الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية إسقاط القدسية الوهمية عن جسد المرأة: تحرير الكرامة من القيد الاجتماعي

إسقاط القدسية الوهمية عن جسد المرأة: تحرير الكرامة من القيد الاجتماعي

يناقش النص تفكيك فكرة "تقديس جسد المرأة" بوصفها أداة ضبط اجتماعي لا تكريماً، ويدعو لاستبدالها بالكرامة الإنسانية القائمة على الحق الفردي والرضا. يوضح أن الرمزية الأخلاقية للجسد تجرّده من إنسانيته، بينما الخصوصية والسيادة الجسدية تحمي المرأة قانونياً وأخلاقياً.

 


إسقاط القدسية الوهمية عن جسد المرأة: تحرير الكرامة من القيد الاجتماعي

الاء محمد الشبوط

ظلّ جسد المرأة في ثقافتنا محاطاً بهالة من “القداسة” التي لم تكن في حقيقتها تكريماً بقدر ما كانت وسيلة للضبط والسيطرة، فبدلاً من التعامل معه كجسد إنساني طبيعي، تم تحميله معاني رمزية وأخلاقية واجتماعية جعلته ساحةً للشرف الجمعي، وموضوعاً للرقابة، ومصدراً دائماً للقلق الأخلاقي، وكأن المرأة لا تملك جسدها بل تحمله نيابةً عن المجتمع.

هنا يجب التمييز بين الكرامة والقداسة؛ الكرامة قيمة إنسانية تعني احترام الجسد وعدم انتهاكه، أما القداسة فتعني وضع الشيء خارج النقاش وتحويله إلى منطقة محرّمة تحكمها الطقوس والخوف والرقابة. جسد المرأة يحتاج إلى الكرامة لا إلى القداسة، لأن القداسة حين تُنزع من الإنسان وتُلصق بجسده تتحول إلى قيد إضافي، وتصبح وسيلة لتبرير السيطرة عليه باسم الأخلاق أو الدين أو التقاليد.

الجسد في حقيقته البيولوجية أداة الحياة في العالم المادي، به نأكل ونعمل ونمرض ونشفى وننجب ونشعر، وهو ليس موضوعاً ميتافيزيقياً بل كياناً عضوياً يؤدي وظائف طبيعية. الأعضاء الجنسية ليست رموز شرف ولا خزائن أخلاق، بل أجزاء من الجسد تؤدي وظائف حيوية. تحويلها إلى رموز أخلاقية ضخّمها إلى حدّ مرضي، وربط قيمة المرأة بسلوك جسدي محدد، في حين لا يُحمَّل جسد الرجل العبء نفسه.

ولكي نفهم الخلل العميق في فكرة “تقديس” الجسد، يكفي أن ننظر إلى مفارقة أنثروبولوجية واضحة: حين يتحول الإنسان إلى “قيمة عليا رمزية”، يفقد إنسانيته الواقعية. في بعض المجتمعات التي دُرست أنثروبولوجياً، مثل مجتمع رجال اليانومامو في الأمازون، جرى التعامل مع المرأة بوصفها جائزة عالية القيمة، أي رمزاً للمكانة والانتصار، فدخل الرجال في دوائر تنافس وصراعات دموية للظفر بالنساء، ونشأت الحروب والقتل والاختطاف نتيجة هذا “التقديس” الرمزي. هنا لم تكن المرأة ذاتاً إنسانية بقدر ما كانت موضوعاً للصراع، ومع تحوّلها إلى جائزة، انهارت قيم إنسانية أخرى كدعم الضعيف واحتواء العاجز وحماية الصغير، لأن معيار القيمة أصبح الفوز بالمرأة لا احترام الإنسان. وهكذا تحوّلت المرأة من “قيمة مقدسة” في الخطاب إلى غنيمة في الواقع، ثم إلى ضحية عنف المنتصرين، نفسياً وجسدياً وجنسياً.

هذه المفارقة تكشف أن التقديس لا يرفع الإنسان بل يرمّزه، وحين يُرمَّز الإنسان يُجرَّد من شخصه الواقعي، فيصبح شيئاً ثميناً يُتنافس عليه ويُنتزع، لا إنساناً يُحترم. الرمز دائماً ساحة صراع، أما الإنسان فموضوع كرامة.

هل يعني نزع القدسية إلغاء الخصوصية؟ أبداً. هنا يقع الخلط الكبير. الخصوصية ليست قداسة. الجسد: ليس مقدساً، لكنه ملكٌ لصاحبه، لا يُمسّ ولا يُقترب منه ولا يُنظر إليه ولا يُستخدم إلا بموافقته. هذا هو أساس الكرامة الإنسانية الحديثة: الجسد قرار صاحبه، لا قرار المجتمع ولا العائلة ولا الرجل.

الأخطر أن “تقديس” جسد المرأة لم يمنع انتهاكه، بل أوجد مفارقة: المجتمع يحمّله قيمة عليا نظرياً، لكنه يبرر السيطرة عليه عملياً. نزع القدسية يعيد الجسد إلى مكانه الطبيعي: كيان إنساني له حرمة قانونية وأخلاقية أساسها الرضا، لا الأسطورة.

الخلاصة أن تحرير جسد المرأة من القداسة الوهمية لا يعني الفوضى، بل يعني نقله من مجال “الشرف الجمعي” إلى مجال “الحق الفردي”، ومن منطق العار إلى منطق الكرامة، ومن الرقابة الاجتماعية إلى الموافقة الشخصية. الجسد ليس معبداً، لكنه أيضاً ليس ساحة مباحة؛ إنه مساحة سيادة شخصية، وهذه السيادة هي جوهر إنسانية المرأة.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.