الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية العراق بين نار الإقليم.. وامتحان القرار

العراق بين نار الإقليم.. وامتحان القرار

الافتتاحية..

في دجلة الخير، نؤمن أن الكلمة ليست صدىً للحدث، بل محاولة لفهمه. وأن صناعة الرأي العام تبدأ بقراءة هادئة، لا بانفعال عابر.

لم يعد العراق هذا الشهر يقف عند مفترق طرق تقليدي، بل عند لحظة إقليمية مشتعلة تتجاوز حدود الخرائط السياسية المعتادة. فبين تصاعد المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع إيران، واغتيال المرشد الإيراني بما يحمله من تحولات عميقة في توازنات المنطقة، يعود العراق إلى موقعه الحساس: ليس مجرد جارٍ متأثر، بل ساحة اختبار لقدرته على حماية قراره في زمن الاضطراب.

في هذا العدد من دجلة الخير، لا نتعامل مع الأحداث بوصفها عناوين منفصلة، بل نقرأها كتحول في المشهد العام. من طاولة المفاوضات النووية التي كانت تسير بخطى محسوبة، إلى مشهد النار الذي أعاد تعريف قواعد الاشتباك، ومن ارتباك الإقليم إلى انسداد الداخل الدستوري، تتشابك الخيوط في لوحة واحدة عنوانها: من يملك القرار حين تتزاحم الضغوط؟

الانسداد الدستوري في بغداد لم يعد شأناً سياسياً داخلياً معزولاً، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع. فكلما اشتد الصراع الإقليمي، تقلص هامش المناورة أمام الدولة العراقية. وكلما تعثرت التسوية الداخلية، ازدادت قابلية الداخل للتأثر برياح الخارج. هنا، لا يكون السؤال فقط من يشكل الحكومة، بل أي موقع سيختاره العراق لنفسه في خريطة تتبدل ملامحها تحت ضغط القوة.

ترسيم الحدود، اتفاقيات الطاقة، توازن العلاقات، إدارة السلاح، حماية الاقتصاد، وصون كرامة المواطن.. لم تعد ملفات تقنية، بل أصبحت اختبارات سيادة حقيقية. فالسيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها من دون أن تُستدرج إلى معارك الآخرين، أو تُختزل إلى ساحة رسائل متبادلة.

وفي الداخل، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلات الكبار. حين يتحول الراتب إلى قلق يومي، وحين يصبح الاستقرار الاقتصادي رهناً بحسابات السياسة، تنتقل الأزمة من قاعات التفاوض إلى تفاصيل الحياة. هنا تحديداً، يُختبر معنى الدولة: هل هي إدارة مصالح عليا فقط، أم حماية يومية لكرامة الناس؟

هذا العدد لا يرفع نبرة، ولا يصطفّ في محور، لكنه يصرّ على قراءة اللحظة كاملة. فالعراق اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام اختبار تعريف: هل يستطيع أن يعيد إنتاج معادلته الوطنية بعيداً عن استقطابات الإقليم؟ وهل يملك شجاعة تحويل التحدي إلى فرصة لبناء دولة قرار لا دولة توازن هش؟

في دجلة الخير، نؤمن أن الكلمة ليست صدىً للحدث، بل محاولة لفهمه. وأن صناعة الرأي العام تبدأ بقراءة هادئة، لا بانفعال عابر. لأن الأوطان لا تُدار تحت ضغط النار، بل تُبنى حين ينضج القرار.. ويستقل.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.