السبت، 30 مايو 2026

الرئيسية طبق الاصل... بين الأسرة والأصدقاء من يرسم ملامح الإنسان الحقيقية؟

طبق الاصل... بين الأسرة والأصدقاء من يرسم ملامح الإنسان الحقيقية؟

يناقش المقال أثر الأصدقاء والجماعات الاجتماعية والرقمية في تشكيل شخصية الإنسان، مؤكدًا أن الأسرة تمنح القيم الأساسية، بينما يصنع الانتماء كثيرًا من السلوكيات.


طبق الاصل...

بين الأسرة والأصدقاء من يرسم ملامح الإنسان الحقيقية؟


كريم محسن

(الأطفال لا يكبرون ليصبحوا نسخة من والديهم، بل يكبرون ليصبحوا نسخة من مجموعتهم) هكذا لخصت عالمة النفس جوديث هاريس واحدة من أكثر الأفكار إثارة للجدل في علم النفس التربوي.

فبينما ظل الآباء لعقود يعتقدون أن شخصية الطفل تُصنع بالكامل داخل المنزل، جاءت هاريس لتقول إن البيت يمنح الطفل اللغة الأولى وبعض القيم الأساسية، لكنه لا يصنع شخصيته النهائية، لأن العالم الحقيقي يبدأ خارج الباب، هناك حيث الأصدقاء والمدرسة والشارع والجماعة الصغيرة التي يحاول الطفل الانتماء إليها.

الفكرة بدت صادمة للكثيرين، لأنها تهز صورة الأب والأم بوصفهما "المهندس الوحيد" لشخصية الابن. لكن المتأمل في الحياة اليومية سيجد أن كلام هاريس ليس بعيداً عن الواقع. فكم من عائلة محافظة أنجبت ابناً متمرداً بسبب صحبة معينة؟ وكم من طفل هادئ تحول إلى نسخة صاخبة من أصدقائه؟ وكم من شاب اكتسب لهجة مختلفة أو سلوكاً مختلفاً أو حتى طريقة تفكير جديدة فقط لأنه أراد أن يشبه المجموعة التي ينتمي إليها؟

داخل البيت يتعلم الطفل كيف يتعامل مع والديه، لكنه خارج البيت يتعلم كيف يتعامل مع العالم، والعالم بالنسبة له ليس فكرة مجردة، بل مجموعة الأصدقاء الذين يمنحونه شعور القبول والانتماء. الطفل يخاف من رفض المجموعة أكثر مما يخاف من عقوبة والده، لأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، ومنذ الصغر يسعى لأن يكون جزءاً من "القطيع" الذي يحميه نفسياً ويمنحه الاعتراف.

لهذا نرى أطفالاً يتحدثون بطريقة مختلفة تماماً عن لغة أسرهم، أو يتبنون اهتمامات لم يسمعوا بها داخل المنزل. أحياناً تتعب الأم سنوات في تعليم ابنها سلوكاً معيناً، ثم يأتي صديق واحد ليهدم كل ذلك خلال أشهر قليلة. ليس لأن التربية بلا قيمة، بل لأن الحاجة إلى الانتماء أقوى من كثير من النصائح.

في المدارس مثلاً، يمكن ملاحظة هذا التأثير بوضوح. الطالب المجتهد إذا أحاط نفسه بمجموعة ترى الدراسة قيمة، غالباً سيستمر بالتفوق. أما إذا دخل في مجموعة تسخر من النجاح وتعتبر الإهمال نوعاً من "الهيبة"، فقد يتراجع مستواه تدريجياً حتى لو كان أبواه شديدي الحرص على تعليمه. الجماعة هنا لا تعطيه الأفكار فقط، بل تمنحه تعريفاً جديداً لنفسه.

الأمر لا يتوقف عند الأطفال. حتى الكبار يتأثرون بالمجموعة التي يعيشون وسطها. الموظف النزيه قد يعتاد الفساد إذا دخل مؤسسة ترى الرشوة أمراً طبيعياً، والشخص الهادئ قد يتحول إلى عدواني إذا عاش وسط بيئة تمجد العنف. الإنسان يتلون غالباً بلون الجماعة التي تمنحه الشعور بالأمان والقبول.

وفي مجتمعاتنا العربية يمكن رؤية هذه الفكرة في تفاصيل كثيرة. بعض العائلات تبذل جهداً هائلاً في التربية، لكنها تهمل سؤالاً أكثر خطورة: مع من يقضي الابن يومه؟ فهناك من يراقب طعام طفله بدقة، لكنه لا يراقب البيئة النفسية التي يعيش فيها، مع أن الفكرة التي يسمعها من صديق قد تكون أخطر من أي طعام فاسد.

اليوم لم تعد المجموعة تقتصر على أصدقاء الحي أو المدرسة فقط، بل دخلت مواقع التواصل الاجتماعي لتصنع "جماعات رقمية" لها تأثير هائل على الأطفال والمراهقين. قد يجلس الطفل داخل منزله وتحت نظر والديه، لكنه في الحقيقة يعيش داخل عالم آخر يتشكل عبر الهاتف. يتبنى لغة جديدة، وأفكاراً جديدة، وحتى مقاييس مختلفة للنجاح والجمال والقوة، وكل ذلك بتأثير مجموعة لا يعرفها والداه أصلاً.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للطفل ليس أن يكون له أصدقاء، بل أن يشعر بالحاجة إلى أي مجموعة تقبله مهما كانت سيئة. الطفل الذي لا يجد احتواءً أو تقديراً أو مساحة للحوار داخل أسرته، يبحث غالباً عن التعويض خارجها، وقد يجده في جماعات منحرفة أو متطرفة أو مؤذية نفسياً.

ومع ذلك، لا يعني كلام جوديث هاريس أن دور الأبوين انتهى. فالأسرة تبقى الجذر الأول، وهي التي تمنح الطفل ثقته بنفسه وقدرته على الاختيار. الطفل الذي يتربى على الحوار والاحترام يكون أكثر قدرة على مقاومة ضغط الجماعة، أما الطفل الذي يعيش القمع أو الإهمال فقد يصبح أكثر هشاشة أمام أي تأثير خارجي.

إن التربية ليست سجناً يمنع الطفل من العالم، بل بناء داخلي يساعده على مواجهة العالم من دون أن يذوب فيه بالكامل. فالأصدقاء يصنعون كثيراً من التفاصيل، لكن الأسرة تمنح البوصلة. وربما لهذا يكون أهم سؤال في التربية اليوم ليس: "كيف أجعل ابني مطيعاً؟" بل: "كيف أجعله قادراً على اختيار الناس الذين لا يضيع بينهم؟"

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.