السبت، 30 مايو 2026

الرئيسية المرأة العراقية بين ظلم العشيرة وصمت المجتمع

المرأة العراقية بين ظلم العشيرة وصمت المجتمع

 ينتقد المقال ظلم بعض الأعراف العشائرية للمرأة العراقية، ويؤكد أن كرامتها وحقوقها أساس حضارة المجتمع، وأن العدالة والاحترام شرط لبناء دولة حديثة.


المرأة العراقية بين ظلم العشيرة وصمت المجتمع


محمد عبد الجبار الشبوط

ليست كل العشائر ظالمة، وليست كل البيئات الريفية أو التقليدية معادية للمرأة، لكن من المؤلم أن توجد في بعض مناطق العراق مجتمعات ما زالت تتعامل مع المرأة بوصفها تابعًا للرجل لا إنسانًا كامل الحقوق والكرامة. وفي هذه البيئات تتحول العادات العشائرية أحيانًا إلى سلطة أعلى من القانون، وأقوى من الضمير، وأقسى من الدين نفسه.

هناك نساء يعشن حياة لا تشبه الحياة. فتاة تُمنع من اختيار شريك حياتها، وتُجبر على الزواج من ابن عمها أو أحد أقاربها فقط لأن "العشيرة تريد ذلك"، حتى لو كان هذا الرجل جاهلًا، أو عنيفًا، أو غير قادر على احترامها إنسانيًا ونفسيًا. وبعضهن يُعاملن وكأنهن جزء من "الملكية العائلية" التي لا يحق لها الاعتراض أو الرفض أو حتى التعبير عن الألم.

وفي هذه المجتمعات الذكورية المتطرفة يصبح الرجل وصيًا مطلقًا على المرأة: الأب يقرر، والأخ يراقب، والزوج يأمر، بينما تُسلب المرأة حقها الطبيعي في أن تكون إنسانًا حرًا يمتلك إرادة ومشاعر ومستقبلًا خاصًا به. والأسوأ من ذلك أن هذا الظلم يُقدَّم أحيانًا على أنه "شرف" أو "رجولة" أو "حفاظ على التقاليد"، بينما هو في حقيقته شكل من أشكال الاستبداد الاجتماعي.

إن المشكلة ليست في العشيرة بوصفها رابطة اجتماعية، فالعشيرة العراقية كانت عبر التاريخ تحمل قيم النخوة والتكافل والحماية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض الأعراف إلى أدوات لقمع النساء وإذلالهن، وعندما يصبح صوت المرأة عيبًا، وحريتها خطرًا، وتعليمها تهديدًا، واختيارها الشخصي جريمة.

ولا يمكن لأي مجتمع أن يدّعي التدين أو الأخلاق أو الحضارة وهو يسمح باستمرار هذا النوع من الظلم. لأن كرامة المرأة ليست قضية ثانوية، بل هي معيار أخلاقي وحضاري يقاس به مستوى المجتمع كله. فالمجتمع الذي تخاف فيه المرأة من أبيها أو أخيها أو زوجها ليس مجتمعًا سليمًا مهما رفع من شعارات الدين أو الشرف أو الأصالة.

إن إجبار النساء على الزواج، أو حرمانهن من التعليم والعمل، أو التعامل معهن بوصفهن كائنات ناقصة، لا ينتج أسرًا مستقرة، بل ينتج أجيالًا مشوهة نفسيًا وعاطفيًا، ويعيد إنتاج العنف داخل المجتمع جيلاً بعد جيل. فالطفل الذي يرى أمه مكسورة ومهانة سيتعلم أن الظلم أمر طبيعي، وأن القوة أهم من العدالة.

ولهذا فإن الدفاع عن المرأة العراقية ليس صراعًا ضد الرجل، بل هو دفاع عن إنسانية المجتمع نفسه. كما أن تحرير المرأة من الظلم العشائري لا يعني هدم القيم الاجتماعية، بل يعني إعادة بناء هذه القيم على أساس الكرامة والرحمة والعدالة والاحترام المتبادل.

إن العراق لا يمكن أن يدخل عصر الدولة الحضارية الحديثة بينما تعيش آلاف النساء تحت سلطة الخوف والإكراه والصمت. فالدولة الحضارية تبدأ من البيت، ومن طريقة معاملة المرأة، ومن الاعتراف بأنها ليست ظلًا للرجل، بل شريك كامل في الإنسانية والحياة وصناعة المستقبل.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.