قراءة نقدية
لتصريحات محافظ البنك المركزي العراقي تكشف فجوة بين رسائل الطمأنة الرسمية وعمق
الأزمة المالية المرتبطة بالعجز الهيكلي واعتماد الاقتصاد على النفط.
طمأنة المحافظ لا تخفي
هشاشة الاقتصاد العراقي
رسائل التهدئة النقدية
تتجاوز جذور الأزمة المالية وتعقيدات السوق العراقية
تقرير – مجلة دجلة
الخير الإلكترونية
في توقيت اقتصادي شديد
الحساسية، عاد محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق ليطلق رسائل طمأنة جديدة للأسواق
والرأي العام، مؤكداً استقرار سعر الصرف، وتأمين الرواتب، وامتلاك العراق احتياطيات
نقدية كافية، مع نفي وجود أزمة حقيقية في توفير الدولار أو تهريبه. إلا أن هذه التصريحات،
ورغم نجاحها النسبي في تهدئة المخاوف، بدت أقرب إلى خطاب نفسي لاحتواء القلق الشعبي
منها إلى تشخيص اقتصادي عميق للأزمة المالية التي يمر بها العراق.
فالعلاق ركّز بصورة
واضحة على عنصر "الطمأنة"، لكنه لم يقدم إجابات كافية عن الأسئلة الجوهرية
المتعلقة بمستقبل الاستقرار المالي، ولا عن الأدوات الفعلية التي يمكن أن تمنع تفاقم
الأزمة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية الحالية.
أولى النقاط المثيرة
للنقاش كانت حديثه عن أن احتياطيات الدولار "مؤمّنة"، وهي عبارة تحمل طابعاً
مطمئناً بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم متانة الوضع المالي. فالمشكلة لا تتعلق
فقط بحجم الاحتياطي النقدي، بل بسرعة استنزافه، وقدرة الدولة على تعويضه من عائدات
النفط، وحجم الطلب الداخلي المتزايد على الدولار سواء لأغراض التجارة أو الادخار أو
السوق الموازية. لذلك فإن الحديث عن وفرة الاحتياطيات من دون توضيح مؤشرات الاستدامة
المالية يبقى خطاباً ناقصاً من الناحية الاقتصادية.
الأمر ذاته ينطبق على
نفيه وجود نية لتغيير سعر صرف الدينار. فأسعار الصرف لا تُحسم فقط بالرغبات السياسية
أو التصريحات الرسمية، بل تتحكم بها معطيات اقتصادية معقدة ترتبط بالعجز المالي، ومستوى
الإيرادات النفطية، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. وبالتالي فإن
النفي الحالي لا يلغي احتمال تعرض سعر الصرف لضغوط مستقبلية إذا استمرت الاختلالات
الهيكلية في الاقتصاد العراقي.
ومن أكثر النقاط التي
أثارت الجدل حديث المحافظ عن ضرورة إشراك البنك المركزي في إعداد الموازنة الاتحادية.
صحيح أن التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية أمر مطلوب في كل الاقتصادات،
لكن تحويل البنك المركزي إلى شريك مباشر في صياغة الموازنة قد يثير مخاوف تتعلق باستقلالية
المؤسسة النقدية. فالبنوك المركزية عادة يفترض أن تبقى بعيدة عن الضغوط الحكومية المرتبطة
بالإنفاق والعجز، لأن فقدان هذه الاستقلالية قد يحولها تدريجياً إلى أداة مالية بيد
السلطة التنفيذية، وهو ما يحمل مخاطر على الاستقرار النقدي مستقبلاً.
وفي ملف الرواتب، استخدم
العلاق لغة مطمئنة حين أكد أن الرواتب "مؤمّنة إلى المدى المنظور"، غير أن
هذا التعبير بقي فضفاضاً وغير محدد زمنياً. فهل المقصود أشهر قليلة أم سنة كاملة؟ المشكلة
الأساسية ليست في قدرة الحكومة على دفع الرواتب حالياً، بل في مدى استدامة هذا الإنفاق
مستقبلاً، خاصة أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، فيما تتزايد
النفقات التشغيلية والالتزامات الثابتة للدولة بشكل مستمر.
أما في ما يتعلق بملف
الدولار، فقد وصف المحافظ الحديث عن "تهريب الدولار" بأنه غير دقيق، مؤكداً
أن جميع التحويلات المالية تخضع للرقابة. لكن هذا النفي لا يعالج جوهر المشكلة بالكامل،
لأن تسرب الدولار لا يحدث دائماً عبر التهريب التقليدي المباشر، بل قد يتم من خلال
فواتير استيراد مبالغ فيها، أو شركات واجهة، أو طلبات تجارية غير حقيقية، أو تحويلات
يصعب تتبع مساراتها النهائية. ولهذا فإن السوق بحاجة إلى شرح واضح لآليات الرقابة والتدقيق،
لا إلى الاكتفاء بنفي وجود المشكلة.
ورغم أهمية اعتراف
العلاق بوجود "عجز فعلي وهيكلي" في الموازنة، إلا أن هذا الاعتراف بقي ناقصاً
من دون التوسع في جذور الأزمة. فالعجز المالي في العراق ليس مجرد رقم محاسبي طارئ،
بل نتيجة نموذج اقتصادي ريعي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، مقابل قطاع خاص محدود،
وضعف الإيرادات غير النفطية، وتضخم الإنفاق التشغيلي، وارتفاع فاتورة الرواتب والدعم
الحكومي. وهذه المشكلات لا تُحل بخطابات الطمأنة وحدها، بل بإصلاحات مالية واقتصادية
عميقة قد تكون صعبة سياسياً واجتماعياً.
في المحصلة، يمكن القول
إن تصريحات محافظ البنك المركزي نجحت جزئياً في أداء وظيفة "التهدئة النفسية"
للأسواق، لكنها بدت أقل نجاحاً في تقديم تشخيص اقتصادي واضح وشفاف للأزمة العراقية.
فالخطاب ركّز على نفي المخاطر أكثر من شرح أدوات معالجتها، وعلى بث الطمأنينة أكثر
من تقديم رؤية إصلاحية متكاملة. وربما يعكس ذلك إدراك المؤسسة النقدية لحساسية المرحلة،
وخشيتها من أي خطاب قد يثير الذعر المالي، إلا أن الاقتصاد لا يُدار بالرسائل النفسية
وحدها، بل بسياسات واضحة، وشفافية أكبر، وإصلاحات حقيقية تعالج أصل الاختلالات البنيوية
في الدولة العراقية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق