مقالٌ تحليلي
يستعرض تحولات النظام الدولي وصراع واشنطن وبكين وموسكو، ويتساءل عن موقع العراق
بين النفوذ العالمي وفرص بناء سياسة وطنية مستقلة.
بين واشنطن وبكين وموسكو..
أين يقف العراق في خرائط العالم الجديدة؟
نوري حمدان – مجلة
دجلة الخير الإلكترونية
لم يعد العالم كما
عرفناه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
فمرحلة الهيمنة الأميركية
المطلقة، التي فرضت نفسها طوال العقود الثلاثة الماضية، تتعرض اليوم إلى اهتزازات عميقة،
ليس فقط بسبب صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، بل أيضا نتيجة عودة روسيا إلى المسرح
الدولي كلاعب يريد كسر النظام الغربي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة.
القمتان اللتان عقدهما
الرئيس الصيني شي جينبينغ مع كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير
بوتين في بكين خلال أيام قليلة، ليستا مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل تعبير واضح عن ولادة
مرحلة دولية جديدة عنوانها: "إدارة الصراع بين الإمبراطوريات الكبرى".
الصين لم تعد مجرد
مصنع للعالم، بل أصبحت مركزا لإعادة توزيع القوة الدولية. وواشنطن تدرك جيدا أن القرن
الحادي والعشرين لن يكون أميركيا خالصا كما أرادت النخب الغربية بعد سقوط موسكو السوفيتية.
أما روسيا، التي أنهكتها الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية، فقد وجدت نفسها مضطرة
للارتماء أكثر في الحضن الصيني، حتى وإن حاول الكرملين إخفاء حقيقة اختلال التوازن
بين الطرفين.
إن ما يجري اليوم ليس
مجرد تنافس بين دول، بل صراع بين مشاريع هيمنة عالمية تتصارع على الأسواق والطاقة والممرات
الاستراتيجية والنفوذ المالي والتكنولوجي. الفارق فقط أن النظام الأحادي الذي حكم العالم
منذ التسعينيات بدأ يتصدع، فيما يتشكل نظام متعدد الأقطاب بصورة بطيئة ومتعثرة.
لكن السؤال الأهم بالنسبة
لنا في المنطقة العربية، وبالذات في العراق، هو: ماذا يعني هذا التحول؟
العراق تاريخيا كان
واحدا من أكثر البلدان تأثرا بصراعات القوى الكبرى. فمنذ الاحتلال الأميركي عام
2003، تحول البلد إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، وتداخلت فوق أرضه المشاريع
الأميركية والإيرانية، ثم دخلت روسيا والصين لاحقا على خط النفوذ الاقتصادي والطاقة.
اليوم، ومع احتدام
الصراع الأميركي-الصيني، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب المعادلة الدولية، لكن بصورة
مختلفة. فبكين تنظر إلى العراق باعتباره جزءا مهما من مشروع "الحزام والطريق"،
ومصدرا أساسيا للطاقة، وسوقا واعدة لإعادة الإعمار والاستثمارات. وفي المقابل، ما تزال
واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية في الشرق الأوسط، تمنع من
خلالها تمدد خصومها، سواء إيران أو الصين أو روسيا.
هذا التناقض يضع العراق
أمام تحدٍ خطير: كيف يمكن لدولة هشة سياسيا واقتصاديا أن تتعامل مع صراع عالمي بهذا
الحجم؟
المشكلة أن الطبقة
السياسية العراقية ما زالت تفكر بعقلية المحاور الضيقة، بينما العالم يتحول بسرعة نحو
توازنات جديدة. فالعراق، بدل أن يستثمر موقعه الجغرافي وثروته النفطية لبناء سياسة
مستقلة، تحول إلى ساحة تنافس تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق مصالحها.
