الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية مواقع التواصل في العراق.. عطش للتعاطي مع الفضائح وتلوّث بصري يُهدّد مستقبل الأجيال

مواقع التواصل في العراق.. عطش للتعاطي مع الفضائح وتلوّث بصري يُهدّد مستقبل الأجيال

يتناول المقال واقع مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، مسلطًا الضوء على تحوّلها من وسيلة تواصل معرفي إلى فضاء مفتوح لتداول الإشاعات والمحتوى المثير للجدل. ويناقش أثر سوء الاستخدام على القيم المجتمعية والأجيال الناشئة، مستعرضًا الإطار القانوني القائم والحاجة إلى وعيٍ مسؤول يوازن بين الحرية والانضباط.




مواقع التواصل في العراق.. عطش للتعاطي مع الفضائح وتلوّث بصري يُهدّد مستقبل الأجيال 

أنس الشمري

عندما بدأ الإنترنت يدخل إلى العراق في نهايات تسعينيات القرن الماضي، كان حضوره أشبه بضيفٍ جديد يحمل ملامح عالمٍ مختلف. يومها، انشغل الشباب باكتشاف هذا التطور التقني، وتفاصيله، وكيف يمكن لشاشة صغيرة أن تربط العراق بمشارق الأرض ومغاربها. لم يكن الأمر مألوفًا؛ فقد كان الاتصال بالعالم الخارجي محدودًا، فجاءت مقاهي الإنترنت لتملأ الأحياء، وتصبح ملتقى للراغبين في مراسلة أقاربهم في الخارج، وللباحثين وطلبة الدراسات والمثقفين الذين وجدوا في هذه الوسيلة نافذة للمعرفة.

في تلك المرحلة، لم يكن الإنترنت يحتل المساحة التي يشغلها اليوم في تفاصيل الحياة اليومية، رغم وجود شريحة واسعة تستخدمه لأغراض عملية منتظمة. كان حضوره وظيفيًا في الغالب، ومحصورًا في البحث والتواصل والبريد الإلكتروني. لكن مع اتساع رقعة التحول الرقمي، وظهور منصات التواصل الاجتماعي وتعددها خلال العقدين الأخيرين، تغيّر المشهد جذريًا، وانتقل الإنترنت من أداة مساعدة إلى فضاء مفتوح يلامس كل جوانب الحياة.

بين "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تلغرام" و"إكس"، وغيرها من المنصات التي لا يكاد يخلو منها هاتف عراقي، أصبح تداول الأخبار والصور والمقاطع المصوّرة يتم بضغطة زر. لم تعد المسافات عائقًا، ولا الزمن حاجزًا؛ حدثٌ في أقصى العالم قد يصل خلال ثوانٍ إلى شاشة هاتف في أحد أحياء بغداد أو البصرة أو الموصل. هذه السرعة المذهلة في نقل المعلومة عكست حجم التطور التقني، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام تحولات عميقة في سلوك الأفراد وطبيعة التفاعل المجتمعي.

غير أن هذا الفضاء المفتوح لم يُستثمر دائمًا بما يخدم الصالح العام. فمع سهولة النشر وغياب الضوابط الذاتية لدى بعض المستخدمين، برزت مظاهر من سوء الاستخدام، تمثلت في التركيز على تداول الإشاعات، وتضخيم الأخبار المثيرة للجدل من دون تحقق أو دليل، فضلًا عن نشر محتويات خادشة للحياء أو مواد مسرّبة تمسّ الحياة الخاصة للأفراد. ومع كل "إعجاب" أو "مشاركة"، كانت دوائر الانتشار تتسع، ويتحوّل بعض المستخدمين إلى صانعي محتوى قائم على الإثارة والفضيحة.

ولو أجرينا جولة سريعة في هذه المنصات خلال ساعة واحدة، لوجدنا كمًا هائلًا من الصفحات التي تستقطب المتابعين عبر عناوين صادمة، أو ملفات ذات طابع جنسي، أو أخبار غير موثقة تُقدَّم بوصفها حقائق. وفي المقابل، يتراجع حضور المحتوى الرصين، أو يبقى أقل جاذبية أمام منطق الإثارة السريعة. هذه المعادلة خلقت بيئة رقمية مشبعة بما يمكن وصفه بـ"التلوث البصري"، حيث يُجبر المستخدم، شاء أم أبى، على المرور بمحتويات لا تتسق مع القيم المجتمعية أو الذوق العام، حتى أصبحت منصّات التواصل تشكّل خطراً وتهديداً لشريحة كبيرة من مستخدميها.

وتبرز الخطورة حين يكون المتلقّي طفلًا أو مراهقًا لم يكتمل وعيه بعد. فالتعرض المستمر لمثل هذه المضامين قد ينعكس على سلوكياته وتصوراته، ويُعيد تشكيل منظومة القيم لديه بطريقة غير مباشرة. ومع غياب الرقابة الأسرية الكافية في بعض الحالات، يتحول الهاتف الذكي إلى نافذة مفتوحة على عوالم لا تناسب مراحلهم العمرية.

 

لا يمكن إنكار أن وزارة الداخلية العراقية، عبر لجنة "المحتوى الهابط"، اتخذت خطوات للحد من بعض مظاهر الانفلات، وتمكنت من ملاحقة حسابات تروّج لمضامين مسيئة أو مخالفة للقانون. غير أن طبيعة الفضاء الرقمي، واتساعه، وتعدد أدواته، تجعل السيطرة الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ما يتعلق بالتشهير، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المشاهد المخلة بالحياء، والترويج لسلع أو خدمات لا تتلاءم مع الفئات العمرية الصغيرة.

 

قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، بصيغته الأصلية، لم يكن يتوقع هذا التسارع التقني الذي أفرز أنماطًا جديدة من الجرائم. فالمادة (403) تعاقب على نشر أو توزيع كتابات أو صور مخلة بالحياء، فيما تجرّم المادة (433) أفعال القذف والتشهير. إلا أن الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت تتطلب في كثير من الأحيان آليات قانونية وإجرائية أكثر تخصصًا.

ومن هنا جاء طرح مشروع قانون الجرائم الإلكترونية، في محاولة لسدّ الفراغ التشريعي ومواكبة التحولات الرقمية. وبين مؤيد يرى فيه ضرورة لتنظيم الفضاء الإلكتروني، ومنتقد يخشى من تأثير بعض مواده على حرية الرأي والتعبير، يبقى التحدي قائمًا في تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق.

ولابد أن نشير إلى قانون العقوبات العراقي الذيي يُطبق حالياً (خاصة المواد المتعلقة بالسبّ، القذف، الابتزاز، التهديد، الاعتداء على الأخلاق والآداب العامة، والتجسس) لمعاقبة الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت، مع وجود مواد إشكالية في المشروع المقترح تنتقدها منظمات حقوقية لتقييدها حرية الرأي والتعبير، بينما يهدف القانون الجديد إلى توحيد الأحكام وتخصص القضاء وتعزيز حماية البيانات، مع إدراج مواد خاصة بالجيوش الإلكترونية ونشر الأخبار الكاذبة.

خلاصة الأمر، أصبحت منصّات التواصل في ظل الانفلات الحاصل لدى بعض مستخدميها والمتمثل بالترويج لأمور غير أخلاقية وخادشة للحياء فضلاً عن نشر الفضائح التي باتت تتسبّب بمشاكل اجتماعية وأسرية وعشائرية، هدّدت حياة الكثيرين، تشكّل عبء على العائلة العراقية، فبين ضنكة العيش والأزمات الاقتصادية ومتطلبات توفير مستلزمات دراسة الأبناء، والجهاد اليومي لربّ الأسرة والأم، يُجبر هؤلاء على القتال في ساحة حرب خلقتها العولمة والتطوّر التكنلوجي، ليسكب فوقها الوقود أفراد من المجتمع يستجدون الـ"لايك" و"التعليق" و"المشاهدة"، عبر نشر محتويات تخلق تلوثاً بصرياً نُجبر يومياً على مشاهدته والمرور من فوقه للأسف، الأمر الذي بات يتطلب وقفة جدية وصارمة من السلطات، لمحاسبة كل من يتسبّب اصبعه عمداً بنشر تفاهات لها أثر سلبي كبير على المجتمع، وردم فتن قد تنشأ من تداعيات هذه التصرفات غير المنضبطة، والتي تمت بصلة لعادات وتقاليد المجتمع العراقي.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.