تصعيد أميركي
إسرائيلي يعصف بمسار التفاوض النووي مع إيران، بعد اغتيال المرشد الإيراني، ما
يفتح مرحلة غامضة بين احتمال العودة للدبلوماسية أو الانزلاق نحو مواجهة إقليمية
أوسع وتوازنات جديدة.
من جنيف إلى
حافة الانفجار:
المفاوضات
الأميركية الإيرانية بعد التحول العسكري وتداعيات اغتيال المرشد
دجلة الخير - وكالات
لم تعد
المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مساراً سياسياً تقنياً يُدار تحت سقف
الدبلوماسية الهادئة كما بدت عليه في جولاتها الأخيرة بين مسقط وجنيف، بل تحولت،
بفعل العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية الأخيرة، إلى ملف مفتوح على
احتمالات تتجاوز الإطار النووي نحو إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي. وإذا كانت
الجولة الثالثة في جنيف قد وُصفت رسمياً بأنها أحرزت "تقدماً ملحوظاً"،
فإن هذا التوصيف بات اليوم أقرب إلى تسجيل موقف سياسي منه إلى توصيفٍ لواقعٍ
مستقر، بعد أن دخل العامل العسكري على خط التوازنات الحساسة.
قبل التصعيد
الأخير، كانت المفاوضات تسير في مسار تدريجي حذر، تتقدم شكلياً بخطوات محسوبة فيما
تبقى الفجوات الجوهرية حاضرة في صلب التفاهمات. طهران تمسكت برفع العقوبات وإلغاء
قرارات مجلس الأمن المرتبطة بملفها النووي بوصف ذلك شرطاً تأسيسياً لأي اتفاق
مستدام، ورفضت إدراج نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج أراضيها ضمن
الترتيبات المطروحة، معتبرة أن هذه الورقة تمثل عنصراً سيادياً وأداة توازن في
مواجهة الضغوط. في المقابل، ركزت واشنطن على منع بلوغ عتبة السلاح النووي،
والتشديد على سقف التخصيب وآليات الرقابة والتحقق طويل الأمد، وسط إشارات غير
معلنة إلى خيبة أمل أميركية من مستوى المرونة الإيرانية في الجولة الثالثة.
غير أن
العمليات العسكرية الأخيرة، وما رافقها من استهدافات نوعية، نقلت الملف من مساحة
إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة تعريفها. فقد أحدثت الضربات الأميركية – الإسرائيلية
تحولاً في طبيعة التفاوض ذاته، إذ لم يعد النقاش يدور حول تفاصيل تقنية وآليات
تنفيذ، بل حول مدى بقاء المسار التفاوضي قائماً من الأساس. ومع تصاعد التوتر، برزت
تداعيات غير مسبوقة تمثلت في مقتل المرشد الإيراني، في تطور شكّل صدمة داخلية
عميقة في البنية السياسية لإيران، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية دقيقة تمسّ صميم
النظام.
إن اغتيال
المرشد، بوصفه رأس الهرم السياسي والديني وصاحب الكلمة الفصل في الملفات
الاستراتيجية، لا يمثل حدثاً رمزياً فحسب، بل يحمل تداعيات مباشرة على مسار
التفاوض وعلى طبيعة القرار الإيراني في المرحلة المقبلة. فمن جهة، قد يدفع هذا
التطور إلى تشدد داخلي وتغليب خطاب الردع والانتقام، بما يعزز نفوذ التيارات
الرافضة لأي تنازل تفاوضي. ومن جهة أخرى، قد ترى مؤسسات الدولة أن احتواء التصعيد
عبر مسار تفاوضي مضبوط يمثل ضرورة لمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تملك طهران
ترف خوضها في لحظة انتقال قيادي حساسة.
في هذا
السياق، تبدو الحسابات الأميركية أكثر تعقيداً. فواشنطن التي كانت تسعى إلى اتفاق
مرحلي يمنع الانفجار، تجد نفسها اليوم أمام مشهد يتداخل فيه البعد النووي مع
معادلات الردع الإقليمي، ومع احتمال أن يتحول مقتل المرشد إلى عنصر تعبئة داخلية
يعيد توحيد الصف الإيراني تحت عنوان "السيادة المستهدفة". كما أن
الانخراط الإسرائيلي المباشر في العمليات يعكس محاولة لفرض سقف أمني جديد يمنع أي
اتفاق لا يراعي المخاوف الإسرائيلية، ويعيد ضبط ميزان القوة قبل العودة إلى
الطاولة.
السيناريو
الأكثر ترجيحاً في المدى القريب لا يشير إلى انهيار كامل للمسار التفاوضي بقدر ما
يوحي بمرحلة تجميد مشوب بالتصعيد غير المباشر. فقد تلجأ طهران إلى إعادة ترتيب
بيتها الداخلي أولاً، ثم إدارة رد محسوب يحفظ توازن الردع من دون الذهاب إلى
مواجهة شاملة، فيما قد تفضل واشنطن إبقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة لتفادي
انفجار واسع. أما احتمال الانزلاق إلى صدام إقليمي مباشر، فرغم بقائه وارداً، إلا
أن كلفته المرتفعة على جميع الأطراف تجعله خياراً غير مرغوب فيه إلا في حال حدوث
خطأ استراتيجي أو رد غير محسوب.
إن الانتقال
من أجواء جنيف التفاوضية إلى مناخ التصعيد العسكري يعكس هشاشة التوازن الذي كان
يحكم العلاقة بين الطرفين. فالمعادلة التي قامت على "تقدم بطيء في الشكل
وتصلب محسوب في الجوهر" لم تعد قائمة بالصيغة ذاتها بعد اغتيال المرشد، إذ
باتت القرارات المقبلة محكومة بمزيج من الحسابات الاستراتيجية والاعتبارات الرمزية
والضغوط الداخلية. وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الجولة الثالثة قد أحرزت
تقدماً، بل ما إذا كانت المنطقة قادرة على استعادة منطق التفاوض قبل أن تفرض
الوقائع الميدانية مساراً بديلاً يُرسم تحت ضغط النار لا على طاولة الدبلوماسية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق