


عاصم جهاد

الخبير في شؤون الطاقة، المتحدث باسم وزارة النفط سابقًا

قيظ العراق.. كهرباء بلا وقود، عنوان لا يصف أزمة موسمية عابرة، بل يلخّص مأزقًا مركبًا يتكرر كلّما ارتفعت درجات الحرارة وكشف هشاشة منظومة الطاقة.

فالدولة، التي تحتاج في ذروة الصيف إلى أكثر من 60 ألف ميغاواط، تجد نفسها أمام منظومة مثقلة بعجز الإنتاج، وتراجع إمدادات الغاز، وتعثُّر المشروعات البديلة، من الربط الكهربائي إلى منصة استقبال الغاز المسال.

ومع اشتداد القيظ، لا تبدو المشكلة مجرد نقص كهرباء، بل أزمة وقود، وبنى تحتية، وإدارة، وتأخُّر إستراتيجي جعل أيّ اضطراب إقليمي يتحول سريعًا إلى اختبار قاسٍ للمواطن والمنظومة معًا.

وزارة الكهرباء في العراق تحدثت مرارًا عن أن الحاجة الفعلية خلال الصيف تتجاوز 60 ألف ميغاواط، في حين كان الإنتاج الوطني قبل الأزمة الأخيرة يدور بحدود 26–27 ألف ميغاواط في أفضل الظروف التشغيلية.

والآن، إنتاج الكهرباء في العراق أقل من 18 ألف ميغاواط، أي إن العجز الهيكلي قائم أصلًا حتى قبل أيّ طارئ.

الربط الكهربائي الخليجي

تأجيل مشروع الربط الكهربائي الخليجي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، لأن العراق يدخل ذروة الصيف وهو يواجه فجوة مزمنة بين الإنتاج والطلب.

لذا يُنظر إلى مشروع الربط الكهربائي الخليجي بوصفه أحد الحلول المساندة. صحيح أنه لم يكن حلًا جذريًا، لكنه يمثّل مصدر دعم إضافيًا لتغطية جزء من الحاجة المحلية.

الاتفاق الخاص بالمرحلة الأولى يقضي بتجهيز العراق بنحو 500 ميغاواط عبر الربط مع شبكة مجلس التعاون الخليجي من خلال الكويت إلى محافظة البصرة، مع خطط لاحقة للتوسع إلى 1800 ميغاواط في مراحل متقدمة.

لكن مع تأجيل الربط الكهربائي يحرم العراق من طاقة إضافية كانت يمكن أن تزوّد محافظة البصرة بجزء من احتياجاتها، التي تشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة خلال أشهر الصيف تتجاوز 50 درجة.

المنصة العائمة لاستقبال الغاز المسال

المشكلة لا تتوقف عند الربط الكهربائي فقط، بل تمتد إلى تأخُّر مشروع المنصة العائمة لاستقبال الغاز المسال (FSRU)، الذي كانت الحكومة تعوّل عليه لتعزيز إمدادات الوقود لمحطات الكهرباء عبر استيراد الغاز المسال بدل الاعتماد المفرط على الغاز الإيراني.

كان يُفترض أن تمنح هذه المنصة قدرة على استقبال ما يقارب 600 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا من الغاز المستورد (نحو 17 مليون متر مكعب يوميًا تقريبًا)، وهي كميات مهمة كان يمكن أن تسهم في تشغيل عدد من المحطات وتخفيف جزء من الأزمة.

تعطُّل -أو تأخير- نصب هذه المنصة بسبب تداعيات الحرب الإقليمية، والمخاطر الأمنية واللوجستية المرتبطة بحركة الشركات والمعدّات البحرية، يعني تأجيل مصدر وقود بديل كان يمكن أن يخفف جزءًا من الأزمة.

ويعتمد العراق بصورة كبيرة على الغاز الإيراني لتشغيل عدد كبير من محطات الكهرباء الغازية والدورات المركبة.

الكميات المستوردة كانت تتراوح -بحسب التصريحات الرسمية- بين 40 و50 مليون متر مكعب يوميًا تقريبًا في الظروف الطبيعية، إلى جانب استيراد كهرباء مباشرة من إيران تراوحت بين 500 و1200 ميغاواط بحسب ظروف التجهيز.

وزارة الكهرباء أعلنت أكثر من مرة أن أيّ انخفاض في إمدادات الغاز يؤدي إلى فقدان آلاف الميغاواط من الشبكة. وفي بعض الأوقات، تحدثت الوزارة عن خسارة ما يصل إلى 8000 ميغاواط بسبب تراجع إمدادات الغاز.

في المقابل، الإنتاج الوطني من الغاز ما زال غير قادر على سدّ الفجوة بالكامل، رغم المشروعات الجارية لاستثمار الغاز المصاحب، الذي تراجع إنتاجه بسبب ظروف الحرب من 1500 مليون قدم مكعبة يوميًا، إلى أقل من 700 مليونًا.

الكهرباء في العراق

كما أن تشغيل محطات توليد الكهرباء في العراق بالوقود البديل (النفط الأسود أو الخام أو الكاز) ممكن، لكنه أقل كفاءة وأكثر كلفة تشغيلية وصيانة.

مع هذا لم تستثمر وزارة الكهرباء كميات الوقود البديل لإدامة الإنتاج الى مستويات مقبولة، حيث تجهز وزارة النفط وزارة الكهرباء بكمية 180 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، و125 ألف برميل من النفط الأسود "زيت الوقود"، و5000 متر مكعب من الكاز.

يأتي ذلك بالتزامن مع توفير الغاز بمعدل 700 مليون قدم مكعبة يوميًا، مع ملاحظة أن هذه الكميات قابلة للزيادة والنقصان بحسب الحاجة وظروف الإنتاج والتجهيز.

إن الحرب الأخيرة في المنطقة أثبتت أن مشروعات الطاقة لم تعد مجرد ملفات فنية، بل أصبحت رهينة المشهد الأمني والجيوسياسي.

وتأخُّر الربط الكهربائي، وتعثُّر مشروع منصة الغاز البحرية، وارتباك سلاسل الإمداد، كلّها أمثلة على التأثير المباشر للتوترات الإقليمية.

لكن من المهم الإشارة إلى أن العامل الخارجي ليس وحده المسؤول، فالأزمة الحالية تكشف أيضًا تأخرًا داخليًا في تنفيذ المشروعات الإستراتيجية الخاصة باستثمار الغاز الوطني وتوسعة البنى التحتية للطاقة.

بمعنى أدقّ، الحرب عمّقت الأزمة وكشفت هشاشة المنظومة، لكنها لم تكن السبب الوحيد.

فالسبب الحقيقي هو أن العراق ورغم التخصيصات المالية الكبيرة لمشروعات الطاقة، ظل يعتمد لسنوات على حلول مؤقتة بدل بناء منظومة طاقة مرنة ومتنوعة وقادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

أزمة هيكلية متراكمة

إن أزمة الكهرباء في العراق ليست أزمة إنتاج آنية فقط، بل أزمة هيكلية متراكمة، زادتها الحرب الإقليمية الأخيرة تعقيدًا.

فالعراق يحتاج فعليًا خلال ذروة الصيف إلى أكثر من 55 ألف ميغاواط، في حين قدّرت بعض المؤشرات الرسمية الحاجة الفعلية بما يقترب من 60 ألف ميغاواط مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والتوسع السكني والعمراني.

في الوقت نفسه، كان الإنتاج الوطني قبل الأزمة الأخيرة يدور بحدود 26–27 ألف ميغاواط، ثم تراجع مع اضطراب إمدادات الوقود والغاز.

غير أن الأزمة الكهربائية في العراق لا ترتبط بالوقود وحده، فهناك مشكلات هيكلية مزمنة، تشمل:

·       تقادم البنية التحتية لشبكات النقل والتوزيع.

·       المُهدَرات الفنية والتجارية الكبيرة التي تستنزف نسبًا مرتفعة من الطاقة المنتجة.

·       التجاوزات على الشبكة الوطنية، سواء عبر الربط غير القانوني أو الأحمال غير المحسوبة.

·       التوسع العشوائي في المناطق السكنية دون تخطيط موازٍ للبنى الكهربائية.

·       اختلال توزيع الأحمال بين المحافظات والضغوط السياسية المرتبطة بحصص التجهيز.

·       تأخُّر مشروعات النقل والتحويل التي تمنع الاستفادة الكاملة حتى من الطاقة المنتجة أحيانًا.

لذلك، فإن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة حرب أو تأخُّر مشروع واحد، بل نتيجة تراكم تحديات هيكلية، جعلت أيّّ اضطراب خارجي -سواء في الغاز الإيراني أو المشروعات الإقليمية- يتحول مباشرة إلى أزمة كهرباء خانقة داخل البلاد.

وأخيرًا، إن ما يواجهه العراق اليوم ليس معركة صيف واحد، بل نتيجة سنوات من الاعتماد على الحلول المؤقتة بدل بناء أمن طاقي مستدام.

الحرب ربما أخّرت مشروعًا، وعطّلت منصة، وعرقلت إمدادات، لكنها كشفت أيضًا حجم الهشاشة المتراكمة.

وبين قيظ الطبيعة وحرارة الأزمات، يبقى السؤال الأهم: هل يستمر العراق في إدارة الاختناقات بالمُسكّنات، أم يتحول أخيرًا إلى مسار التخطيط الحقيقي الذي يجعل الكهرباء حقًا مستقرًا، لا معركة موسمية تتكرر كل عام؟

أمّا وزارة الكهرباء، فلم تشفع لها وفرة التبريرات، ولا سيل التصريحات التي ربما تجاوزت في كثافتها ساعات التجهيز نفسها.

فالمواطن لا تُبرّده المؤتمرات الصحفية، ولا تُشغّل بيانات الطمأنة مكيّفًا، ولا تُضيء الوعود مصباحًا.

ففي بلدٍ أُشبِع كلامًا عن الحلول والخطط والإنجازات، بقي السؤال ذاته يتكرر كل صيف: أين الكهرباء؟ لأن المواطن، ببساطة، لا يستهلك التصريحات بل يحتاج إلى طاقة حقيقية، لا طاقة كلامية..!

 

*****

 

الذكاء الاصطناعي يغيّر ملامح الدولة والمجتمع

العراق يواجه تحديات الذكاء الاصطناعي وسط تسارع التحول الرقمي العالمي


أنس الشمري – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي جزءاً من روايات الخيال العلمي أو التوقعات المستقبلية البعيدة، بل تحول إلى واقع يومي يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة المعاصرة، من الهواتف الذكية التي ترافق الإنسان في يومه، إلى الأنظمة الرقمية التي تدير المؤسسات والخدمات العامة، وصولاً إلى أدوات التحليل وصناعة القرار التي بدأت تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والتقنية.

وفي العراق، كما في بقية دول العالم، تتصاعد الأسئلة حول الكيفية التي ستؤثر بها هذه الثورة التقنية على المجتمع والدولة والاقتصاد، وسط حالة من الترقب المشوب بالأمل والقلق في آن واحد. فبينما يرى كثيرون أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية للانتقال نحو عصر أكثر كفاءة وتطوراً، يحذر آخرون من مخاطر قد تهدد الاستقرار الاجتماعي وتفتح الباب أمام أزمات أخلاقية وتشريعية غير مسبوقة.

التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم جعل الذكاء الاصطناعي حاضراً في مختلف القطاعات الحيوية. ففي المجال الصحي، أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تحليل البيانات الطبية وتشخيص الأمراض بدقة متقدمة، ما يمنح الأطباء فرصاً أكبر للتدخل المبكر وتحسين نتائج العلاج. أما في قطاع التعليم، فقد بدأت التقنيات الحديثة تفرض أنماطاً جديدة من التعلم تعتمد على فهم احتياجات الطلبة وتقديم محتوى يتناسب مع قدراتهم الفردية.

وفي الجانب الاقتصادي، يراهن كثير من الخبراء على قدرة الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية وتقليل التكاليف وتحسين الأداء الإداري والخدمي، فضلاً عن دوره في مساعدة الدول النامية على تقليص الفجوة الرقمية مع الاقتصادات المتقدمة إذا ما نجحت في استثماره بشكل صحيح.

لكن هذا الوجه المشرق للتكنولوجيا لا يلغي حجم المخاوف المتصاعدة من تداعياتها. فمع توسع الاعتماد على الأنظمة الذكية، بدأت قطاعات واسعة من سوق العمل تواجه تحديات حقيقية، إذ تتزايد المخاوف من اختفاء وظائف تقليدية لصالح الآلات والبرمجيات القادرة على أداء المهام بسرعة وكفاءة أكبر، الأمر الذي يهدد بظهور ما يُعرف بـ"البطالة الرقمية".

كما أن التطور الكبير في تقنيات إنتاج الصور والفيديوهات والنصوص المزيفة خلق أزمة جديدة تتعلق بمصداقية المعلومات. إذ بات من الصعب أحياناً التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك، ما يفتح الباب أمام موجات تضليل إعلامي وسياسي قد تؤثر على الرأي العام وتزعزع الثقة بالمؤسسات ووسائل الإعلام.

ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، فالتوسع غير المنضبط في استخدام الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات أخلاقية عميقة تتعلق بالخصوصية وسرقة البيانات والبحوث العلمية والهجمات السيبرانية، فضلاً عن احتمالات توظيف هذه التقنيات في المراقبة أو إدارة الصراعات الرقمية. وهي تحديات تبدو أكثر تعقيداً في الدول التي ما تزال بنيتها الرقمية غير مكتملة أو تفتقر إلى تشريعات واضحة تنظم هذا المجال المتسارع.

وفي العراق، تبدو الصورة متشابكة بين الطموح والصعوبات. فالبلاد تخوض مساراً متدرجاً نحو التحول الرقمي وسط تحديات تتعلق بالبنية التحتية، ومستوى الوعي التقني، والحاجة إلى تطوير التعليم الرقمي وتأهيل الكفاءات القادرة على مواكبة هذا التحول.

ورغم ذلك، بدأت ملامح هذا التغيير تظهر بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، مع توجهات رسمية تسعى إلى إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الإدارة والخدمات والتنمية. وقد شهد العراق خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها الإعلان عن استراتيجيات وطنية تهدف إلى بناء منظومات رقمية متطورة لحماية البيانات الوطنية وتطوير الأداء الحكومي.

كما اتجهت المؤسسات الأكاديمية إلى مواكبة هذه التحولات عبر افتتاح تخصصات وكليات تعنى بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لإعداد جيل قادر على التعامل مع متطلبات المستقبل الرقمي وتحدياته.

ويرى مختصون أن نجاح العراق في الاستفادة من هذه الثورة التقنية لن يتحقق عبر استيراد التكنولوجيا فقط، بل يحتاج إلى بناء بيئة متكاملة تشمل التشريعات الحديثة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز ثقافة الوعي التقني داخل المجتمع.

ويؤكد خبراء أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل العلاقة بين الإنسان والآلة، وأن التوازن بين الابتكار والتنظيم سيكون العامل الأهم في منع تحوّل التكنولوجيا إلى مصدر للفوضى أو الهيمنة.

وفي ظل هذا المشهد المتغير، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى لوضع أطر قانونية واضحة تحمي الخصوصية وتضمن الشفافية وتمنع إساءة استخدام التقنيات الحديثة، بالتوازي مع الاستثمار في التعليم والتدريب الرقمي، حتى يتحول الذكاء الاصطناعي من مصدر قلق إلى أداة فاعلة لبناء مستقبل أكثر استقراراً وتقدماً.

 

*****

 

الهجرة العالمية تبحث عن عدالة إنسانية

العراق يبرز نموذجاً للتعافي ودعم المهاجرين والنازحين بعد الأزمات


علي تحسين الحياني – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

وسط تصاعد الجدل العالمي بشأن قضايا الهجرة واللجوء، عاد ملف المهاجرين إلى واجهة النقاش الدولي من بوابة الأمم المتحدة، التي استضافت في مدينة نيويورك المنتدى الدولي الثاني لاستعراض الهجرة، بمشاركة دولية واسعة هدفت إلى تقييم مسار الاتفاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، وسط تحذيرات أممية من تنامي خطاب الكراهية والمعلومات المضللة ضد المهاجرين حول العالم.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أطلق رسالة شديدة الوضوح خلال المنتدى حين قال إن "الهجرة ليست هي الأزمة، بل الأزمة هي فشل العالم الجماعي في إدارتها معاً"، في إشارة إلى تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية المرتبطة بحركة البشر عبر الحدود، وما يرافقها من استغلال سياسي وإعلامي في عدد من الدول.

غوتيريش حذر أيضاً من أن المهاجرين باتوا "كبش فداء" لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكداً أن الخطاب العام في العديد من البلدان يسهم في تجريدهم من إنسانيتهم وحقوقهم الأساسية، داعياً الحكومات إلى تعزيز الإجراءات القانونية، وإنهاء احتجاز الأطفال والأسر المهاجرة، وتوفير فرص حقيقية للتعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

وفي وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالهجرة غير النظامية، شدد الأمين العام على ضرورة ملاحقة شبكات تهريب البشر والاتجار بهم باعتبارها شبكات إجرامية عابرة للحدود، تستغل اليأس الإنساني لتحقيق الأرباح، داعياً إلى اعتماد آليات تعاون دولية مشابهة لتلك المستخدمة في مكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.

من جهتها، أكدت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك أن الهجرة لم تعد قضية تخص دولة بعينها، بل أصبحت ظاهرة عالمية تتداخل فيها أدوار دول المنشأ والعبور والاستقبال، مشيرة إلى أن الإدارة الناجحة للهجرة تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً بعيداً عن السياسات الانفرادية.

أما المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة آمي إي. بوب فلفتت إلى أن الهجرة، حين تُدار بشكل جيد، يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية وتنموية مهمة، تسهم في سد نقص العمالة، وتعزيز النمو الاقتصادي، ونقل المهارات والخبرات بين الدول، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن ذلك لا يتحقق من دون أنظمة عادلة ومنظمة وقابلة للثقة.

وفي خضم هذا النقاش العالمي، برز العراق كإحدى التجارب التي تحاول التحول من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة التعافي والاستقرار، خصوصاً بعد سنوات طويلة من النزوح والصراعات والتحديات الأمنية والاقتصادية.

فبحسب ما عرضته المنظمة الدولية للهجرة خلال المنتدى، شهد العراق خلال الفترة الممتدة بين تموز 2025 وشباط 2026 تنفيذ سلسلة من البرامج الإنسانية والتنموية التي ركزت على السكن والمأوى وسبل العيش، إضافة إلى الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للنازحين والعائدين.

وتعكس هذه البرامج حجم التحديات التي ما زال العراق يواجهها في ملف الهجرة الداخلية والنزوح، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحولات مهمة في طريقة التعامل مع هذا الملف، عبر الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء حلول أكثر استدامة، ترتبط بإعادة الاستقرار المجتمعي وتحسين فرص العمل والخدمات الأساسية.

ويرى مراقبون أن التجربة العراقية تمثل نموذجاً مهماً في المنطقة، ليس فقط بسبب حجم الأزمات التي مر بها البلد خلال العقدين الماضيين، بل أيضاً بسبب قدرته على استيعاب ملايين النازحين والعمل تدريجياً على إعادتهم إلى مناطقهم، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

ويؤكد مسؤولون أمميون أن نجاح أي دولة في إدارة ملف الهجرة يعتمد على مزيج من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية واحترام حقوق الإنسان، وهي عناصر ما زالت تشكل تحدياً لكثير من الدول التي تعاني من النزاعات أو التغيرات المناخية أو الأزمات الاقتصادية.

ومع اختتام المنتدى الدولي للهجرة بإعلان تقدّم تتفق عليه الحكومات المشاركة، يبقى السؤال المطروح: هل ينجح العالم في تحويل التعهدات إلى خطوات عملية؟ أم أن قضية الهجرة ستظل رهينة الانقسامات السياسية والخطابات الشعبوية؟

في كل الأحوال، تبدو الرسالة الأممية هذا العام أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: الهجرة ليست خطراً بحد ذاتها، بل قد تتحول إلى فرصة تنموية وإنسانية كبرى، إذا ما أُديرت بعدالة وتعاون دولي حقيقي.

 

*****

 

طبق الاصل...

بين الأسرة والأصدقاء من يرسم ملامح الإنسان الحقيقية؟


كريم محسن

(الأطفال لا يكبرون ليصبحوا نسخة من والديهم، بل يكبرون ليصبحوا نسخة من مجموعتهم) هكذا لخصت عالمة النفس جوديث هاريس واحدة من أكثر الأفكار إثارة للجدل في علم النفس التربوي.

فبينما ظل الآباء لعقود يعتقدون أن شخصية الطفل تُصنع بالكامل داخل المنزل، جاءت هاريس لتقول إن البيت يمنح الطفل اللغة الأولى وبعض القيم الأساسية، لكنه لا يصنع شخصيته النهائية، لأن العالم الحقيقي يبدأ خارج الباب، هناك حيث الأصدقاء والمدرسة والشارع والجماعة الصغيرة التي يحاول الطفل الانتماء إليها.

الفكرة بدت صادمة للكثيرين، لأنها تهز صورة الأب والأم بوصفهما "المهندس الوحيد" لشخصية الابن. لكن المتأمل في الحياة اليومية سيجد أن كلام هاريس ليس بعيداً عن الواقع. فكم من عائلة محافظة أنجبت ابناً متمرداً بسبب صحبة معينة؟ وكم من طفل هادئ تحول إلى نسخة صاخبة من أصدقائه؟ وكم من شاب اكتسب لهجة مختلفة أو سلوكاً مختلفاً أو حتى طريقة تفكير جديدة فقط لأنه أراد أن يشبه المجموعة التي ينتمي إليها؟

داخل البيت يتعلم الطفل كيف يتعامل مع والديه، لكنه خارج البيت يتعلم كيف يتعامل مع العالم، والعالم بالنسبة له ليس فكرة مجردة، بل مجموعة الأصدقاء الذين يمنحونه شعور القبول والانتماء. الطفل يخاف من رفض المجموعة أكثر مما يخاف من عقوبة والده، لأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، ومنذ الصغر يسعى لأن يكون جزءاً من "القطيع" الذي يحميه نفسياً ويمنحه الاعتراف.

لهذا نرى أطفالاً يتحدثون بطريقة مختلفة تماماً عن لغة أسرهم، أو يتبنون اهتمامات لم يسمعوا بها داخل المنزل. أحياناً تتعب الأم سنوات في تعليم ابنها سلوكاً معيناً، ثم يأتي صديق واحد ليهدم كل ذلك خلال أشهر قليلة. ليس لأن التربية بلا قيمة، بل لأن الحاجة إلى الانتماء أقوى من كثير من النصائح.

في المدارس مثلاً، يمكن ملاحظة هذا التأثير بوضوح. الطالب المجتهد إذا أحاط نفسه بمجموعة ترى الدراسة قيمة، غالباً سيستمر بالتفوق. أما إذا دخل في مجموعة تسخر من النجاح وتعتبر الإهمال نوعاً من "الهيبة"، فقد يتراجع مستواه تدريجياً حتى لو كان أبواه شديدي الحرص على تعليمه. الجماعة هنا لا تعطيه الأفكار فقط، بل تمنحه تعريفاً جديداً لنفسه.

الأمر لا يتوقف عند الأطفال. حتى الكبار يتأثرون بالمجموعة التي يعيشون وسطها. الموظف النزيه قد يعتاد الفساد إذا دخل مؤسسة ترى الرشوة أمراً طبيعياً، والشخص الهادئ قد يتحول إلى عدواني إذا عاش وسط بيئة تمجد العنف. الإنسان يتلون غالباً بلون الجماعة التي تمنحه الشعور بالأمان والقبول.

وفي مجتمعاتنا العربية يمكن رؤية هذه الفكرة في تفاصيل كثيرة. بعض العائلات تبذل جهداً هائلاً في التربية، لكنها تهمل سؤالاً أكثر خطورة: مع من يقضي الابن يومه؟ فهناك من يراقب طعام طفله بدقة، لكنه لا يراقب البيئة النفسية التي يعيش فيها، مع أن الفكرة التي يسمعها من صديق قد تكون أخطر من أي طعام فاسد.

اليوم لم تعد المجموعة تقتصر على أصدقاء الحي أو المدرسة فقط، بل دخلت مواقع التواصل الاجتماعي لتصنع "جماعات رقمية" لها تأثير هائل على الأطفال والمراهقين. قد يجلس الطفل داخل منزله وتحت نظر والديه، لكنه في الحقيقة يعيش داخل عالم آخر يتشكل عبر الهاتف. يتبنى لغة جديدة، وأفكاراً جديدة، وحتى مقاييس مختلفة للنجاح والجمال والقوة، وكل ذلك بتأثير مجموعة لا يعرفها والداه أصلاً.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للطفل ليس أن يكون له أصدقاء، بل أن يشعر بالحاجة إلى أي مجموعة تقبله مهما كانت سيئة. الطفل الذي لا يجد احتواءً أو تقديراً أو مساحة للحوار داخل أسرته، يبحث غالباً عن التعويض خارجها، وقد يجده في جماعات منحرفة أو متطرفة أو مؤذية نفسياً.

ومع ذلك، لا يعني كلام جوديث هاريس أن دور الأبوين انتهى. فالأسرة تبقى الجذر الأول، وهي التي تمنح الطفل ثقته بنفسه وقدرته على الاختيار. الطفل الذي يتربى على الحوار والاحترام يكون أكثر قدرة على مقاومة ضغط الجماعة، أما الطفل الذي يعيش القمع أو الإهمال فقد يصبح أكثر هشاشة أمام أي تأثير خارجي.

إن التربية ليست سجناً يمنع الطفل من العالم، بل بناء داخلي يساعده على مواجهة العالم من دون أن يذوب فيه بالكامل. فالأصدقاء يصنعون كثيراً من التفاصيل، لكن الأسرة تمنح البوصلة. وربما لهذا يكون أهم سؤال في التربية اليوم ليس: "كيف أجعل ابني مطيعاً؟" بل: "كيف أجعله قادراً على اختيار الناس الذين لا يضيع بينهم؟"

 

*****

 

العالم تحت ظلال الرعب النووي مجددًا

تصاعد التسلح يعيد مخاوف الحرب الباردة إلى الواجهة


تقرير – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

تصريح أنطونيو غوتيريش لم يكن مجرد تحذير أممي عابر، بل بدا وكأنه جرس إنذار جديد لعالم يعود تدريجيًا إلى مناخات الحرب الباردة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وخطورة. فحين يؤكد الرجل أن عدد الرؤوس النووية يتزايد لأول مرة منذ عقود، فإن ذلك يعني أن البشرية بدأت تدخل مرحلة مختلفة، تتراجع فيها لغة نزع السلاح أمام سباق التسلح والردع والخوف.

العالم الذي احتفل بعد نهاية الحرب الباردة بانخفاض الترسانات النووية، عاد اليوم ليعيش هواجسها ذاتها، لكن في بيئة سياسية أكثر هشاشة. الحرب الروسية الأوكرانية، التصعيد في شرق آسيا، التوتر بين القوى الكبرى، والانقسامات الدولية المتسارعة، جميعها أعادت "الردع النووي" إلى الواجهة بوصفه أداة ضغط سياسية وعسكرية ونفسية.

المفارقة أن السلاح النووي، الذي صُمم أساسًا لمنع الحروب الكبرى عبر "توازن الرعب"، أصبح اليوم عنصرًا يزيد احتمالات الانفجار العالمي، خصوصًا مع تصاعد الخطاب العدائي وتراجع الثقة بين القوى الدولية. فالدول النووية لا تطور ترساناتها فقط، بل تعمل على تحديثها تقنيًا وإلكترونيًا، ما يجعل أي خطأ في الحسابات أو أي تصعيد غير محسوب قادرًا على دفع العالم إلى كارثة غير مسبوقة.

ورغم أن البشرية عاشت لعقود تحت ظل القنبلة النووية، فإن الأجيال الجديدة ربما لا تدرك تمامًا حجم الخطر الذي يعنيه استخدام سلاح واحد فقط. فالحرب النووية لم تعد مجرد مشهد سينمائي أو رواية سياسية، بل احتمال قائم في عالم تتكاثر فيه النزاعات وتتراجع فيه الحلول الدبلوماسية. ولهذا جاء تحذير الأمم المتحدة محمّلًا برسالة أخلاقية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا: لا يمكن كسب حرب نووية، لأن الجميع سيكون خاسرًا فيها.

اقتصاديًا، يكفي مجرد التلويح بالسلاح النووي لإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة والغذاء وتعميق أزمات الفقر والهجرة. أما إنسانيًا، فإن أي مواجهة نووية، محدودة، قد تخلّف آثارًا بيئية وصحية تمتد لعقود، من التلوث الإشعاعي إلى المجاعات والانهيارات المناخية. ولهذا فإن الحديث عن السلاح النووي لم يعد شأنًا يخص الجيوش والدبلوماسيين فقط، بل قضية تمس مستقبل الإنسان ذاته.

الإعلام بدوره يتحمل مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة. فبدل الاكتفاء بتغطية التصريحات السياسية، ينبغي فتح نقاش عالمي حول ثقافة السلام، ومخاطر سباقات التسلح، ومستقبل الأمن الدولي. كما أن المجتمعات مطالبة بالضغط على الحكومات لإحياء الاتفاقيات الدولية الخاصة بنزع السلاح ومنع الانتشار النووي، قبل أن يصبح العالم رهينة لقرارات انفعالية أو صراعات لا يمكن احتواؤها.

لقد بدا العالم، بعد الحربين العالميتين، وكأنه تعلّم درس الفناء. لكن الوقائع الحالية تشير إلى أن البشرية ما زالت تعيد إنتاج مخاوفها القديمة بأشكال جديدة. وبينما ترتفع أعداد الرؤوس النووية، يتراجع الإحساس الجماعي بالخطر، وكأن الإنسان اعتاد التعايش مع احتمال النهاية.

وربما تكمن خطورة المرحلة الحالية في أن العالم لا يعيش حربًا نووية فعلية، بل يعيش ما هو أخطر: الاعتياد التدريجي على فكرة الحرب النووية نفسها.

نعم، ما زال نزع السلاح ممكنًا، لكنه لم يعد مشروعًا سهلًا أو قريب المنال كما كان يُعتقد بعد نهاية الحرب الباردة. فالعالم اليوم لا يواجه مجرد سباق تسلح تقليدي، بل يعيش أزمة ثقة عميقة بين القوى الكبرى، تجعل كل دولة ترى في ترسانتها النووية "ضمانة بقاء" قبل أن تكون أداة ردع.

ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن الاتفاقيات الدولية قادرة على تقليص المخاطر حين تتوفر الإرادة السياسية. فمعاهدات الحد من الأسلحة النووية، واتفاقيات منع الانتشار، أثبتت سابقًا أن التفاهم الدولي يمكنه كبح سباقات التسلح ولو مؤقتًا. لكن المشكلة الحالية أن العالم ينتقل من مرحلة "خفض الترسانات" إلى مرحلة "تحديثها وتطويرها"، وهو ما يعقّد أي مشروع جديد لنزع السلاح.

الواقع يقول إن نزع السلاح الكامل قد يبدو بعيدًا في المدى المنظور، لكن منع الانفلات النووي ما زال ممكنًا عبر إعادة إحياء الدبلوماسية، وتعزيز الرقابة الدولية، وفرض ضغوط شعبية وإعلامية على الحكومات الكبرى. فالقضية لم تعد مرتبطة بالأمن العسكري فقط، بل بمصير الإنسانية نفسها.

 

*****

 

أوروبا تحت ضغط الأزمات..

الحرب والتضخم يدفعان اقتصاد منطقة اليورو نحو الانكماش


مجلة دجلة الخير إلكترونية – وكالات

دخل اقتصاد منطقة اليورو مرحلة جديدة من التباطؤ الحاد، مع تسجيل مؤشرات النشاط الاقتصادي خلال شهر أيار الجاري أسوأ أداء منذ أكثر من عامين ونصف العام، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، الأمر الذي بات يهدد بدخول الاقتصادات الأوروبية في حالة ركود واسعة خلال الأشهر المقبلة.

وكشف مسح اقتصادي حديث صادر عن مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال"، أن مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو تراجع إلى 47.5 نقطة خلال أيار، مقارنة بـ48.8 نقطة في نيسان الماضي، ليسجل أدنى مستوى له منذ تشرين الأول 2023، في وقت كانت الأسواق تتوقع استقرار المؤشر من دون تغيير. وتشير القراءات التي تقل عن 50 نقطة إلى انكماش النشاط الاقتصادي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التراجع يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها اقتصادات الاتحاد الأوروبي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، بالتزامن مع تراجع الطلب الاستهلاكي وضعف النشاط الخدمي والصناعي.

وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس"، كريس ويليامسون، إن بيانات أيار الأولية تؤكد أن اقتصاد منطقة اليورو “يتكبد خسائر متزايدة جراء الحرب في الشرق الأوسط”، موضحًا أن المؤشرات الحالية ترجح انكماش اقتصاد المنطقة بنسبة 0.2 بالمئة خلال الربع الثاني من العام الحالي.

وأضاف ويليامسون أن قطاع الخدمات، الذي كان يمثل عنصر الصمود الأساسي للاقتصاد الأوروبي خلال الفترات الماضية، بدأ يفقد زخمه بصورة سريعة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، ما أدى إلى تراجع الطلب بشكل واضح. وقد انخفض مؤشر مديري المشتريات للخدمات إلى 46.4 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ شباط 2021.

وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف من موجة تضخم جديدة قد تدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تشديد سياسته النقدية مرة أخرى، إذ حذرت المؤسسة من أن مؤشرات الأسعار توحي بإمكانية اقتراب التضخم من مستوى 4 بالمئة خلال الأشهر المقبلة، رغم استقراره عند 3 بالمئة في نيسان، وهو ما يزال أعلى من الهدف الرسمي للبنك المركزي الأوروبي البالغ 2 بالمئة.

ويرى محللون أن استمرار ارتفاع التضخم سيضع صناع القرار الأوروبي أمام معادلة صعبة، تتمثل في كيفية مواجهة ارتفاع الأسعار من دون خنق النمو الاقتصادي بشكل أكبر، خاصة مع استمرار تراجع ثقة قطاع الأعمال وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي.

وعلى مستوى سوق العمل، أظهر المسح استمرار الشركات الأوروبية في خفض أعداد موظفيها للشهر الخامس على التوالي، مسجلة أسرع وتيرة لفقدان الوظائف منذ تشرين الثاني 2020، في إشارة واضحة إلى تنامي القلق لدى الشركات من المرحلة المقبلة.

أما في ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، فقد استمر انكماش نشاط القطاع الخاص للشهر الثاني على التوالي، رغم ارتفاع طفيف في مؤشر مديري المشتريات المركب إلى 48.6 نقطة. وأوضح المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في المؤسسة، فيل سميث، أن الاقتصاد الألماني يتجه نحو الانكماش نتيجة تراجع قطاع الخدمات واستمرار ركود التصنيع، مؤكدًا أن اضطرابات إمدادات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز انعكست بشكل مباشر على الأسعار وتكاليف الإنتاج.

وفي فرنسا، بدت الصورة أكثر قتامة، بعدما سجل النشاط الاقتصادي أسوأ انكماش له منذ خمس سنوات ونصف السنة، مع هبوط المؤشر المركب إلى 43.5 نقطة، وسط انخفاض حاد في الطلبات الجديدة وتزايد المخاوف من دخول ثاني أكبر اقتصاد أوروبي في حالة ركود.

ويؤكد مراقبون أن القارة الأوروبية تواجه اليوم واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية منذ جائحة كورونا، في ظل تشابك الأزمات الجيوسياسية مع الضغوط المعيشية، ما يجعل مستقبل التعافي الاقتصادي الأوروبي مرهونًا بقدرة الحكومات على احتواء تداعيات الحرب وكبح التضخم المتصاعد قبل اتساع دائرة الركود.

 

*****

 

الأرض تستغيث والعالم يبحث عن النجاة

تقرير أممي يرصد أخطر التحديات البيئية ومستقبل البشرية المهدد عالمياً


تقرير – مجلة دجلة الخير إلكترونية

في زمنٍ تتسارع فيه الكوارث المناخية وتتزايد فيه المخاطر البيئية، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة اختبار مصيري بين البقاء والانهيار. هذا ما كشفه التقرير السنوي لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي حمل رسالة واضحة مفادها أن الأرض لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل، وأن البشرية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحرك الجماعي لإنقاذ الكوكب.

التقرير، الذي جاء تحت شعار "كوكبنا.. غايتنا"، رسم صورة دقيقة لعالم يعيش ضغوطًا غير مسبوقة. درجات الحرارة العالمية ترتفع بوتيرة خطيرة، والتنوع البيولوجي يشهد تراجعًا متسارعًا، فيما بات الهواء الملوث تهديدًا يوميًا لصحة مليارات البشر. وبينما تغرق المدن في الفيضانات وتلتهم الحرائق الغابات وتضرب موجات الجفاف مساحات واسعة من العالم، يؤكد التقرير أن الأزمة البيئية لم تعد قضية مستقبلية، بل واقعًا حاضرًا يفرض نفسه بقوة.

وفي واحدة من أكثر الرسائل إثارة للقلق، كشف تقرير "فجوة الانبعاثات" أن حرارة الأرض قد ترتفع ما بين 2.3 و2.5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، حتى لو التزمت الدول الحالية بتعهداتها المناخية. وهو رقم يرى العلماء أنه كفيل بإحداث اضطرابات هائلة تطال الاقتصاد والغذاء والصحة والاستقرار الاجتماعي في مختلف القارات.

لكن وسط هذا المشهد القاتم، حمل التقرير أيضًا إشارات أمل. فقد أكد أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة يمكن أن يحقق أكثر من 20 تريليون دولار إضافية للاقتصاد العالمي سنويًا، إضافة إلى إنقاذ ملايين الأرواح من الموت المبكر الناتج عن التلوث، وانتشال مئات الملايين من البشر من الفقر والجوع.

وشهد عام 2025 انعقاد الدورة السابعة لجمعية الأمم المتحدة للبيئة في العاصمة الكينية نيروبي، بمشاركة ممثلين عن 186 دولة. وأقرت الجمعية 11 قرارًا بيئيًا مهمًا شملت حماية الشعاب المرجانية والأنهار الجليدية، والتصدي للتلوث البلاستيكي، وتعزيز الإدارة المستدامة للمعادن والطاقة، فضلًا عن وضع ضوابط بيئية لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما أشار التقرير إلى أن برنامج الأمم المتحدة للبيئة عمل خلال العام الماضي في 151 دولة، دعم فيها الحكومات والمجتمعات المحلية لمواجهة آثار التغير المناخي، وإدارة الموارد الطبيعية، والحد من التلوث والنفايات. وتمكنت هذه الجهود من حماية أكثر من 170 ألف كيلومتر مربع من المساحات الطبيعية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة أكثر من 2.3 مليون إنسان حول العالم.

وفي جانب آخر، سلط التقرير الضوء على المخاطر المتزايدة للتلوث البلاستيكي، إذ ينتج البشر سنويًا نحو 400 مليون طن من النفايات البلاستيكية، تتسرب كميات كبيرة منها إلى البحار والتربة وحتى إلى أجساد البشر على شكل جزيئات دقيقة. كما حذر من أن صناعة الموضة وحدها تسهم بنسبة تصل إلى 8 بالمئة من الانبعاثات العالمية، وتستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة.

ولم يغفل التقرير تأثير الحروب والنزاعات على البيئة، حيث كشف عن دعم البرنامج لمناطق متضررة مثل غزة وأوكرانيا عبر تقييمات بيئية ومشاريع للطاقة المتجددة وإعادة الإعمار البيئي.

ويبدو واضحًا من مجمل التقرير أن العالم دخل مرحلة لا يمكن فيها الفصل بين البيئة والاقتصاد والسياسة والأمن. فكل أزمة مناخية جديدة تحمل معها تداعيات إنسانية ومعيشية عميقة، تجعل من حماية البيئة مسؤولية جماعية لا تخص الحكومات وحدها، بل تشمل الأفراد والمؤسسات والمجتمعات بأكملها.

وفي ختام التقرير، وجّهت المديرة التنفيذية للبرنامج، إنغر أندرسون، رسالة تؤكد فيها أن "التعددية البيئية" ما تزال الأمل الوحيد لتوحيد العالم في مواجهة الأزمات المشتركة، معتبرة أن مستقبل البشرية سيتحدد بقدرتها على العمل معًا، لا بشكل منفرد.

وبين التحذير والأمل، يبقى السؤال الأهم: هل يستجيب العالم لنداء الأرض قبل فوات الأوان؟

 

*****

 

المرأة العراقية بين ظلم العشيرة وصمت المجتمع


محمد عبد الجبار الشبوط

ليست كل العشائر ظالمة، وليست كل البيئات الريفية أو التقليدية معادية للمرأة، لكن من المؤلم أن توجد في بعض مناطق العراق مجتمعات ما زالت تتعامل مع المرأة بوصفها تابعًا للرجل لا إنسانًا كامل الحقوق والكرامة. وفي هذه البيئات تتحول العادات العشائرية أحيانًا إلى سلطة أعلى من القانون، وأقوى من الضمير، وأقسى من الدين نفسه.

هناك نساء يعشن حياة لا تشبه الحياة. فتاة تُمنع من اختيار شريك حياتها، وتُجبر على الزواج من ابن عمها أو أحد أقاربها فقط لأن "العشيرة تريد ذلك"، حتى لو كان هذا الرجل جاهلًا، أو عنيفًا، أو غير قادر على احترامها إنسانيًا ونفسيًا. وبعضهن يُعاملن وكأنهن جزء من "الملكية العائلية" التي لا يحق لها الاعتراض أو الرفض أو حتى التعبير عن الألم.

وفي هذه المجتمعات الذكورية المتطرفة يصبح الرجل وصيًا مطلقًا على المرأة: الأب يقرر، والأخ يراقب، والزوج يأمر، بينما تُسلب المرأة حقها الطبيعي في أن تكون إنسانًا حرًا يمتلك إرادة ومشاعر ومستقبلًا خاصًا به. والأسوأ من ذلك أن هذا الظلم يُقدَّم أحيانًا على أنه "شرف" أو "رجولة" أو "حفاظ على التقاليد"، بينما هو في حقيقته شكل من أشكال الاستبداد الاجتماعي.

إن المشكلة ليست في العشيرة بوصفها رابطة اجتماعية، فالعشيرة العراقية كانت عبر التاريخ تحمل قيم النخوة والتكافل والحماية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض الأعراف إلى أدوات لقمع النساء وإذلالهن، وعندما يصبح صوت المرأة عيبًا، وحريتها خطرًا، وتعليمها تهديدًا، واختيارها الشخصي جريمة.

ولا يمكن لأي مجتمع أن يدّعي التدين أو الأخلاق أو الحضارة وهو يسمح باستمرار هذا النوع من الظلم. لأن كرامة المرأة ليست قضية ثانوية، بل هي معيار أخلاقي وحضاري يقاس به مستوى المجتمع كله. فالمجتمع الذي تخاف فيه المرأة من أبيها أو أخيها أو زوجها ليس مجتمعًا سليمًا مهما رفع من شعارات الدين أو الشرف أو الأصالة.

إن إجبار النساء على الزواج، أو حرمانهن من التعليم والعمل، أو التعامل معهن بوصفهن كائنات ناقصة، لا ينتج أسرًا مستقرة، بل ينتج أجيالًا مشوهة نفسيًا وعاطفيًا، ويعيد إنتاج العنف داخل المجتمع جيلاً بعد جيل. فالطفل الذي يرى أمه مكسورة ومهانة سيتعلم أن الظلم أمر طبيعي، وأن القوة أهم من العدالة.

ولهذا فإن الدفاع عن المرأة العراقية ليس صراعًا ضد الرجل، بل هو دفاع عن إنسانية المجتمع نفسه. كما أن تحرير المرأة من الظلم العشائري لا يعني هدم القيم الاجتماعية، بل يعني إعادة بناء هذه القيم على أساس الكرامة والرحمة والعدالة والاحترام المتبادل.

إن العراق لا يمكن أن يدخل عصر الدولة الحضارية الحديثة بينما تعيش آلاف النساء تحت سلطة الخوف والإكراه والصمت. فالدولة الحضارية تبدأ من البيت، ومن طريقة معاملة المرأة، ومن الاعتراف بأنها ليست ظلًا للرجل، بل شريك كامل في الإنسانية والحياة وصناعة المستقبل.

 

*****

 

كاظم الساهر يعود بأغنية تحرك الذاكرة

"متى" تعيد القيصر إلى الحزن العراقي والرومانسية الهادئة


مجلة دجلة الخير الإلكترونية

منذ اللحظة الأولى لطرح أغنية "متى"، عاد اسم الفنان الكبير كاظم الساهر ليتصدر المشهد الفني والإعلامي العربي، ليس فقط بسبب جماهيريته المعتادة، بل لأن العمل الجديد فتح باباً واسعاً للنقاش حول الفن والحنين والهوية الموسيقية العراقية التي لطالما حملها القيصر في أعماله.

الأغنية التي انتظرها جمهور الساهر طويلاً، لم تمر مروراً عادياً، إذ انقسمت الآراء بين من رأى أن "متى" لا ترتقي إلى مستوى الأعمال الخالدة التي قدمها القيصر خلال مسيرته الفنية الطويلة، وبين من اعتبرها عودة صادقة إلى روح كاظم الساهر القديمة؛ تلك الروح التي صنعت وجدان أجيال كاملة من عشاق الأغنية العربية الرومانسية.

ورغم الجدل، إلا أن المتفق عليه بين الجميع أن الأغنية تحمل إحساساً عراقياً واضحاً، بدا حاضراً في الأداء واللحن وطريقة التعبير الحزينة الهادئة التي تميز بها الساهر منذ بداياته. فـ"متى" لا تعتمد على الإبهار الموسيقي الصاخب أو الإيقاعات السريعة الرائجة اليوم، بل تراهن على الكلمة والإحساس والصوت الناضج الذي ما يزال يحتفظ بقدرته على ملامسة المشاعر.

اللافت في الأمر أن الجدل حول الأغنية لم يبقَ عربياً فقط، بل امتد إلى الصحافة العالمية، بعدما تناولت مجلة فرنسية العمل ووصفت الأغنية بأنها "عودة كاظم الساهر إلى الجرح العراقي"، في إشارة إلى الحزن العميق الذي يسكن الكثير من أعماله، وإلى ارتباط صوته بذاكرة عراقية مليئة بالشوق والفقد والحنين.

هذا الاهتمام يعكس حقيقة مهمة مفادها أن اسم كاظم الساهر لم يعد مجرد اسم لفنان عربي ناجح، بل تحول إلى ظاهرة فنية وثقافية عابرة للحدود. فكل عمل جديد يقدمه يتحول تلقائياً إلى مساحة للنقاش والتحليل، سواء بين الجمهور أو النقاد أو حتى وسائل الإعلام العالمية التي تتابع حضوره الفني المستمر منذ عقود.

وربما تكمن قوة "متى" في بساطتها نفسها. فالأغنية لا تحاول منافسة موجة الأغاني الحديثة القائمة على الضجيج البصري والإيقاعي، بل تعود بالمستمع إلى زمن الأغنية التي تُسمع بالقلب قبل الأذن. وهذا ما جعل كثيرين يشعرون بأن القيصر لم يكن يسعى لإثبات شيء جديد، بقدر ما كان يحاول استعادة ذلك الخيط العاطفي القديم بينه وبين جمهوره.

لقد اعتاد الجمهور من كاظم الساهر أن يقدم الأغنية بوصفها حالة شعورية كاملة، لا مجرد لحن عابر، ولذلك فإن "متى" تبدو أقرب إلى رسالة وجدانية هادئة تحمل الكثير من التأمل والحنين، وربما شيئاً من التعب الإنساني الذي يرافق الفنان كلما تقدم به العمر وتجددت ذاكرته.

وفي النهاية، سواء اتفق الجمهور أو اختلف حول الأغنية، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن كاظم الساهر ما يزال قادراً على إثارة الاهتمام وصناعة الحدث الفني، وأن صوته لا يزال يحمل تلك القدرة النادرة على إعادة الناس إلى مناطقهم الأكثر حساسية وصدقاً.

 

*****

 

جلسة احتفاء بالشاعر العراقي حميد قاسم في اتحاد الأدباء ببغداد

إصدار الأعمال الشعرية الكاملة يوثّق أربعة عقود من التجربة الإنسانية والجمالية


محمد الجراح – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

شهد الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق جلسة احتفائية خاصة بالشاعر العراقي حميد قاسم بمناسبة صدور مجموعته الشعرية الكاملة، وسط حضور ثقافي وأدبي واسع عكس المكانة التي يحتلها الشاعر في المشهد الثقافي العراقي، والدور الذي لعبته تجربته الشعرية على مدى أكثر من أربعة عقود.

الجلسة التي اتسمت بأجواء إنسانية ووجدانية، تحولت إلى مساحة للاحتفاء بالمحبة والوفاء الثقافي، حيث عبّر الشاعر حميد قاسم عن امتنانه الكبير للحضور، مؤكداً أن ما أحاطه به أصدقاؤه ومحبو تجربته من مشاعر صادقة منحه "سعادة لا تُبارى"، على حد وصفه، مضيفاً أن المحبة تمثل رزقاً إنسانياً نادراً لا يمكن قياسه أو تقديره بثمن.

وقال قاسم إن حضور الأدباء والأصدقاء والصديقات إلى قاعة الاتحاد، رغم مشاغل الحياة اليومية، شكّل بالنسبة له رسالة وفاء عميقة، مشيراً إلى أن القاعة "فاضت نوراً وفرحاً وبريقاً من طراز خاص"، في إشارة إلى الأجواء الحميمية التي رافقت الاحتفاء بتجربته الشعرية الطويلة.

ويأتي صدور الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر حميد قاسم بوصفه محطة بارزة في توثيق واحدة من التجارب الشعرية العراقية الحديثة التي رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. ولا يمثل هذا الإصدار مجرد جمع للدواوين في مجلد واحد، بل إعادة قراءة شاملة لمسيرة شعرية اتسمت بالوفاء للإنسان والذاكرة والأسئلة الوجودية الكبرى.

ويُعد حميد قاسم من الأصوات الشعرية التي اختارت بناء مشروعها الإبداعي بعيداً عن التقليد والتكرار، إذ عُرفت قصيدته بنزعتها الإنسانية واهتمامها بالتفاصيل اليومية البسيطة، فضلاً عن بعدها التأملي العميق الذي جعل نصوصه مرآة للقلق الإنساني والبحث المستمر عن معنى الحياة.

وعكست قصائد الشاعر صورة العراق بكل تناقضاته وتحولاته، فحضر فيها الإنسان البسيط، والمنفى، والحرب، والطفولة، والحب، والمدينة، بوصفها عناصر متشابكة في تشكيل الوجدان العراقي المعاصر. لذلك يرى نقاد ومتابعون أن إصدار أعماله الكاملة يمثل إضافة مهمة للمكتبة العراقية والعربية، وحفظاً لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن بأكمله.

كما يمنح هذا الإصدار الأجيال الجديدة فرصة للاطلاع على تجربة شعرية متكاملة، بعد أن ظلت العديد من دواوين الشاعر موزعة بين طبعات قديمة ومجلات ودور نشر متفرقة، الأمر الذي صعّب الوصول إليها في السابق. أما اليوم، فإن جمعها في إصدار واحد يتيح للباحثين والقراء تتبع تطور تجربته الفنية واللغوية والفكرية عبر السنوات.

ويؤكد مهتمون بالشأن الثقافي أن توثيق أعمال الشعراء العراقيين وإعادة نشرها يمثل خطوة ضرورية لحماية الذاكرة الثقافية العراقية، خاصة بعد ما تعرضت له الثقافة في العراق من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بفعل الحروب والهجرة والظروف السياسية المعقدة.

ويأتي احتفاء اتحاد الأدباء بهذه المناسبة تأكيداً على أهمية الحفاظ على الإرث الإبداعي العراقي، والاحتفاء بالأسماء التي أسهمت في ترسيخ الحداثة الشعرية العراقية مع الاحتفاظ بخصوصيتها الفنية والإنسانية، وهو ما تجسد بوضوح في تجربة الشاعر حميد قاسم التي ظلت قريبة من القارئ، ومنحازة إلى الإنسان وأسئلته الكبرى.

 

*****

 

أصوات شابة تحلّق في فضاء السرد..

جلسة نقدية تحتفي بالتجارب القصصية الجديدة في اتحاد الأدباء


غسان عادل

أقام نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، اليوم السبت 23 أيار 2026،جلسة للاحتفاء بتجارب قصصية شابة،شارك فيها كل من القصاصين، محمود السامرائي وخلف حسين وأحمد إحسان ومآب عامر،مع قراءات نقدية قدمها عدد من النقاد،بحضور نخبة من الأدباء.

وقال مدير الجلسة، الروائي رأفت عادل،نجتمع اليوم لنحلق في فضاء أصوات شابة،جاءت تحمل دفاترها بشغف كبير،وبإيمان خفي بأن الحكايات قادرة على إنقاذ شيء ما في هذا العالم،وما هذه الجلسة إلا محاولة للاقتراب من تلك الأصوات التي تخطو خطواتها الأولى في الكتابة، حاملة قلق الحكاية وشغف اللغة.

وقال السامرائي في مستهل حديثه إن القصة تُعدّ من أصعب فنون الأدب وأكثرها إرهاقًا للكاتب،لما تتطلبه من تكثيف عالٍ وقدرة على الإمساك باللحظة السردية بأدوات دقيقة، مشيراً إلى أنها تمثل محاولة دائمة للتجريب والبحث عن أشكال تعبيرية جديدة، بخلاف الرواية التي تتيح مساحة أوسع للتفصيل والاستطراد وبناء العوالم السردية.

أما عامر،فأكدت أن كتابة القصة تتطلب تمريناً مستمراً وانخراطاً يومياً في فعل الكتابة،بشغف يشبه متعة طالبة المدرسة في اكتشاف المعرفة، مبينة أن القصة ليست مجرد حكاية عابرة،وإنما تمثّل إثارة عميقة للمعنى، ومن خلالها يمكن إيصال العديد من الرسائل الإنسانية والفكرية، بأسلوب مكثف وقادر على التأثير في المتلقي.

ولفت الهلالي،إلى أنه بدأ علاقته مع القصة منذ سنوات الطفولة الأولى، متأثراً ببيئته العائلية،إذ أسهم والداه في تشكيل ذائقته الفنية من خلال ما نقلاه له من تفاصيل عن الأغنية العراقية وأطوارها، وخصوصاً الطور الشطراوي.

وأضاف،أنه خاض تجربته الأولى في الكتابة بالتوازي مع المسرح،إذ عمل كاتباً وممثلاً،ما أتاح له فهماً أعمق لبناء الشخصيات والحوار وتشكيل المشهد الدرامي،قبل أن يتجه للتخصص في أدب الأطفال،الذي وجد فيه مساحة أوسع للتعبير عن أفكاره ومخيلته.

أما حسين فأشار إلى أن الكاتب لا يخترع الحكايات من العدم،بل يعيد إنتاجها من مخزون الطفولة ويصقلها بتجاربه الحياتية والقرائية ثم ينسج خيوطها مستعيناً بإبرة المخيلة حتى تكتمل قصصاً. وبالنسبة لي، لم يكن السرد ترفاً اخترته في مرحلة متقدمة من العمر،بل كان قدراً تشربته عبر الحبل السري،وعندما خرجتُ إلى الحياة، همسوا بروحي الحكايات قبل الآذان،فقد وُلدتُ وسط الأصوات المتصادية ورضعتُ الحكايات مع أول دفقةِ حليب.

 وتواصلاً مع محاور الجلسة،قدمت الناقدة حلا حمزة مداخلة نقدية إكدت فيها،أن  تجارب الشباب تكشف عن التحولات الثقافية والفكرية التي يعيشها الجيل الجديد، إذ إن الإبداعات على اختلاف أشكالها، تحمل حساسية خاصة في رؤية الواقع ومحاولة تحليل تحولاته اليومية.

وبيّنت أن أدب الشباب يقف في منطقة وسطى،تتأرجح بين باكورة الاندفاع الأولى واصطدامه بعالم أكثر قسوة، عالم تحكمه السلطة والرمزيات المعقدة،ومن هنا تبرز أهمية تسليط الضوء على هذه التجارب،بوصفها محاولات جادة لفهم الذات والعالم،والتعبير عن هواجس جيل يسعى إلى إثبات حضوره وصوته ضمن مشهد ثقافي متغير ومتسارع.

وأكدت الناقدة عالية خليل في مداخلتها،أن الآداب والفنون تمثل محاولة إنسانية دائمة لترميم وحشية العالم،وتخفيف قسوته، عبر ما تتيحه من مساحات للتعبير والجمال والتأمل.

وأشارت إلى أن أدب الشباب بمختلف أشكاله،يسهم في إعادة صياغة الواقع وتقديمه برؤية أكثر عمقًا وإنسانية، بما يتيح للمتلقي فهم ذاته والعالم من حوله بصورة أكثر حساسية.

وفي ختام الجلسة، قدمت مداخلات تمحورت حول تجارب الكتابة الأولى وتحديات السرد لدى الجيل الجديد، فضلاً عن أهمية الاستمرار في القراءة والتجريب.

 

*****

 

صادق الصائغ.. شاعر المنافي وذاكرة بغداد الحية

رحلة مثقف عراقي جمع الشعر والفن والمنفى والخيبات الإنسانية


مجلة دجلة الخير الإلكترونية

في حياة العراقيين أسماء تمرّ كالعابرين، وأخرى تترك أثرها مثل ندبة جميلة في ذاكرة الثقافة والفن. وكان صادق الصائغ واحداً من أولئك الذين عاشوا حياتهم بين القصيدة والمنفى، وبين الضوء الداخلي والعتمة التي لا يراها الآخرون. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، ظهر شاباً وسيماً يحمل ملامح بغداد القديمة، وصوتاً إذاعياً دافئاً، وروحاً قلقة تبحث عن وطن يشبه أحلامه.

ولد صادق الصائغ عام 1936 في بغداد، ونشأ في بيئة شعبية صنعت مبكراً حساسيته الفنية والإنسانية. دخل عالم الصحافة والخط والرسم وهو ما يزال في بدايات شبابه، فعمل خطاطاً ومصمماً صحفياً، قبل أن يلفت الأنظار بصوته الإذاعي وبرامجه الثقافية المختلفة. وفي ستينيات القرن الماضي سافر إلى براغ، المدينة التي ستصبح واحدة من محطات عمره الطويل، وهناك درس الأدب الإنجليزي وعمل مذيعاً في القسم العربي لإذاعة براغ، ليبدأ رحلة اغتراب سترافقه حتى سنواته الأخيرة.

لم يكن الصائغ مجرد شاعر، بل كان حالة ثقافية متكاملة. كتب الشعر، ورسم اللوحات، وأجاد الخط العربي، وعمل ناقداً سينمائياً وصحفياً ومقدماً تلفزيونياً. وفي سبعينيات بغداد، أصبح اسمه معروفاً من خلال “البرنامج الثاني” الذي قدمه في تلفزيون العراق، حيث حاول أن يمنح الثقافة شكلاً جديداً مختلفاً عن القوالب التقليدية السائدة آنذاك. لكن تلك الروح الحرة اصطدمت سريعاً بالسلطة والتضييق، فدخل في سلسلة من الخيبات والضغوط السياسية التي دفعته لاحقاً إلى مغادرة العراق.

في بيروت عاش سنوات الحرب والمنفى، متنقلاً بين المقاهي الثقافية والبيوت المهددة بالقصف. وهناك تعمقت صداقاته مع مثقفين وشعراء عراقيين وعرب، فيما ظل يحمل بغداد داخله كجرح دائم. كان يقول لمن حوله إن الوطن لا يغادر الإنسان حتى وهو يبتعد آلاف الكيلومترات عنه. وفي قصائده ظل العراق يظهر كمدينة مكسورة لكنها تستحق الحب مهما اشتدت قسوتها.

أما على المستوى الإنساني، فقد كان الصائغ شخصية آسرة تجمع بين الأناقة والحزن العميق. رجل محاط بالأصدقاء والضجيج الثقافي، لكنه كان يحمل داخله طفولة موجوعة ووحدة لا تنتهي. ورغم نجاحه وموهبته وعلاقاته الواسعة، ظل يعاني من الكآبة والإحساس الدائم بعدم الاستقرار، كأن حياته كلها كانت رحلة بحث عن طمأنينة مؤجلة.

بعد عام 2003 عاد إلى العراق لفترة قصيرة، وعمل مستشاراً ثقافياً في وزارة الثقافة، لكنه سرعان ما عاد إلى لندن، المدينة التي عاش فيها سنواته الأخيرة. هناك رحل في الأول من أيار 2026 بهدوء، بعيداً عن بغداد التي أحبها حتى النهاية. رحل الشاعر الذي وزع روحه بين المنافي، وترك خلفه سيرة مثقف عراقي نادر، عاش الفن بوصفه طريقة لمقاومة الخراب، وعاش الوطن بوصفه حلماً لا يكتمل.

 

*****

 

هل بالامكان النهوض بالتعليم وتخطي تدهوره؟


ماجد زيدان

بمناسبة تولي وزير جديد لمنصب وزارة التربية تطرح المهمات العاجلة الحاجة الملحة لإنقاذ التعليم مما هو فيه من خراب وتدهور انتهاج سياسة مغايرة لما هي عليه العملية التربوية الان، رغم صعوبة المهمة والضغوط التي تكبل الوزارة، فمنذ اليوم الاول وقبل ان يستلم الوزير مهامه تحركت الجبهة المضادة للتعليم الجيد ودعت الى الدخول الشامل للامتحانات الوزارية، ولم تكتفي بذلك، وانما طالب البعض وعلى صفحة وزارة التربية على الانترنت زيادة "مكرمة" الدرجات الاضافية من 10 درجات الى 15 درجة أي تصبح درجة النجاح الصغرى 35 درجة بدلا من 50!.

ولا اظن اذا استمر الامر على هذه الطريقة يمكن ان ينتشل التعليم مما هو فيه ويتقدم ويعود الى سابق عهده من ازدهار ورقي، مع التباري في اصدار قرارات تؤدي الى اضعافه وتزيد الطين بله..

الاصلاح الشامل للتعليم يبدا من مراجعة المناهج لتوائم التقدم العلمي والمعرفي وربطها بخطط التنمية ومواكبة التطور على الصعد كافة..

البداية تكون من الغاء الدور الثالث للمراحل كلها الذي يمنح لزيادة نسب النجاح والتغطية على سوء التدريس، على ان يشمل ذلك اعادة تقييم التعليم الحكومي والعناية به الذي يتطلب اعادة هيبته وقوته والنظرة الايجابية اليه بإلغاء نظام المحاولات والانتساب الذي افرغ المدارس من طلابها وزاد اعدادها في معاهد التقوية.

كما ينبغي الانتباه الى بعض المطالب النيابية والنوايا السلبية التي تضمرها بذريعة ظروف البلد الاستثنائية ودراسة كل قرار او مقترح بعمق ومدى تأثيره على العملية التربوية والدراسية..

في الفترة الماضية تخرج الالاف من الطلبة من مدارس الوقفين الشيعي والسني التي اتسمت بتقليص المناهج، كما ونوعا، مما اثر سلبا على التعليم وتدنيه وتوجه اعداد غفيرة ممن لا تتوفر فيهمم الضرورات للاستفادة من تسهيلاته ومن ثم لاحقا الانتساب الى الجامعات الاهلية..

ان بناء استراتيجية جديدة للتعليم اصبح امرا مستحقا منذ زمن طويل، يأخذ بنظر الاعتبار معالجة اوجه القصور المعروفة والتي لا يتسع المجال في هذه الاسطر لذكرها، كما يمكن اللجوء الى مؤتمرات في كل مديرية تربية تناقش فيها مشكلات التعليم وحلول ازالة العراقيل التي تكبح تطوره.

ثم الم يحن الاوان لتعديل قانون التعليم الالزامي وجعله اجباريا لغاية نهاية المرحلة المتوسطة وربط الوظائف باجتيازه، الى جانب التوسع في بناء رياض الاطفال الحكومية، والمراقبة الجادة والمسؤولة للتعليم الاهلي والزامه بان يكون رديف حقيقي وبناء للتعليم الحكومي، وتجنب سياساته بان يكون سلعة هدفها الربح ليس الا.

ان الاستماع لما يقال بشان التعليم وقراءة ما يكتب مسالة في غاية الاهمية، وهما عمليتان تدلان على التوجه نحو سياسة تربوية صحيحة تعيد للتعليم دوره في بناء البلد.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.