السبت، 30 مايو 2026

الرئيسية شمس العراق تشرق من البصرة

شمس العراق تشرق من البصرة

مشروع "شمس البصرة" يمثل خطوة استراتيجية نحو التحول للطاقة النظيفة في العراق، عبر إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

شمس العراق تشرق من البصرة

مشاريع الطاقة النظيفة ترسم ملامح التحول الوطني


محمد البغدادي – مجلة دجلة الخير الإلكترونية

في أقصى جنوب العراق، حيث تمتد حقول النفط وتعلو أبراج اللهب، بدأت ملامح مشهد جديد تتشكل بهدوء. هذه المرة لا يتعلق الأمر بالوقود الأحفوري، بل بطاقة نظيفة تحاول أن تجد لها موطئ قدم في بلد طالما اعتمد على النفط والغاز كمصدرين رئيسيين للطاقة.

في البصرة، تتجه الأنظار إلى مشروع "شمس البصرة"، الذي يُعد من أبرز مشاريع الطاقة الشمسية في البلاد. هنا، وعلى مساحات شاسعة، تنتشر ملايين الألواح الشمسية في مشهد يعكس تحولاً تدريجياً في فلسفة إنتاج الطاقة. المشروع، الذي تبلغ طاقته التصميمية ألف ميغاواط، يتوزع على أربع وحدات إنتاجية، بواقع 250 ميغاواط لكل وحدة، ما يجعله أحد أكبر المشاريع من نوعه في العراق.

دخلت أولى وحدات المشروع الخدمة في آذار 2026، بعد ربطها بالشبكة الوطنية، في خطوة وصفها مختصون بأنها بداية فعلية لمسار طويل نحو الطاقة المستدامة. ويقول المهندس حيدر عدنان، المشرف على المحطة، إن المشروع يضم نحو مليوني لوحة شمسية، موزعة بواقع 500 ألف لوحة لكل وحدة، مشيراً إلى أن الوحدة الأولى بدأت بالفعل بإنتاج 250 ميغاواط.

ولا يقتصر المشروع على حجمه الكبير فحسب، بل يعتمد أيضاً على تقنيات حديثة تعزز كفاءته. ويوضح المهندس حيدر عيسى أن المحطة تستخدم نظام التتبع الشمسي، الذي يضمن توجيه الألواح نحو الشمس بشكل عمودي لزيادة كفاءة الإنتاج، إضافة إلى تقنيات تنظيف آلية تعمل من دون استخدام المياه، في بيئة تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

لكن خلف هذه التفاصيل التقنية، تقف دوافع بيئية واقتصادية ملحّة. فالعراق يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالتلوث وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، إلى جانب الضغوط الناتجة عن نقص إمدادات الغاز. ويؤكد حيدر علي حسين أن التوجه نحو الطاقة الشمسية يأتي ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة في ظل اضطرار البلاد إلى استيراد جزء من احتياجاتها من الغاز.

ويضيف حسين أن مشروع "شمس البصرة" ليس سوى بداية، إذ تعمل الحكومة على تطوير مشاريع أخرى، من بينها محطات في السماوة بقدرة 750 ميغاواط، وأخرى في الناصرية بقدرة 500 ميغاواط، مع توقعات بتوسع هذا النوع من المشاريع خلال السنوات القليلة المقبلة.

ورغم التقدم المحرز، لا تخلو الطريق من التحديات. فقد أدى تأخر وصول بعض المواد بسبب إغلاق طرق الاستيراد إلى تأجيل تشغيل المرحلة الثانية من المشروع، التي كان من المقرر إطلاقها في أيار، إلى منتصف الصيف. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن إنتاج المشروع قد يصل إلى 500 ميغاواط خلال فصل الصيف، ما سيسهم في تخفيف الضغط على منظومة الكهرباء الوطنية.

يمثل مشروع "شمس البصرة" جزءاً من برنامج أوسع أطلقته توتال إنيرجيز عام 2023 بالتعاون مع شركاء محليين ودوليين، ويهدف إلى تحسين إمدادات الطاقة عبر مزيج من الحلول، تشمل استثمار الغاز المصاحب وإدخاله في منظومة الإنتاج، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة.

في بلد يُعد من أكثر الدول تأثراً بتغير المناخ، وفق تقارير دولية، تبدو هذه المشاريع أكثر من مجرد استثمار في الطاقة؛ إنها محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الإنسان وبيئته، وبين الاقتصاد وموارده. وبينما تواصل الألواح الشمسية في البصرة التقاط أشعة الشمس، يترقب العراقيون أن تتحول هذه الخطوات الأولى إلى تحول حقيقي ومستدام في مستقبل الطاقة.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.