الأحد، 29 مارس 2026

الرئيسية أزمة اقتصادية خانقة تهدد العراق: توقف النفط يكشف هشاشة الاقتصاد الوطني

أزمة اقتصادية خانقة تهدد العراق: توقف النفط يكشف هشاشة الاقتصاد الوطني

العراق يواجه أزمة اقتصادية خانقة نتيجة توقف صادرات النفط بفعل الحرب، ما كشف هشاشة اقتصاده المعتمد على مورد واحد، وسط تحديات أمنية وسياسية وخيارات محدودة لتجاوز الأزمة الحالية.

 


دجلة الخير - تقرير خاص

في بغداد، لا تُقاس الحرب فقط بعدد الصواريخ أو مساحات النفوذ، بل بما تخلفه من ارتجاجات صامتة في عمق الاقتصاد. فمع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، وجد العراق نفسه فجأة أمام اختبار قاسٍ، ليس عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا وسياديًا في آنٍ معًا.

منذ اندلاع الحرب في أواخر شباط، لم تعد صادرات النفط العراقية تسير كما اعتادت. ذلك الشريان الذي يغذي نحو 90% من إيرادات الدولة، بات شبه متوقف، بعدما تحوّل مضيق هرمز، الممر الحيوي لنحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى نقطة اختناق مغلقة بفعل التصعيد.

قبل الأزمة، كان العراق يضخ أكثر من 4.3 مليون برميل يوميا، يصدر منها قرابة 3.4 مليون. أرقام كانت كفيلة بضخ أكثر من ستة مليارات دولار شهريًا في خزينة الدولة. أما اليوم، فقد تراجعت الصورة بشكل حاد، مع توقف شبه كامل للصادرات، وانخفاض الإنتاج إلى حدود تلبية الاستهلاك المحلي فقط.

هذه الصدمة، كما يصفها خبراء الاقتصاد، ليست عابرة. إنها "أزمة متعددة الأبعاد"، تضرب في آنٍ واحد الاقتصاد والمالية والأمن والسياسة. فالعراق، الذي لم يتمكن طوال سنوات من تنويع مصادر دخله، يجد نفسه مكشوفًا أمام أي اضطراب في سوق الطاقة.

المشكلة لا تكمن فقط في توقف التصدير، بل في طبيعة الاعتماد شبه الكامل على ممر واحد. فمعظم صادرات العراق، شأنه شأن دول الخليج، تمر عبر مضيق هرمز. أي إغلاق لهذا الممر لأيام يعني نزيفًا اقتصاديًا مباشرًا.

تشير تقديرات دولية إلى أن كل أسبوع من إغلاق المضيق قد يقتطع نسبة ملموسة من الناتج المحلي للدول المعتمدة عليه. وبالنسبة للعراق، فإن استمرار الأزمة لشهر واحد فقط يعني خسارة عائدات شهر كامل، ضربة قاسية لاقتصاد يعتمد أصلًا على مورد أحادي.

لم تقتصر التداعيات على الجغرافيا السياسية، بل امتدت إلى الداخل العراقي نفسه. فقد تعرضت منشآت الطاقة لهجمات متفرقة، أدت إلى تعطيل حقول مهمة، أبرزها حقل مجنون، فضلًا عن استهداف ناقلات نفط قرب البصرة، ما أجبر السلطات على تعليق العمل في الموانئ.

وفي الشمال، لم يكن الوضع أفضل حالًا. إذ أدت الهجمات المتكررة في إقليم كردستان إلى تقليص الإنتاج وإيقاف جزء من الصادرات عبر تركيا، ما عمّق من خسائر البلاد اليومية.

ورغم أن الأضرار المادية ما تزال محدودة نسبيًا، إلا أن الرسالة كانت واضحة: قطاع الطاقة العراقي بات هدفًا مباشرًا في معادلات الصراع.

أمام هذا المشهد، تتحرك بغداد على أكثر من مسار. من التفاوض مع طهران للسماح بمرور جزئي للناقلات، إلى البحث عن طرق بديلة عبر البر نحو تركيا أو الأردن أو سوريا. كما أعيد فتح ملف تصدير نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان، رغم الخلافات السياسية المزمنة بين بغداد وأربيل. لكن هذه الحلول، في أفضل حالاتها، تبقى جزئية ومؤقتة، ولا يمكنها تعويض الفاقد الكبير في الصادرات البحرية.

وراء الأرقام، تكمن معضلة أكثر تعقيدًا. فالعراق لا يعاني فقط من توقف التصدير، بل من بنية اقتصادية هشة، واعتماد كبير على الخارج، سواء في الإيرادات أو حتى في الاحتياطيات المالية المودعة في النظام المالي الدولي. كما أن البلاد تستورد نحو 90% من احتياجاتها الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في تدفق العملة الصعبة تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والصحي.

وفي الداخل، يقف اقتصاد غير رسمي، يشكل أكثر من نصف النشاط غير النفطي، مهددًا بالانكماش الحاد، مع تراجع السيولة وتوقف عجلة الإنفاق الحكومي.

ما يواجهه العراق اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية لنموذج اقتصادي قائم منذ عقود. فبين مضيق مغلق، وبنية تحتية مستهدفة، وخيارات محدودة، تبدو البلاد أمام مفترق طرق حاسم: إما البحث الجاد عن تنويع اقتصادي حقيقي، أو البقاء رهينة لصمام واحد.. قد يُغلق في أي لحظة.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.