يبحث التقرير
في حجم الجهاز الحكومي بالعراق مقارنة بتركيا والسعودية ومصر والأردن، بعد بلوغ
السكان أكثر من 46 مليونًا، ونسبة موظفين 8.84%. ويخلص إلى أن الإشكال ليس في
العدد بقدر ما هو في التوزيع والكفاءة، وضرورة تحويل الكثافة الوظيفية إلى خدمة
عامة فعّالة.
بين الحاجة
الخدمية والكتلة الوظيفية.. مقارنة بين العراق ودول المنطقة
دجلة الخير –
تقرير خاص
مع إعلان
النتائج النهائية للتعداد السكاني الأخير في العراق، الذي أظهر أن عدد السكان بلغ
46,118,793 نسمة، عاد الجدل مجددًا حول حجم الجهاز الحكومي وعدد الموظفين، وما إذا
كان هذا العدد يعكس "ترهّلًا وظيفيًا" أم "حاجة خدمية حقيقية"
تفرضها طبيعة الدولة والمجتمع.
وتكتسب هذه
الإشكالية أهميتها حين توضع في سياق مقارن مع دول إقليمية ذات خصائص ديموغرافية
واقتصادية مختلفة، مثل مصر والسعودية وتركيا والأردن، بهدف الإجابة عن سؤال جوهري:
هل عدد موظفي الدولة في العراق مفرط مقارنة بدول المنطقة، أم أنه يتناسب مع حجم
السكان ومتطلبات الخدمة العامة؟
تشير البيانات
المستندة إلى قانون الموازنة الاتحادية للأعوام 2023–2025 إلى أن إجمالي عدد
الموظفين في مؤسسات الدولة العراقية يبلغ نحو 4,074,697 موظفًا. وبمقارنة هذا
الرقم بعدد السكان وفق التعداد الأخير، نجد أن:
نسبة الموظفين
الحكوميين إلى السكان 8.84%، أي ما يعادل نحو 88 موظفًا حكوميًا لكل ألف مواطن.
ظاهريًا، يبدو هذا الرقم مرتفعًا، لكنه لا يحمل دلالة قاطعة بحد ذاته، ما لم
يُقارن بسياقات إقليمية مشابهة، وما لم يُفكك داخليًا بحسب القطاعات (تعليم، صحة،
بلديات، أمن، رعاية اجتماعية).
تُعد تركيا
مثالًا مهمًا للمقارنة، كونها دولة ذات تعداد سكاني مرتفع واقتصاد متنوع: عدد
السكان (2024): 85.7 مليون نسمة. عدد العاملين في القطاع العام: نحو 5.24 مليون
موظف، وعليه: نسبة الموظفين إلى السكان 6.1%، أي 61 موظفًا لكل ألف نسمة. ورغم أن
العدد المطلق للموظفين في تركيا أعلى من العراق، إلا أن الكثافة الوظيفية أقل،
ويُعزى ذلك جزئيًا إلى: اتساع دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات، الاعتماد الواسع
على البلديات واللامركزية، وجود شراكات خدمية خارج الجهاز الحكومي المركزي.
في السعودية،
تختلف بنية الدولة الخدمية جذريًا: عدد السكان (2024): نحو 35.3 مليون نسمة، القوى
العاملة: نحو 17.2 مليون، نسبة العاملين في الحكومة والقطاع العام: قرابة 10% من
القوى العاملة. وباحتساب ذلك، يقدّر عدد العاملين في القطاع الحكومي والعام بنحو
1.7 مليون موظف، أي: حوالي 4.8–5% من السكان، ما يعادل 49 موظفًا لكل ألف نسمة،
ويُفسَّر هذا الانخفاض النسبي في الكثافة الوظيفية بـ: الاعتماد الكبير على القطاع
الخاص في التعليم والصحة والخدمات، وتعد نموذج "الدولة المنظِّمة" أكثر
من "الدولة المشغِّلة"، كما أن ارتفاع نسبة العمالة غير المواطنة في سوق
العمل.
في الحالة
المصرية: عدد السكان (نهاية 2024): نحو 107.2 مليون نسمة، عدد موظفي الجهاز
الإداري للدولة (تقديرات 2023/2024): قرابة 3.9 مليون موظف. وهذا يعني: نسبة
الموظفين إلى السكان 3.6%، أي 36 موظفًا لكل ألف نسمة، ورغم ضخامة الجهاز الإداري
تاريخيًا، فإن مصر اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى: تقليص التعيينات، نقل بعض
الخدمات إلى شركات عامة أو خاصة، ربط التوظيف بالإصلاح المالي وضبط الموازنة.
الأردن، بعدد
سكان يقارب 11.7 مليون نسمة، يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة في التعليم والصحة
والخدمات، إلا أن حجمه الديموغرافي الصغير نسبيًا يجعل الكثافة الوظيفية أكثر
قابلية للإدارة، وغالبًا ما تُقاس نسبة الموظفين فيه إلى القوى العاملة أكثر من
السكان الكليين.
العراق يمتلك
أعلى كثافة وظيفية حكومية بين دول المقارنة عند قياسها نسبةً إلى عدد السكان.
لكن.. هل الكثافة تعني فائضًا؟ هنا بيت القصيد. فالكثافة الوظيفية المرتفعة لا
تعني تلقائيًا وجود فائض، ما لم تُربط بثلاثة أسئلة حاسمة: كيف يتوزع الموظفون؟،
هل تتركز الوظائف في الإدارات المكتبية أم في التعليم والصحة والخدمات البلدية؟،
ما مستوى الإنتاجية؟
كم معاملة
ينجز الموظف؟ ما زمن الخدمة؟ ما جودة المخرجات؟ ما بدائل الدولة؟ هل يمتلك العراق
قطاعًا خاصًا قادرًا على امتصاص عبء الخدمات كما في تركيا والسعودية؟
في دولة مثل
العراق، حيث يعتمد المواطن بدرجة عالية على الدولة في التوظيف والدخل والخدمة،
وحيث ما يزال القطاع الخاص محدود التأثير، فإن الحاجة الخدمية قد تبرر عددًا
كبيرًا من الموظفين، لكن بشرط إعادة توزيعهم ورفع كفاءتهم.
إن المقارنة
الإقليمية تُظهر أن العراق لا يعاني من "مشكلة رقم" بقدر ما يعاني من
مشكلة هيكل ووظيفة. فبلد يضم أكثر من 46 مليون نسمة يحتاج حتمًا إلى جهاز خدمي
واسع، لكن معيار النجاح لا يقاس بعدد الموظفين، بل بقدرتهم على تحويل هذا العدد
إلى خدمة عامة محسوسة وعادلة وفعّالة.
ومن هنا، فإن
أي نقاش جاد حول التوظيف في العراق يجب أن ينتقل من سؤال: كم عدد الموظفين؟ إلى
سؤال أكثر عمقًا: أين يعمل هؤلاء؟ وماذا يقدّمون؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق