الأحد، 1 فبراير 2026

الرئيسية العراق كفاعل أمني وقانوني إقليمي في مواجهة التهديدات العابر للحدود

العراق كفاعل أمني وقانوني إقليمي في مواجهة التهديدات العابر للحدود

تقرير يبرز دور العراق كفاعل أمني وقانوني إقليمي في ملف سجون داعش، عبر مبادرات استباقية ومحاكمات قانونية، محذّرًا من مخاطر إقليمية ما لم يتحقق تعاون دولي فعّال.

 


العراق كفاعل أمني وقانوني إقليمي في مواجهة التهديدات العابر للحدود

تقرير – خاص

لم يعد ملف سجون ومخيمات تنظيم داعش في شمال شرق سوريا مجرد قضية أمنية عابرة أو شأنًا محليًا مرتبطًا بتعقيدات الساحة السورية وحدها، بل تحوّل إلى تهديد استراتيجي ذي أبعاد إقليمية ودولية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي، والمسؤولية القانونية، والالتزامات الأخلاقية للمجتمع الدولي. وفي هذا السياق، يبرز العراق اليوم بوصفه فاعلًا أمنيًا وقانونيًا إقليميًا، انتقل من موقع التحذير والتنبيه إلى موقع الفعل والمبادرة، في محاولة لاحتواء أحد أخطر تركات مرحلة ما بعد "داعش".

تحذيرات بغداد لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى قراءة واقعية لتداعيات الانهيارات الأمنية المتكررة في محيط سجون التنظيم ومخيم الهول، الذي يضم آلاف العناصر المتشددة وعشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم. هذا الواقع، الذي وصفه العراق صراحة بأنه تهديد استراتيجي، ينطوي على مخاطر تتجاوز الجغرافيا السورية، إذ إن أي تراخٍ في السيطرة على هذه المنشآت يمنح التنظيم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة جزء من قدرته على الحركة والتأثير، بما ينعكس مباشرة على أمن العراق ودول الجوار.

انطلاقًا من هذه المقاربة، اتخذت بغداد قرارًا وُصف بالاستباقي، بالتنسيق مع التحالف الدولي، يقضي بتسلّم عدد كبير من معتقلي تنظيم داعش ونقلهم من بيئة أمنية هشّة في شمال سوريا إلى منشآت احتجاز أكثر تحصينًا داخل الأراضي العراقية. هذا القرار، الذي يضع العراق في واجهة المواجهة مع أخطر عناصر التنظيم، لا يمكن فصله عن إدراك عراقي بأن ترك هذا الملف معلقًا أو التعامل معه بمنطق التأجيل، قد يقود إلى فوضى أمنية إقليمية يصعب احتواؤها لاحقًا.

وفي مقابل هذا التحرك الخارجي، حرصت الحكومة العراقية على توجيه رسائل طمأنة واضحة إلى الداخل، عبر التأكيد المتكرر على أن الحدود العراقية السورية مؤمّنة بالكامل، وتخضع لأعلى مستويات الجاهزية والتحصين. فالشريط الحدودي، الذي لطالما شكّل نقطة قلق في مراحل سابقة، بات اليوم محاطًا بمنظومة متكاملة من الإجراءات، تشمل تحصينات هندسية متعددة، وتقنيات مراقبة حديثة، وجهدًا استخباراتيًا واسعًا، فضلًا عن تنسيق أمني قائم مع إقليم كردستان. هذه الإجراءات، بحسب الخطاب الرسمي، جعلت الحدود العراقية السورية من بين الأكثر تحصينًا، بما ينفي أي مخاوف من تسلل أو اختراق محتمل.

الدور العراقي في هذا الملف لم يأتِ بمعزل عن غطاء سياسي دولي، بل حظي بإشادة أممية وأميركية واضحة، اعتبرت أن بغداد تؤدي دورًا قياديًا داخل إطار التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. هذا الغطاء السياسي، وإن كان يعكس ثقة دولية بالقدرات الأمنية العراقية، إلا أنه يسلّط الضوء في الوقت نفسه على مفارقة أساسية، تتمثل في إصرار العديد من الدول على رفض استعادة مواطنيها المنتمين إلى التنظيم، وترك عبء احتجازهم ومحاكمتهم على عاتق دول أخرى، وفي مقدمتها العراق.

وعلى المستوى القانوني، يقدّم العراق مقاربة أكثر وضوحًا وحسمًا مقارنة بالضبابية التي تحيط بهذا الملف دوليًا. فالإطار القانوني العراقي يتيح محاكمة عناصر التنظيم عن الجرائم المرتكبة داخل الأراضي العراقية، وكذلك عن الأفعال التي امتد أثرها إلى الأمن القومي، حتى وإن نُفذت خارج الحدود. كما أن هذه الجرائم، المصنفة ضمن الإرهاب، لا تسقط بالتقادم ولا تشملها قوانين العفو، ما يفتح الباب أمام مسار قضائي يهدف إلى تحقيق العدالة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب.

أما خيار إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة عناصر التنظيم، فيبقى مرتبطًا بإرادة دولية وقرار من مجلس الأمن، فضلًا عن التوافق على تقاسم الأعباء المالية والإدارية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. وفي ظل هذا التعقيد، يبدو أن العراق يتعامل مع الواقع القائم، محاولًا تحويل عبء أمني مفتوح إلى مسار قانوني منظم، مع التأكيد على أن تحمّله لهذا الدور لا يعني إعفاء الدول الأخرى من مسؤولياتها.

في المحصلة، يعكس التحرك العراقي في ملف سجون ومخيمات داعش تحوّلًا في طبيعة الدور الذي تلعبه بغداد إقليميًا، من دولة متلقية للتداعيات إلى دولة مبادِرة تسعى إلى إدارة المخاطر قبل انفجارها. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بتعاون دولي حقيقي، يعترف بأن تهديد الإرهاب عابر للحدود، وأن مواجهته لا يمكن أن تُلقى على عاتق دولة واحدة، مهما بلغت جاهزيتها الأمنية وقدرتها القانونية.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.