يستعرض التقرير
تصاعد الجدل الدولي حول الهجرة، مع إبراز دعوات الأمم المتحدة لإدارة إنسانية
عادلة، وتسليط الضوء على تجربة العراق في دعم النازحين والتعافي.
الهجرة العالمية تبحث
عن عدالة إنسانية
العراق يبرز نموذجاً
للتعافي ودعم المهاجرين والنازحين بعد الأزمات
علي تحسين الحياني
– مجلة دجلة الخير الإلكترونية
وسط تصاعد الجدل العالمي
بشأن قضايا الهجرة واللجوء، عاد ملف المهاجرين إلى واجهة النقاش الدولي من بوابة الأمم
المتحدة، التي استضافت في مدينة نيويورك المنتدى الدولي الثاني لاستعراض الهجرة، بمشاركة
دولية واسعة هدفت إلى تقييم مسار الاتفاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية،
وسط تحذيرات أممية من تنامي خطاب الكراهية والمعلومات المضللة ضد المهاجرين حول العالم.
الأمين العام للأمم
المتحدة أنطونيو غوتيريس أطلق رسالة شديدة الوضوح خلال المنتدى حين قال إن "الهجرة
ليست هي الأزمة، بل الأزمة هي فشل العالم الجماعي في إدارتها معاً"، في إشارة
إلى تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية المرتبطة بحركة البشر عبر الحدود، وما يرافقها
من استغلال سياسي وإعلامي في عدد من الدول.
غوتيريش حذر أيضاً
من أن المهاجرين باتوا "كبش فداء" لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكداً أن الخطاب
العام في العديد من البلدان يسهم في تجريدهم من إنسانيتهم وحقوقهم الأساسية، داعياً
الحكومات إلى تعزيز الإجراءات القانونية، وإنهاء احتجاز الأطفال والأسر المهاجرة، وتوفير
فرص حقيقية للتعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
وفي وقت تتزايد فيه
المخاطر المرتبطة بالهجرة غير النظامية، شدد الأمين العام على ضرورة ملاحقة شبكات تهريب
البشر والاتجار بهم باعتبارها شبكات إجرامية عابرة للحدود، تستغل اليأس الإنساني لتحقيق
الأرباح، داعياً إلى اعتماد آليات تعاون دولية مشابهة لتلك المستخدمة في مكافحة تهريب
المخدرات والجريمة المنظمة.
من جهتها، أكدت رئيسة
الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك أن الهجرة لم تعد قضية تخص دولة بعينها،
بل أصبحت ظاهرة عالمية تتداخل فيها أدوار دول المنشأ والعبور والاستقبال، مشيرة إلى
أن الإدارة الناجحة للهجرة تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً بعيداً عن السياسات الانفرادية.
أما المديرة العامة
للمنظمة الدولية للهجرة آمي إي. بوب فلفتت إلى أن الهجرة، حين تُدار بشكل جيد، يمكن
أن تتحول إلى قوة اقتصادية وتنموية مهمة، تسهم في سد نقص العمالة، وتعزيز النمو الاقتصادي،
ونقل المهارات والخبرات بين الدول، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن ذلك لا يتحقق من
دون أنظمة عادلة ومنظمة وقابلة للثقة.
وفي خضم هذا النقاش
العالمي، برز العراق كإحدى التجارب التي تحاول التحول من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة
التعافي والاستقرار، خصوصاً بعد سنوات طويلة من النزوح والصراعات والتحديات الأمنية
والاقتصادية.
فبحسب ما عرضته المنظمة
الدولية للهجرة خلال المنتدى، شهد العراق خلال الفترة الممتدة بين تموز 2025 وشباط
2026 تنفيذ سلسلة من البرامج الإنسانية والتنموية التي ركزت على السكن والمأوى وسبل
العيش، إضافة إلى الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للنازحين والعائدين.
وتعكس هذه البرامج
حجم التحديات التي ما زال العراق يواجهها في ملف الهجرة الداخلية والنزوح، لكنها في
الوقت نفسه تكشف عن تحولات مهمة في طريقة التعامل مع هذا الملف، عبر الانتقال من الاستجابة
الطارئة إلى بناء حلول أكثر استدامة، ترتبط بإعادة الاستقرار المجتمعي وتحسين فرص العمل
والخدمات الأساسية.
ويرى مراقبون أن التجربة
العراقية تمثل نموذجاً مهماً في المنطقة، ليس فقط بسبب حجم الأزمات التي مر بها البلد
خلال العقدين الماضيين، بل أيضاً بسبب قدرته على استيعاب ملايين النازحين والعمل تدريجياً
على إعادتهم إلى مناطقهم، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
ويؤكد مسؤولون أمميون
أن نجاح أي دولة في إدارة ملف الهجرة يعتمد على مزيج من الاستقرار السياسي والتنمية
الاقتصادية واحترام حقوق الإنسان، وهي عناصر ما زالت تشكل تحدياً لكثير من الدول التي
تعاني من النزاعات أو التغيرات المناخية أو الأزمات الاقتصادية.
ومع اختتام المنتدى
الدولي للهجرة بإعلان تقدّم تتفق عليه الحكومات المشاركة، يبقى السؤال المطروح: هل
ينجح العالم في تحويل التعهدات إلى خطوات عملية؟ أم أن قضية الهجرة ستظل رهينة الانقسامات
السياسية والخطابات الشعبوية؟
في كل الأحوال، تبدو
الرسالة الأممية هذا العام أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: الهجرة ليست خطراً بحد ذاتها،
بل قد تتحول إلى فرصة تنموية وإنسانية كبرى، إذا ما أُديرت بعدالة وتعاون دولي حقيقي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق