الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية ترامب ومجلس السلام وموقف القانون الدولي

ترامب ومجلس السلام وموقف القانون الدولي

يتناول النص إشكاليات "مجلس السلام" الذي أعلن عنه دونالد ترامب، من زاوية القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مبرزًا افتقاره للشرعية القانونية، وتعارضه مع اختصاصات الأمم المتحدة، واعتباره محاولة لفرض منطق القوة بدل النظام الدولي القائم على الشرعية والتعددية.

 


ترامب ومجلس السلام وموقف القانون الدولي

علي التميمي - باحث قانوني

مجلسُ السلامِ الذي أعلن عنه الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب، وما رافق ذلك الإعلان من الحديث عن منهاج أو نظام داخلي لهذا المجلس، يثير إشكاليات قانونية وسياسية عميقة عند قراءته في ضوء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فبحسب ما أُعلن، فإن هذا المجلس يقوم على رئاسة الرئيس ترامب، بعد أن وجه الدعوة إلى أكثر من ستين دولة، ووضع نفسه رئيسًا للمجلس مدى الحياة، وقبل عضوية الدول بنفسه، على أن تكون العضوية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويكون هو الجهة التي تقرر التجديد. كما نص النظام الداخلي على نوع آخر من العضوية، يتمثل بالعضوية الدائمة المشروطة بإيداع مليار دولار في صندوق المجلس.

وتُتخذ القرارات في هذا المجلس من قبل ترامب بصفته المقرر الأول، مستعينًا بعدد من المستشارين والمساعدين من شخصيات عالمية معروفة، ومن خلال هذا الإطار، يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى، خلال ولاية ترامب، إلى احتكار الحق الحصري في التعامل مع الأزمات الدولية بعيدًا عن ميثاق الأمم المتحدة، رغم أن هذا المجلس يتداخل بشكل واضح مع اختصاصات الأمم المتحدة، ولا سيما أن الولايات المتحدة نفسها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. ويزداد هذا التداخل وضوحًا مع ملاحظة أن مسودة ميثاق مجلس السلام لم يرد فيها أي ذكر لغزة أو فلسطين على الإطلاق، كما أن إعلان ترامب نفسه رئيسًا للمجلس مدى الحياة يدعو إلى التساؤل حول مصير هذا المجلس عند انتهاء ولايته الرئاسية، إذ ما الضمان بأن الرئيس الأمريكي القادم سيوافق على هذا المجلس أو يعترف به؟! إضافة إلى ذلك، فإن الدستور الأمريكي يشترط في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية موافقة الكونغرس، بشقيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ، على أي اتفاق يوقعه الرئيس، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة. وبذلك فإن توصيف مجلس السلام، من منظور القانون الدولي، يمكن أن يوصف بأنه اتفاقية دولية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون كيانًا موازيًا أو بديلًا للأمم المتحدة التي وقّعت عليها جميع دول العالم تقريبًا، كما جاء في ديباجة ميثاقها. ويؤكد ميثاق الأمم المتحدة ذاته، ولا سيما المادة 109، أن أي تعديل على الميثاق يستلزم عقد مؤتمر دولي بدعوة من الجمعية العامة، وتصويت ثلثي أعضائها، وموافقة تسعة أعضاء من مجلس الأمن، وهو ما يجعل أي مجلس يُنشأ بإرادة أحادية أو انتقائية خارج هذا الإطار فاقدًا للشرعية الدولية.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقف المؤسسات الدستورية في الولايات المتحدة تجاه هذا التداخل، إذ إن هذا المجلس لا يمكن أن يشكل إطارًا موازيًا للأمم المتحدة، بل يظل كيانًا متداخلًا معها دون سند قانوني واضح. كما أن الطرح الذي يقوم عليه هذا المجلس يوحي بأن الرئيس الأمريكي يريد تكريس منطق أن «الحق للقوة»، في مقابل مبدأ «القوة للحق» الذي يقوم عليه النظام الدولي المعاصر، وهو ما يضعف أي ادعاء بكون المجلس أداة لتحقيق السلام. ومن ناحية أخرى، فإن الأمم المتحدة، التي يضم ميثاقها 188 دولة ويتكون من 111 مادة، ما تزال الإطار الدولي الجامع، وقد صدرت عنها قرارات ملزمة بشأن غزة، من بينها القرار 2803 لسنة 2025 القاضي بإيقاف الحرب، باعتباره صادرًا عن مجلس الأمن. وفي المقابل، فإن مجلس السلام المعلن لا تربطه أي علاقة قانونية أو مؤسسية بمجلس الأمن أو بالأمم المتحدة، الأمر الذي يثير التساؤل حول الجهة التي ستلجأ إليها الدول عند وقوع الأزمات الدولية أو اندلاع الحروب، وهل ستتجه الولايات المتحدة إلى مجلس السلام أم إلى الأمم المتحدة التي ما زالت تمثل المحور الرئيسي للنظام الدولي. ومع أن بعض الدول تحركت استجابة للدعوة، وقبلت الانضمام أو وافقت على دفع الأموال، فإن غياب دول كبرى مثل الصين وروسيا، رغم كونهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، يكشف بوضوح محدودية هذا المجلس وعدم قدرته على تمثيل السلام الدولي أو إدارة الأزمات العالمية بقرارات ذات شرعية ملزمة.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.