الولايات المتحدة ما
تزال تمتلك النفوذ العسكري والأمني الأكبر داخل العراق، بينما تتوسع الصين اقتصاديا
بهدوء عبر مشاريع البنية التحتية والطاقة. أما روسيا، فرغم حضورها المحدود مقارنة بواشنطن
وبكين، فإنها تسعى للحفاظ على موطئ قدم داخل سوق الطاقة العراقي، مستفيدة من علاقاتها
مع بعض القوى الإقليمية.
لكن الأخطر من كل ذلك
أن الاقتصاد العراقي نفسه أصبح رهينة للنظام العالمي الذي تقوده الرأسمالية النيوليبرالية.
فالعراق يعتمد بصورة شبه كاملة على تصدير النفط، بينما تُهمل الصناعة والزراعة والتعليم
والصحة. وهذا يعني أن أي اهتزاز في سوق الطاقة أو أي صراع بين القوى الكبرى ينعكس مباشرة
على حياة العراقيين.
من هنا، فإن صعود الصين
لا ينبغي النظر إليه بعين رومانسية بوصفه "خلاصا" من الهيمنة الأميركية.
صحيح أن بكين تطرح خطابا مختلفا يقوم على الشراكات الاقتصادية وعدم التدخل السياسي
المباشر، لكنها في النهاية قوة رأسمالية كبرى تبحث عن مصالحها، وعن تأمين الطاقة والأسواق
وخطوط التجارة. والصين، مثل الولايات المتحدة، تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه فضاء استراتيجيا
لمصالحها الاقتصادية والأمنية.
الفرق فقط أن الصين
تستخدم أدوات أكثر هدوءا ونعومة، بينما تعتمد واشنطن تاريخيا على القوة العسكرية المباشرة
والعقوبات والضغوط السياسية.
أما روسيا، فإن حربها
في أوكرانيا كشفت حدود قدرتها الاقتصادية والعسكرية، وأظهرت أنها بحاجة متزايدة إلى
الصين. وهذا التحول قد يقود مستقبلا إلى نظام دولي تقوده شراكة صينية-روسية في مواجهة
الغرب، لكن بشروط صينية واضحة.
وفي خضم هذه التحولات،
يبدو العراق وكأنه يقف على مفترق طرق تاريخي.
فإما أن يتحول إلى
دولة تمتلك رؤية وطنية مستقلة تستفيد من التوازنات الدولية لبناء اقتصاد منتج وسيادة
حقيقية، وإما أن يبقى مجرد ساحة نفوذ تتصارع فوقها القوى الكبرى.
العراق يفترض أن يقرأ
هذه التحولات بعين نقدية، لا بعقلية الاصطفاف الأعمى مع هذا المحور أو ذاك. فالمطلوب
ليس استبدال الهيمنة الأميركية بهيمنة صينية أو روسية، بل بناء مشروع وطني ديمقراطي
مستقل، يعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية والسيادة والتنمية الوطنية.
العراق يمتلك كل المقومات
التي تؤهله لذلك: موقع جغرافي استثنائي، وثروات طبيعية هائلة، وطاقات بشرية كبيرة.
لكن المشكلة تكمن في غياب الدولة الوطنية القادرة على التحرر من الفساد والطائفية والتبعية.
إن ما يجري اليوم في
بكين بين ترامب وبوتين وشي جينبينغ ليس بعيدا عن بغداد. فكل تفاهم أو صراع بين هذه
القوى سينعكس على أسعار النفط، وعلى الاستثمارات، وعلى التوازنات الأمنية، وحتى على
شكل التحالفات السياسية داخل العراق نفسه.
العالم يتغير بسرعة،
والشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ. وفي قلب هذه الخرائط يقف العراق،
لا كلاعب رئيسي حتى الآن، بل كساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي
أمام العراقيين ليس فقط فهم التحولات الدولية، بل القدرة على تحويل العراق من
"موضوع" في السياسة الدولية إلى "فاعل" يمتلك قراره ومصالحه الوطنية.
ففي زمن انهيار الأحادية
القطبية، لا مكان للدول الضعيفة أو التابعة. والدول التي لا تصنع موقعها بنفسها، سيصنع
الآخرون مصيرها عنها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق