قراءة تحليلية
لتحذيرات الأمم المتحدة من تصاعد التسلح النووي، وتداعيات عودة مناخ الحرب
الباردة، وسط مخاوف عالمية من سباق ردع يهدد مستقبل البشرية.
العالم تحت ظلال الرعب
النووي مجددًا
تصاعد التسلح يعيد
مخاوف الحرب الباردة إلى الواجهة
تقرير – مجلة دجلة
الخير الإلكترونية
تصريح أنطونيو غوتيريش
لم يكن مجرد تحذير أممي عابر، بل بدا وكأنه جرس إنذار جديد لعالم يعود تدريجيًا إلى
مناخات الحرب الباردة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وخطورة. فحين يؤكد الرجل أن عدد الرؤوس
النووية يتزايد لأول مرة منذ عقود، فإن ذلك يعني أن البشرية بدأت تدخل مرحلة مختلفة،
تتراجع فيها لغة نزع السلاح أمام سباق التسلح والردع والخوف.
العالم الذي احتفل
بعد نهاية الحرب الباردة بانخفاض الترسانات النووية، عاد اليوم ليعيش هواجسها ذاتها،
لكن في بيئة سياسية أكثر هشاشة. الحرب الروسية الأوكرانية، التصعيد في شرق آسيا، التوتر
بين القوى الكبرى، والانقسامات الدولية المتسارعة، جميعها أعادت "الردع النووي"
إلى الواجهة بوصفه أداة ضغط سياسية وعسكرية ونفسية.
المفارقة أن السلاح
النووي، الذي صُمم أساسًا لمنع الحروب الكبرى عبر "توازن الرعب"، أصبح اليوم
عنصرًا يزيد احتمالات الانفجار العالمي، خصوصًا مع تصاعد الخطاب العدائي وتراجع الثقة
بين القوى الدولية. فالدول النووية لا تطور ترساناتها فقط، بل تعمل على تحديثها تقنيًا
وإلكترونيًا، ما يجعل أي خطأ في الحسابات أو أي تصعيد غير محسوب قادرًا على دفع العالم
إلى كارثة غير مسبوقة.
ورغم أن البشرية عاشت
لعقود تحت ظل القنبلة النووية، فإن الأجيال الجديدة ربما لا تدرك تمامًا حجم الخطر
الذي يعنيه استخدام سلاح واحد فقط. فالحرب النووية لم تعد مجرد مشهد سينمائي أو رواية
سياسية، بل احتمال قائم في عالم تتكاثر فيه النزاعات وتتراجع فيه الحلول الدبلوماسية.
ولهذا جاء تحذير الأمم المتحدة محمّلًا برسالة أخلاقية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا:
لا يمكن كسب حرب نووية، لأن الجميع سيكون خاسرًا فيها.
اقتصاديًا، يكفي مجرد
التلويح بالسلاح النووي لإرباك الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة والغذاء وتعميق
أزمات الفقر والهجرة. أما إنسانيًا، فإن أي مواجهة نووية، محدودة، قد تخلّف آثارًا
بيئية وصحية تمتد لعقود، من التلوث الإشعاعي إلى المجاعات والانهيارات المناخية. ولهذا
فإن الحديث عن السلاح النووي لم يعد شأنًا يخص الجيوش والدبلوماسيين فقط، بل قضية تمس
مستقبل الإنسان ذاته.
الإعلام بدوره يتحمل
مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة. فبدل الاكتفاء بتغطية التصريحات السياسية، ينبغي فتح
نقاش عالمي حول ثقافة السلام، ومخاطر سباقات التسلح، ومستقبل الأمن الدولي. كما أن
المجتمعات مطالبة بالضغط على الحكومات لإحياء الاتفاقيات الدولية الخاصة بنزع السلاح
ومنع الانتشار النووي، قبل أن يصبح العالم رهينة لقرارات انفعالية أو صراعات لا يمكن
احتواؤها.
لقد بدا العالم، بعد
الحربين العالميتين، وكأنه تعلّم درس الفناء. لكن الوقائع الحالية تشير إلى أن البشرية
ما زالت تعيد إنتاج مخاوفها القديمة بأشكال جديدة. وبينما ترتفع أعداد الرؤوس النووية،
يتراجع الإحساس الجماعي بالخطر، وكأن الإنسان اعتاد التعايش مع احتمال النهاية.
وربما تكمن خطورة المرحلة
الحالية في أن العالم لا يعيش حربًا نووية فعلية، بل يعيش ما هو أخطر: الاعتياد التدريجي
على فكرة الحرب النووية نفسها.
نعم، ما زال نزع السلاح
ممكنًا، لكنه لم يعد مشروعًا سهلًا أو قريب المنال كما كان يُعتقد بعد نهاية الحرب
الباردة. فالعالم اليوم لا يواجه مجرد سباق تسلح تقليدي، بل يعيش أزمة ثقة عميقة بين
القوى الكبرى، تجعل كل دولة ترى في ترسانتها النووية "ضمانة بقاء" قبل أن
تكون أداة ردع.
ومع ذلك، فإن التاريخ
يثبت أن الاتفاقيات الدولية قادرة على تقليص المخاطر حين تتوفر الإرادة السياسية. فمعاهدات
الحد من الأسلحة النووية، واتفاقيات منع الانتشار، أثبتت سابقًا أن التفاهم الدولي
يمكنه كبح سباقات التسلح ولو مؤقتًا. لكن المشكلة الحالية أن العالم ينتقل من مرحلة
"خفض الترسانات" إلى مرحلة "تحديثها وتطويرها"، وهو ما يعقّد أي
مشروع جديد لنزع السلاح.
الواقع يقول إن نزع
السلاح الكامل قد يبدو بعيدًا في المدى المنظور، لكن منع الانفلات النووي ما زال ممكنًا
عبر إعادة إحياء الدبلوماسية، وتعزيز الرقابة الدولية، وفرض ضغوط شعبية وإعلامية على
الحكومات الكبرى. فالقضية لم تعد مرتبطة بالأمن العسكري فقط، بل بمصير الإنسانية نفسها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق