شاعر وفنان عراقي
متعدد المواهب، عاش بين بغداد والمنافي، وترك أثراً بارزاً في الشعر والإعلام
والثقافة، قبل رحيله وحيداً في لندن عام 2026.
صادق الصائغ.. شاعر
المنافي وذاكرة بغداد الحية
رحلة مثقف عراقي جمع
الشعر والفن والمنفى والخيبات الإنسانية
مجلة دجلة الخير الإلكترونية
في حياة العراقيين
أسماء تمرّ كالعابرين، وأخرى تترك أثرها مثل ندبة جميلة في ذاكرة الثقافة والفن. وكان
صادق الصائغ واحداً من أولئك الذين عاشوا حياتهم بين القصيدة والمنفى، وبين الضوء الداخلي
والعتمة التي لا يراها الآخرون. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، ظهر شاباً وسيماً يحمل
ملامح بغداد القديمة، وصوتاً إذاعياً دافئاً، وروحاً قلقة تبحث عن وطن يشبه أحلامه.
ولد صادق الصائغ عام
1936 في بغداد، ونشأ في بيئة شعبية صنعت مبكراً حساسيته الفنية والإنسانية. دخل عالم
الصحافة والخط والرسم وهو ما يزال في بدايات شبابه، فعمل خطاطاً ومصمماً صحفياً، قبل
أن يلفت الأنظار بصوته الإذاعي وبرامجه الثقافية المختلفة. وفي ستينيات القرن الماضي
سافر إلى براغ، المدينة التي ستصبح واحدة من محطات عمره الطويل، وهناك درس الأدب الإنجليزي
وعمل مذيعاً في القسم العربي لإذاعة براغ، ليبدأ رحلة اغتراب سترافقه حتى سنواته الأخيرة.
لم يكن الصائغ مجرد
شاعر، بل كان حالة ثقافية متكاملة. كتب الشعر، ورسم اللوحات، وأجاد الخط العربي، وعمل
ناقداً سينمائياً وصحفياً ومقدماً تلفزيونياً. وفي سبعينيات بغداد، أصبح اسمه معروفاً
من خلال “البرنامج الثاني” الذي قدمه في تلفزيون العراق، حيث حاول أن يمنح الثقافة
شكلاً جديداً مختلفاً عن القوالب التقليدية السائدة آنذاك. لكن تلك الروح الحرة اصطدمت
سريعاً بالسلطة والتضييق، فدخل في سلسلة من الخيبات والضغوط السياسية التي دفعته لاحقاً
إلى مغادرة العراق.
في بيروت عاش سنوات
الحرب والمنفى، متنقلاً بين المقاهي الثقافية والبيوت المهددة بالقصف. وهناك تعمقت
صداقاته مع مثقفين وشعراء عراقيين وعرب، فيما ظل يحمل بغداد داخله كجرح دائم. كان يقول
لمن حوله إن الوطن لا يغادر الإنسان حتى وهو يبتعد آلاف الكيلومترات عنه. وفي قصائده
ظل العراق يظهر كمدينة مكسورة لكنها تستحق الحب مهما اشتدت قسوتها.
أما على المستوى الإنساني،
فقد كان الصائغ شخصية آسرة تجمع بين الأناقة والحزن العميق. رجل محاط بالأصدقاء والضجيج
الثقافي، لكنه كان يحمل داخله طفولة موجوعة ووحدة لا تنتهي. ورغم نجاحه وموهبته وعلاقاته
الواسعة، ظل يعاني من الكآبة والإحساس الدائم بعدم الاستقرار، كأن حياته كلها كانت
رحلة بحث عن طمأنينة مؤجلة.
بعد عام 2003 عاد إلى
العراق لفترة قصيرة، وعمل مستشاراً ثقافياً في وزارة الثقافة، لكنه سرعان ما عاد إلى
لندن، المدينة التي عاش فيها سنواته الأخيرة. هناك رحل في الأول من أيار 2026 بهدوء،
بعيداً عن بغداد التي أحبها حتى النهاية. رحل الشاعر الذي وزع روحه بين المنافي، وترك
خلفه سيرة مثقف عراقي نادر، عاش الفن بوصفه طريقة لمقاومة الخراب، وعاش الوطن بوصفه
حلماً لا يكتمل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق