الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية تجربة علي نعمة: الواقعي بوصفه مغامرة إنسانية مفتوحة

تجربة علي نعمة: الواقعي بوصفه مغامرة إنسانية مفتوحة

بالصور..

الرسام العراقي علي نعمة فنان تشكيلي معاصر، تنطلق تجربته من واقعية تعبيرية ذات بعد إنساني وشعري. يشتغل على تفكيك المشهد اليومي واستنطاق ما هو خفي خلفه، معتمداً على قوة اللون وحساسية عالية في بناء الإيقاع والحركة داخل اللوحة.

 


تجربة علي نعمة: الواقعي بوصفه مغامرة إنسانية مفتوحة

يمضي الرسام العراقي علي نعمة في تجربته التشكيلية ضمن مسار فني يتخذ من المغامرة الجمالية مدخلاً لاكتشاف الذات، والكشف عن طبقاتها الوجدانية والفلسفية في علاقتها بالحياة. فالرسم لديه ليس فعلاً تقنياً معزولاً، بل ممارسة تأملية عميقة، تتكئ على خبرة تراكمت عبر سنوات من العمل، حيث تشكّلت رؤيته الجمالية بحثاً عن هوية فردية تتجلى في بعدها الإنساني قبل أي اعتبار آخر.

ينتمي نعمة إلى جيل من الفنانين المعاصرين الذين تمرّدوا على الأطر التقليدية في تمثيل الواقع، فلم يعد أسير الصورة الظاهرة أو الشكل الملموس، بقدر ما يسعى إلى النفاذ تحت السطح المرئي للأشياء. وفي هذا السياق، تتبدّى تجربته بوصفها محاولة لكسر خط الزمن المستقيم، واستنطاق ما يختبئ خلف المشهد اليومي، عبر رؤية تتوغّل في المعنى لا في المظهر.

شهدت تجربته تحولات واضحة في تعامله مع الدلالة الواقعية داخل اللوحة. ففي بداياته، حضرت الواقعية بقوة من خلال ألوان حارة وصريحة، ولا سيما الأحمر، الذي فرض حضوره بكثافة تعبيرية لافتة. غير أن تطور أدواته الفنية قاده لاحقاً إلى تعميق نظرته للواقع، مع الحفاظ على شفافية لونية مشبعة بغموض لا يبعث على القلق، بل يفتح أفق التأمل. وفي هذه المرحلة، شاعت الألوان الباردة بتدرجاتها، مترافقة مع ضربات فرشاة قوية، لكنها لينة في إيقاعها، توحي بحركة متدفقة وسلسة.

انعكست هذه التحولات الأسلوبية على طبيعة الموضوعات التي يشتغل عليها، حيث انفتح بشكل متزايد على الوجوه الإنسانية والمشاهد اليومية، مستكشفاً ما تختزنه من مشاعر خفية. يتجلّى ذلك في لوحات ترصد لحظات عابرة من الحياة، كأشخاص يجلسون في لعبة بمدينة ملاهٍ، أو شابة تحتضن أصيصاً من الزهور بنظرة ساهمة، حيث تمتزج الواقعة بالحلم، ويتداخل الشعري بالمرئي.

ويشير هذا المسار إلى نضج متصاعد في تجربته، وانتقاله من التشخيص الواقعي في بداياته إلى واقعية تعبيرية أكثر انفتاحاً وثراءً. وفي مشهد تشكيلي عراقي يشهد وفرة في الإنتاج وتفاوتاً في المستوى، يلفت علي نعمة الانتباه بقدرته على تفكيك البنى المكرّسة في التعامل مع الواقع، من دون الانسياق وراء السائد أو المألوف.

إنه فنان يعيد للوحة تماسّها العميق مع وجدان المتلقي، ويجعل من الإنسان محوراً مركزياً لحضوره البصري، منطلقاً من حساسية إنسانية خالصة، لا من نزعة خطابية أو وظيفة اجتماعية مباشرة. وبهذا، يرسّخ علي نعمة تجربة فنية قوامها قوة اللون، وصدق الإحساس، ورؤية شعرية قادرة على إيقاظ الدهشة في عين المتلقي.















جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.