الأحد، 29 مارس 2026

الرئيسية العراق بين الدولة واللادولة: لحظة اختبار حاسمة

العراق بين الدولة واللادولة: لحظة اختبار حاسمة

العراق يواجه أزمة مركبة تجمع بين تصعيد أمني وانسداد سياسي، مع صراع داخلي على السلطة وتدخلات خارجية، ما يكشف ضعف الدولة وغياب القرار السيادي الموحد واستمرار تأثير الفصائل المسلحة.


نوري حمدان

في لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر، يجد العراق نفسه مجددًا عند تقاطع الأزمات، حيث تتداخل خطوط السياسة مع ميادين الأمن، وتتقاطع حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، في مشهد يعكس عمق الاختلال في بنية الدولة أكثر مما يعكس مجرد أزمة عابرة.

فبينما تعلن الحكومة سعيها لإبقاء البلاد خارج دائرة الصراع الإقليمي عبر تنسيق أمني مع الولايات المتحدة، تتواصل الضربات الجوية وحوادث الطائرات المسيّرة في أكثر من محافظة، في دلالة واضحة على هشاشة السيطرة الأمنية وتعدد مراكز القرار داخل الدولة الواحدة.

هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني ليس جديدًا، لكنه اليوم يبدو أكثر حدّة، في ظل تصاعد دور الفصائل المسلحة التي ما تزال تتصرف خارج الأطر الدستورية، وتحتفظ لنفسها بقرار الحرب والسلم، الأمر الذي حذّر منه رئيس مجلس القضاء الأعلى، معتبرًا أنه تهديد مباشر لسيادة الدولة وتقويض للنظام الديمقراطي.

لكن الأزمة لا تقف عند حدود الأمن، بل تمتد إلى عمق العملية السياسية، حيث يستمر الانسداد في تشكيل الحكومة، ويتعثر انتخاب رئيس الجمهورية، في وقت تتطلب فيه المرحلة وجود سلطة تنفيذية كاملة الصلاحيات قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة.

في هذا السياق، يبرز صراع داخل "الإطار التنسيقي" بين اتجاهين: أحدهما يسعى لإعادة إنتاج تجربة محمد شياع السوداني عبر ترتيبات سياسية هادئة، والآخر يتمسك بعودة نوري المالكي، ما يعكس انقسامًا حادًا داخل البيت السياسي الشيعي نفسه.

هذا الانقسام لا يُقرأ فقط بوصفه تنافسًا على السلطة، بل بوصفه صراعًا على شكل الدولة المقبلة: هل ستكون دولة مؤسسات تحتكر القرار السيادي، أم ساحة مفتوحة لتوازنات القوى المسلحة والتحالفات الظلية؟

الأخطر في هذا المشهد هو تزامن الانسداد السياسي مع تصعيد أمني متواصل، ما يضع البلاد أمام معادلة خطيرة: دولة عاجزة عن استكمال استحقاقاتها الدستورية، وميدان مفتوح لقوى تتصرف خارج إرادة الدولة، في ظل بيئة إقليمية قابلة للاشتعال في أي لحظة.

لقد أثبتت التجربة منذ 2003 أن المشكلة في العراق ليست نقصًا في النصوص أو الأدوات، بل في طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوازنات الهشة، والذي لم يتمكن حتى اليوم من إنتاج قرار سيادي مستقل أو بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن الإصلاح من دون معالجة الجذور البنيوية مجرد تكرار لشعارات استهلكها الزمن. فالمطلوب اليوم ليس فقط تشكيل حكومة جديدة، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين المؤسسات والقوى السياسية، على أساس واضح لا يقبل الازدواجية.

إن العراق يقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: إما أن ينتقل إلى مرحلة ترسيخ الدولة، حيث يحتكر القانون والسلاح والقرار السيادي، أو يستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من الأزمات، تتبدل عناوينها وتبقى أسبابها.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تمتلك القوى السياسية الشجاعة الكافية للخروج من منطق المحاصصة نحو منطق الدولة؟

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.