د. مزاحم..
"طبيب الشعب" الذي يمشي نحو الناس
رحلة
إنسانية من العيادة إلى الميدان حيث يصل العلاج إلى الفقراء والمهمشين
د. مزاحم.. "طبيب الشعب": بذور الخير في داخلي نمت حتى صارت طريقًا يقودني من العيادة إلى الناس
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": المريض هو الأضعف وخدمة الفقراء صحياً كانت هاجسي ومشروعي
الإنساني منذ البداية حتى اليوم
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": من عيادة متواضعة إلى جولات إنسانية تصل النازحين حيث
يكون الألم والحاجة للعلاج دائماً
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": أربع عشرة سنة من التحديات بين رفض رسمي وإصرار إنساني
نجح رغم العراقيل السياسية والأمنية
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": لقب طبيب الشعب لم يكن هدفاً بل مسؤولية منحها الناس
لخدمة الفقراء وتخفيف معاناة المرضى
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": الطبيب إنسان أولاً ورسالة الطب انتصار للحياة حين تتحول
المعرفة إلى رحمة تخدم الناس
حاوره - محمد الجراح
في زمنٍ
تتراجع فيه المسافات بين الإنسان والتقنية، وتكبر فيه أحيانًا المسافة بين الإنسان
والإنسان، يظهر من بين الناس من يعيد تعريف المهنة بوصفها رسالة، ويعيد للطب جوهره
الأول: الرحمة.
ليس د. مزاحم
مجرد طبيب يعالج المرضى، بل هو تجربة إنسانية تمشي على قدمين، اختار أن يخرج من
جدران العيادة إلى فضاء الناس، حاملاً حقيبته الطبية وقلبًا ممتلئًا بالإيمان بأن
العلاج حقٌّ لا امتياز. على مدى سنوات، جاب المدن والقرى، ووصل إلى حيث يعجز
الآخرون عن الوصول، مؤسسًا لما عُرف لاحقًا بـ"الطبيب الجوال"، ومستحقًا
بجدارة لقب "طبيب الشعب" الذي منحه له الناس قبل أي جهة أخرى.
في هذا
الحوار، يفتح لنا د. مزاحم أبواب تجربته، من البدايات التي نمت كـ"بذور
خير" في داخله، إلى الميدان الذي اختبر فيه أقسى صور الألم الإنساني، مرورًا
بالتحديات التي واجهها، والأسئلة التي يطرحها اليوم على واقع الصحة والمجتمع،
وصولًا إلى رسالته للأطباء الشباب.
هنا، لا نتحدث
عن طبٍ فقط… بل عن إنسان اختار أن يكون في صفّ الإنسان.
س: متى
شعرت لأول مرة أن مهنتك كطبيب يجب أن تتجاوز حدود العيادة لتصل إلى الناس في
أماكنهم؟
بدءاً اشكر
هيئة تحرير مجلة "دجلة الخير" على هذا الكرم الطيب في إجراء الحوار
الصحفي ولا أرى غرابة في دعوتها الكريمة فهي تأتي ضمن مشوارها الصحفي الناجح
والمتألق، فالنظر إلى نشاط (الطبيب الجوال) كونه خرج المألوف من المبادرات الشخصية
إلى الفضاء الوطني الأوسع يجعل من اهتمامكم ذا قيمة عليا في التعامل مع ما يحصل..
أما عن
السؤال..
الشعور هو في
الحقيقة أشبه ببذور فعل خير محفوظة منذ زمن بعيد في ضميري ولكن كانت تلك البذور
تنتظر ظرف انباتها، أنا فتحت عيادتي الخاصة في 1987 ولكن فعالية الطبيب الجوال لم
تتحقق فعلياً الا في عام 2004 ، إذ بقت هي الهاجس الأكبر في داخلي ، فمن خلال
تجربتي في عيادتي الخاصة وكنت اسكن منطقة شعبية حيث كنت ازور مرضاي في بيوتهم حتى
بعد ان اوصف لهم العلاج للأطمئنان أو بالسؤال عنهم من خلال التليفون الأرضي (لم
يكن الهاتف النقال موجود)، بمعنى كنت امارس روح المهنة مذ أن مُنحت إجازة ممارسة
المهنة وكنت مؤمناً بشعبية الطب وليس بالطب الشعبي.انا وظفت ما تعلمته من أجل
الإنسان بالقول والفعل. لذلك فشعبيتي امتدت من منطقة سكني الى مناطق عديدة
وبعيدة.
س: ما
اللحظة أو الحادثة التي دفعتك لتختار طريق "الطبيب الجوال" وتكريس جزء
كبير من حياتك لخدمة الفقراء؟
لاحظ أن أضعف
الناس هو المريض سواء كان فقير او غني ولكن في الواقع فأن العبء اكبر على الفقير
الذي من المفترض أن ترعاه الدولة، لذلك بقي هاجس خدمة الفقراء صحياً يقع في
الأولوية من اهتماماتي وليس فقط بسبب المال وإنما في مجال التوعية الصحية التي حرم
منها الغالبية العظمى من الفقراء الذين حرموا من التعليم وكذلك من السكن في ظروف
صحية تليق بالبشر، فلم يكن الشروع بطريق "الطبيب الجوال" وليد لحظته او
حادثة طارئة بل كان مشروعاً مرسوماً في ذهني قبل أن أخطو الخطوة الأولى به وكان
لألتفاف المقربين وتشجيعهم دافعاً مهماً في مواصلة الطريق.
س: خلال
جولاتك في المناطق النائية، ما أكثر الحالات أو المشاهد التي تركت أثرًا عميقًا في
نفسك؟
هذا النشاط
بدأ على شكل عيادة بسيطة متواضعة تتم المراجعة لها مجاناً بالكامل سواء بالكشف او
التشخيص او توفير العلاج، ولم أتردد في طلب المعونات والتبرع بالأدوية من المذاخر
ومن الأقربين أن يساهموا بهذا المشروع الإنساني المتواضع ، وقد راجعني الكثير من
المرضى وفي حالات معقدة أحياناً، ولكن حينما لمست أن وصول المحتاجين للرعاية
الصحية اليّ، كان فيه بعض التعقيد، لذلك قررت أن أنطلق خارج جدران النمط التقليدي
لمفهوم العيادة، فرفعت شعار (الطبيب يصل اليك وليس أنت تبحث عن طبيب)، خصوصاً وأن
التطبيب كله مجاني بهذا المشروع. فتحققت الجولات في الكثير من المناطق داخل وخارج
بغداد في المدن والقرى والقصبات، وزادت مسؤوليتنا أكثر بعد عام 2014 حينما نزح
الناس جراء هجمات داعش المجرمة، لذلك اولينا النازحين اهتماماً استثنائياً ووصلنا
إليهم في أماكن تواجدهم سواء في الجوامع
والحسينيات أو التكيات أو الكنائس والأديرة وأحياناً البيوت أو بنايات مهجورة،
وحتى مخيمات تابعة للهلال والصليب الأحمرين. وإذا تخونني الذاكرة فلا يمكنني نسيان
الحالات النفسية المعقدة التي عانى منها الأطفال المهجرين من مختلف القوميات سواء
التركمان او الأكراد او العرب وحتى من الأديان المختلفة وخصوصاً الأيزديين والشبك،
أو تلك النساء الحوامل، أو مرضى الأمراض المزمنة وهم لا يمتلكون العلاج.
س: ما أصعب التحديات التي تواجهك أثناء عملك الميداني، سواء على المستوى الطبي أو الإنساني؟
فعالية أو
نشاط الطبيب الجوال والتي أستمرت ما يقارب 14 عاماً واجهت عدد غير قليل من
التحديات وكان ابرزها هو ان الناس يتعرفون لأول مرة على هكذا نشاط او ممارسة او
يرون طبيباً وبمبادرة ذاتية (ليست حكومية)، لقد اقتحمنا الأمراض في عقر
دارها..الأمر الثاني هو أقناع الناس بأن ما نقوم به لدوافع إنسانية – وطنية بحتة
وليس لدوافع ذاتية أو لمصلحة ضيقة او نفعية، هذه الفعالية تختلف عن باقي المبادرات
كون دوافعها أنسانية، مسارها إنساني وأهدافها إنسانية، الأمر الثالث، هو موقف
الجهات التنفيذية الحكومية وتحديداً الجهات الأمنية والتي وفي مرات عديدة توقفنا
عن العمل أو تطالبنا بموافقات رسمية (والموافقات الرسمية أقصد بها من جهتي وزارة
الصحة ومن الوزارات الأمنية)، وكلا الجهتين كانتا تمنعان هكذا ممارسة وطنية
إنسانية لأسباب غير مفهومة، ولا ننسى أن فترة عملنا في هذه النشاط كانت في أوج التصاعد
والتأجيج الطائفي وعدم الأستقرار الأمني ولكننا نجحنا في تحقيق أكثر من مئتي
فعالية داخل وخارج بغداد، الأمر الرابع، كان متعلق الى حدود ضيقة بالتحسس الطائفي
(المشين)، وأخيراً ذلك المتعلق بالدعم وخصوصاً بالأدوية والعلاجات.
لقد حاولنا
أكثر من مرة للحصول على الموافقات المطلوبة ولكنها دوماً كانت تصل الى الطريق
المسدود في منح الموافقات والتراخيص لأسباب لا تبتعد عن الموقف السياسي.
س - لُقّبت
بـ"طبيب الشعب"، كيف تنظر إلى هذا اللقب؟ وهل تعتبره تكريمًا أم مسؤولية
إضافية؟
لقب طبيب
الشعب كان مفاجأة مذهلة جداً، فكنت أعمل بعيداً عن الحلم بالألقاب أو الحصول على
امتيازات، كل هاجسي هو إشباع الرغبة البركانية الثورية في داخلي لخدمة الشعب،
تعبير رومانسي مندفع بشدة بحب الشعب والوطن، فجاء تكريمي بهذا اللقب ليزيد من حمل
المهمة والرسالة التي أريد إيصالها، والهدف الذي أصبو إليه.
اللقب أطلقه
عليّ المواطنون، الناس، شعبي الفقير، ولكن اليكم أن تسألوا الجهات الرسمية
الحكومية ما هي امتيازات هذا اللقب وبماذا
تقدروه، أنا ومن خلال منبركم لا أطلب أكثر من أن تجد الجهات المعنية
الطرائق والوسائل التي تخفف عن كاهل المريض العراقي.
س: ماذا تقول للأطباء الشباب اليوم حول معنى الطب بين المهنة والرسالة، في ظل الظروف التي يمر بها المجتمع؟
الطبيب هو انسان قبل ان يكون طبيباً، وأقول له أنت كنت في يوم مريض قبل أن تمتلك أدوات التشخيص والعلاج، الطبيب هو صاحب المهنة الوحيد الذي يواجه تناقضين والمطلوب منه أن ينصر الحياة على نقيضها، فالمرض نقيض الصحة، والموت نقيض الحياة.. عليكم الاستفادة من كل التجارب بما تغني انسانيتكم، عليكم أيها الزملاء أن توظفوا ادواتكم لخدمة الناس، لا يوجد أسعد في الكون من طبيب يشفي مريضاً، ولا أحلى من لحظة الفرح وأنت ترى السعادة في عيون أهل المريض، أو المريض الذي يقول لك، شكراً دكتور خففت عني الآلام. أيها الزملاء وظفوا كل أدوات علمكم لخدمة الإنسانية وأنسايتكم قبلها.
في نهاية هذا
الحوار، لا يبدو د. مزاحم مجرد طبيبٍ يروي تجربة، بل صوتٌ إنساني يذكّرنا بأن
الطب، في جوهره، ليس علمًا فقط، بل موقفٌ أخلاقي وانحيازٌ دائم إلى الإنسان.
من بين
الطرقات التي سلكها، والوجوه التي التقاها، والحكايات التي لم تُروَ كلها، تتشكل
صورة طبيبٍ اختار أن يكون قريبًا من الناس، لا فوقهم، وأن يجعل من مهنته جسرًا
للرحمة، لا مجرد وسيلة للعلاج. وربما لهذا السبب، لم يكن لقب "طبيب
الشعب" تكريمًا بقدر ما كان اعترافًا عفويًا من الناس بمن وقف إلى جانبهم في
أكثر لحظاتهم ضعفًا.
تبقى تجربة
"الطبيب الجوال" أكثر من مبادرة فردية؛ إنها دعوة مفتوحة لإعادة التفكير
في معنى المسؤولية، وفي الدور الذي يمكن أن يلعبه الإنسان حين يضع إنسانيته قبل كل
شيء.
وهنا، بين
سؤالٍ وجواب، نكتشف أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد المرضى الذين تم علاجهم، بل
بعدد القلوب التي استعادَت ثقتها بالحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق