وسط أزمات
اقتصادية وأمنية متشابكة، يواجه رئيس الوزراء علي الزيدي اختباراً صعباً بين وعود
الإصلاح، وضغوط القوى السياسية، وغضب الشارع المتصاعد.
علي الزيدي.. رجل الأعمال
الذي دخل اختبار الدولة
حكومة الزيدي بين ضغوط
الداخل وتعقيدات الإقليم الدولية وأزمات الاقتصاد العراقي
سلوان اليوسف –
مجلة دجلة الخير الإلكترونية
لم يعد اسم علي الزيدي
مرتبطاً فقط بالمفاجأة السياسية التي رافقت صعوده السريع إلى واجهة المشهد العراقي،
بل بات عنواناً لمرحلة سياسية جديدة تواجه اختبارات معقدة تتجاوز حدود تشكيل الحكومة
إلى قدرة الدولة نفسها على استعادة التوازن وسط أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة.
فبعد أشهر من الانسداد
السياسي والخلافات داخل القوى الحاكمة، جاء اختيار الزيدي بوصفه "تسوية اضطرارية"
أكثر من كونه نتاج توافق سياسي مستقر، بحسب توصيفات عدد من المراقبين والباحثين السياسيين.
غير أن انتقاله من عالم الأعمال والاستثمار إلى رئاسة الحكومة وضعه سريعاً أمام استحقاقات
ثقيلة تتعلق بإدارة الاقتصاد، واحتواء الانقسامات، وتهدئة الشارع الغاضب من تراجع الخدمات
وتفاقم البطالة والفساد.
ويُنظر إلى الزيدي
باعتباره واحداً من أبرز رجال الأعمال الذين دخلوا المجال السياسي من بوابة النفوذ
الاقتصادي، إذ يمتلك شبكة واسعة من الشركات والاستثمارات تمتد إلى قطاعات النفط والطاقة
والعقارات والمصارف والخدمات. كما ارتبط اسمه سابقاً بمصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار
والتمويل، الذي واجه قيوداً تنظيمية تتعلق بمنع التعامل بالدولار ضمن إجراءات البنك
المركزي الخاصة بمكافحة غسل الأموال.
لكن التحدي الحقيقي
أمام الحكومة الجديدة لا يرتبط فقط بخلفية رئيسها الاقتصادية، بل بقدرتها على التعامل
مع ملفات مزمنة ظلت عالقة لدى الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003. فالعراقيون الذين استقبلوا
الحكومة الجديدة بحذر، لا يزالون يواجهون أزمات معيشية خانقة تتعلق بارتفاع معدلات
البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار أزمة الكهرباء، فضلاً عن اتساع الفجوة بين
الوعود الحكومية والواقع الخدمي.
ويؤكد مراقبون أن أي
نجاح محتمل لحكومة الزيدي سيظل مرهوناً بمدى قدرتها على الانتقال من منطق التسويات
السياسية إلى منطق الدولة، خصوصاً في ظل تصاعد الصراعات داخل القوى السياسية على النفوذ
والمكاسب، أكثر من التركيز على حلول اقتصادية وإدارية حقيقية. كما أن استمرار الانقسامات
داخل التحالفات الحاكمة قد يحول الحكومة إلى ساحة استنزاف سياسي دائم، يعطل تنفيذ البرامج
الحكومية ويضعف قدرة رئيس الوزراء على اتخاذ قرارات حاسمة.
وفي الجانب الاقتصادي،
تبدو التحديات أكثر تعقيداً مع استمرار اعتماد العراق شبه الكامل على الإيرادات النفطية،
مقابل غياب رؤية متكاملة لتنويع مصادر الدخل وتحريك القطاع الخاص بصورة منتجة. كما
أن ملف الديون والاستدانة الداخلية والخارجية، إضافة إلى تذبذب سعر صرف الدينار، يفرض
ضغوطاً متزايدة على الحكومة الجديدة، وسط مخاوف من اتساع الأزمة المعيشية خلال المرحلة
المقبلة.
أما على المستوى الأمني،
فيبرز ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه الاختبار الأخطر أمام رئيس الوزراء الجديد.
فالحكومة تجد نفسها أمام معادلة معقدة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية
والدولية، خصوصاً ما يتعلق بالنفوذ الإيراني والضغوط الأميركية الخاصة بإعادة تنظيم
المشهد الأمني. ويرى محللون أن الزيدي قد يتجه إلى سياسة "الاحتواء التدريجي"
بدلاً من الصدام المباشر، تفادياً لأي اهتزاز داخل التحالف الحاكم.
وفي مقابل هذه التحديات،
يراهن بعض المراقبين على أن الخلفية الاقتصادية لرئيس الوزراء قد تمنحه قدرة أكبر على
فهم تعقيدات السوق والاستثمار وإدارة الملفات المالية، إلا أن خصومه يرون أن النجاح
في إدارة الشركات يختلف جذرياً عن إدارة دولة تعاني أزمات بنيوية متراكمة منذ سنوات
طويلة.
وبين هذين الرأيين،
يبقى مستقبل حكومة علي الزيدي مرتبطاً بقدرتها على استعادة ثقة الشارع، وتحويل شعارات
الإصلاح إلى إجراءات ملموسة، في بلد باتت فيه الأزمات المتراكمة أكبر من قدرة الخطابات
السياسية التقليدية على احتوائها. فالعراقيون لا ينتظرون حكومة جديدة بقدر ما ينتظرون
دولة قادرة على فرض القانون، وتقديم الخدمات، وكسر الحلقة المزمنة من الفساد والمحاصصة
والصراع على المغانم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق