مجلة دجلة
الخير
مجلة شهرية
عامة، تُدار من قبل نخبة من الصحافيين المتطوعين، وتسعى إلى تقديم محتوى إعلامي
مهني يقوم على المصداقية والدقة في نقل الحقيقة.
تلتزم المجلة
بأخلاقيات المهنة الصحافية وفق مواثيق العمل الصحافي العالمية، وتضع احترام القارئ
وحقه في المعرفة في مقدمة أولوياتها.
تتمتع دجلة
الخير باستقلالية تامة، ولا تنتمي إلى أي جهة سياسية أو حزب، ما يمنحها حرية الطرح
وموضوعية التناول.
تهدف المجلة
إلى دعم القيم الإنسانية والحريات العامة، وترفض التطرف بجميع أشكاله، وتعمل على
تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح في المجتمع.
هيئة التحرير
د. محمد حسين
الفيحان
سلوان اليوسف
علي تحسين
الحياني
انس الشمري
محمد الجراح
محمد بغدادي
نوري حمدان
للتواصل معنا
mdkpress@gmail.com
افتتاحية
العدد
العراق عند
مفترق الطرق.. بين اختبار الدولة واستعادة المعنى
في لحظات
التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بقدرتها على تجاوز الأزمات فحسب، بل بقدرتها
على فهم ذاتها وإعادة تعريف مسارها. والعراق اليوم يقف عند واحدة من تلك اللحظات
الفاصلة، حيث تتقاطع التحديات السياسية مع الضغوط الإقليمية، وتتشابك الأزمات
الاقتصادية مع أسئلة السيادة، فيما يظل الإنسان العراقي في قلب هذا المشهد، شاهداً
ومتأثراً وصانعاً في آنٍ واحد.
هذا العدد من
دجلة الخير يأتي في سياق مشهد معقد، تتصدره جدليات دستورية تكشف عمق الإشكال بين
النص والتطبيق، وتعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل يستطيع النظام السياسي أن ينتج
استقراراً حقيقياً، أم أنه ما زال أسير التوافقات الهشة؟ وبينما تتسارع
الاستحقاقات الدستورية، يبقى التحدي الأكبر في بناء ثقة مفقودة، ليس فقط بين القوى
السياسية، بل بين الدولة والمجتمع.
في الإقليم،
لا يبدو العراق بعيداً عن نيران الصراعات المتصاعدة، بل يقف في قلبها، محاولاً أن
يحافظ على توازن دقيق بين الشراكات الدولية ومتطلبات السيادة. أما اقتصادياً، فقد
عرّت الأزمة الأخيرة واحدة من أعمق الإشكاليات البنيوية، حين كشف توقف النفط هشاشة
الاعتماد على مورد واحد، ليعود السؤال بإلحاح: إلى متى يبقى الاقتصاد الوطني رهينة
لصمام واحد قد يُغلق في أي لحظة؟
غير أن هذا
العدد لا يقف عند حدود السياسة والاقتصاد، بل يفتح نوافذ على الإنسان والمعنى، من
سِيَر النضال إلى النماذج الإنسانية التي تعيد الاعتبار لفكرة المهنة بوصفها
رسالة، وصولاً إلى أسئلة الإعلام والتضليل، والتحولات العميقة التي يفرضها الذكاء
الاصطناعي على المعرفة وصناعة الرأي العام.
وفي هذا
السياق، وانطلاقاً من مواكبة التطور التقني وتوظيفه بما يخدم العمل الصحفي، تنوّه
هيئة تحرير دجلة الخير بأنها اعتمدت في هذا العدد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في
توليد بعض المواد البصرية، وكذلك في مراجعة وتدقيق بعض النصوص، ضمن إطار مهني يخضع
للإشراف التحريري الكامل، وبما يضمن دقة المحتوى وسلامة المعايير الصحفية. إن هذا
الاستخدام لا يُعد بديلاً عن الجهد البشري، بل أداة مساندة لتعزيز الجودة وتسريع
الإنتاج، في زمن تتسارع فيه أدوات المعرفة وصناعتها.
إن ما يجمع
موضوعات هذا العدد، على اختلافها، هو سؤال واحد: كيف يمكن تحويل التحديات إلى فرص،
والأزمات إلى لحظة وعي تؤسس لمرحلة جديدة؟
العراق لا
ينقصه التاريخ، ولا الموارد، ولا الطاقات البشرية. ما يحتاجه اليوم هو وضوح
الرؤية، واستقلال القرار، وإرادة سياسية تعيد بناء الدولة على أساس المواطنة
والقانون، لا على توازنات مؤقتة.
في هذا العدد، نحاول أن نقرأ المشهد لا بوصفه سلسلة أزمات، بل بوصفه لحظة اختبار.. وربما فرصة.
*****
بين الدستور
والسياسة.. اختبار جديد لبنية النظام في العراق
انتخاب
الرئاسات بين التوافق والانقسام في ظل ضغوط الداخل والخارج
دجلة الخير –
تقرير خاص
لم يكن الجدل
الدستوري الأخير بشأن آليات إعلان حالة الحرب في العراق حدثاً عابراً في سياق
النقاش القانوني، بل تحوّل سريعاً إلى نقطة ارتكاز لإعادة فتح ملفات سياسية مؤجلة،
وفي مقدمتها استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء. فالمقال الذي
أعاد التذكير بضوابط القرار السيادي وحدوده، أطلق موجة واسعة من التفاعلات داخل
الأوساط السياسية والإعلامية، وفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة النظام
السياسي وقدرته على إدارة التوازن بين النص الدستوري والواقع العملي.
في خضم هذه
التفاعلات، برزت تحركات برلمانية متسارعة، تمثلت في الحديث عن جمع عدد كبير من
تواقيع النواب لعقد جلسة حاسمة تهدف إلى إنهاء حالة التعطيل التي رافقت استكمال
تشكيل السلطة التنفيذية. هذه التحركات، وإن بدت منسجمة مع المسار الدستوري، إلا
أنها تعكس في جوهرها صراعاً سياسياً محتدماً بين قوى تسعى إلى تسريع الحسم، وأخرى
تتحفظ على طبيعة التفاهمات التي تجري خلف الكواليس.
وتشير تسريبات
متداولة في الأوساط السياسية إلى وجود سيناريوهات متعددة لحسم ملف رئاسة
الجمهورية، تمهيداً للانتقال إلى تكليف رئيس الوزراء، ضمن تفاهمات غير معلنة بين
أطراف مختلفة. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية عن نواب في مجلس النواب
تأكيدهم أن "الإسراع في عقد الجلسة يأتي استجابة لضغوط سياسية ورغبة في إنهاء
حالة الفراغ"، فيما حذر آخرون من أن "أي اتفاق لا يقوم على توافق واسع
قد يفتح الباب أمام أزمة جديدة بدل حل الأزمة الحالية".
من جهة أخرى،
عبّر مراقبون سياسيون عن قلقهم من توصيف بعض التحركات الجارية بأنها "انقلاب
ناعم تحت سقف البرلمان"، معتبرين أن هذا التوصيف يعكس حجم انعدام الثقة بين
القوى السياسية، أكثر مما يعكس حقيقة الإجراءات الدستورية. ويرى محللون أن المشكلة
لا تكمن في عقد الجلسة بحد ذاتها، بل في طبيعة التفاهمات التي تسبقها، وما إذا
كانت ستؤدي إلى إنتاج سلطة مستقرة أم إلى إعادة تدوير الأزمات.
في هذا
الإطار، يلفت عدد من الباحثين في الشأن العراقي إلى أن النظام السياسي، القائم على
التوازنات والتوافقات، يواجه اختباراً حقيقياً في هذه المرحلة، خصوصاً مع تصاعد
التحديات الأمنية الإقليمية وتداخلها مع الوضع الداخلي. فالعراق لا يتحرك في فراغ،
بل يتأثر بشكل مباشر بالصراعات المحيطة به، وهو ما يجعل أي استحقاق سياسي داخلي
عرضة لتقاطعات إقليمية ودولية معقدة.
كما أن
استمرار الجدل حول دور القوى المسلحة خارج إطار الدولة يضيف بعداً آخر للأزمة، إذ
يرى محللون أن تعدد مراكز القرار الأمني ينعكس سلباً على العملية السياسية، ويضعف
من قدرة المؤسسات الرسمية على فرض إرادتها. وفي هذا السياق، أكد أحد الخبراء
الأمنيين في تصريح صحفي أن "أي عملية سياسية لا تستند إلى احتكار الدولة
للسلاح ستبقى عرضة للاهتزاز، مهما بدت متماسكة في ظاهرها".
سياسياً،
تتباين مواقف القوى الفاعلة بين من يرى ضرورة المضي سريعاً في استكمال الاستحقاقات
الدستورية لتفادي مزيد من التعطيل، وبين من يطالب بضمانات سياسية واضحة تسبق أي
جلسة حاسمة. هذا التباين يعكس عمق الانقسام داخل المشهد السياسي، ويطرح تساؤلات
حول إمكانية الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.
وفي ظل هذه
المعطيات، يبرز دور مجلس النواب كميدان أساسي لحسم الصراع السياسي، لكن هذا الدور
يبقى مرهوناً بقدرة القوى السياسية على إدارة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية. إذ إن
أي انحراف عن هذه الأطر قد يؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر، وربما إلى فقدان الثقة
بالمؤسسات.
ويقف العراق
أمام لحظة مفصلية تتجاوز مجرد انتخاب رئيس للجمهورية أو تكليف رئيس للوزراء،
لتلامس جوهر العملية السياسية برمتها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الأسماء التي
ستتولى هذه المناصب، بل في الكيفية التي يتم بها اختيارها، ومدى التزامها بروح
الدستور ومبدأ التوافق الوطني. وبين الضغوط المتصاعدة والتجاذبات المستمرة، يبقى
السؤال الأهم: هل تنجح القوى السياسية في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء
النظام على أسس أكثر استقراراً، أم أنها ستضيف فصلاً جديداً إلى سلسلة الأزمات
التي رافقت التجربة السياسية في العراق؟
*****
إعلان حالة
الحرب دستورياً
القاضي فائق
زيدان
رئيس مجلس
القضاء الأعلى
يعد إعلان
حالة الحرب من أخطر القرارات السيادية التي تختص بها الدولة وحدها وفق الدستور
والقانون، لما يترتب عليه من آثار سياسية وعسكرية وقانونية كبيرة. وفي العراق،
نظّم الدستور هذه المسألة بدقة لضمان عدم إساءة استخدامها، وتحقيق التوازن بين
حماية الدولة والحفاظ على النظام الديمقراطي.
نص الدستور
العراقي لعام 2005 على آلية واضحة لإعلان حالة الحرب، حيث لا يمكن اتخاذ هذا
القرار بشكل فردي او عشوائي، بل يتطلب إجراءات دستورية محددة. وفقاً للمادة (61/
تاسعاً) من الدستور، يتم إعلان حالة الحرب أو الطوارئ بناءً على طلب مشترك من رئيس
الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ثم يُعرض هذا الطلب على مجلس النواب للموافقة عليه.
ويشترط
الدستور حصول موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على إعلان حالة الحرب، وهو شرط يعكس
خطورة هذا القرار، ويهدف الى ضمان وجود توافق وطني واسع قبل الدخول في نزاع مسلح.
يلاحظ أن
الدستور العراقي وضع إطاراً قانونياً دقيقاً لإعلان حالة الحرب، يوازن بين ضرورة
حماية الدولة من الأخطار الخارجية والداخلية، وبين الحفاظ على النظام الديمقراطي
ومنع الاستبداد. ويؤكد ذلك على أهمية الالتزام بالنصوص الدستورية كضمانة أساسية
لصون حقوق المواطنين واستقرار الدولة.
إن تصرفات بعض
الفصائل المسلحة ومحاولتها الانفراد بقرارات الحرب والسلم يشكّل تهديداً خطيراً
لسيادة الدولة واستقرار المجتمع، ويؤدي الى فوضى قانونية وأمنية.
إن انفراد هذه
الفصائل المسلحة بإعلان حالة الحرب عمليا من خلال ممارسة نشاطات ذات طبيعة حربية
يُعد خرقاً صريحاً للدستور، إذ أن هذا الحق محصور بالسلطات الدستورية الشرعية،
التي تمثل إرادة الشعب وتعمل ضمن إطار قانوني منظم. وعندما تقوم بعض الفصائل
باتخاذ مثل هذه القرارات، فإنها تُضعف هيبة الدولة وتُقوّض مبدأ سيادة القانون.
ومن الناحية
الأمنية، يؤدي هذا الانفراد الى تعدد مراكز القرار العسكري، مما يخلق حالة من
الفوضى وعدم الاستقرار، وقد يجرّ البلاد الى نزاعات داخلية او إقليمية دون وجود
توافق وطني. كما أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يزيد من احتمالية وقوع صدامات
مسلحة بين جهات مختلفة داخل المجتمع.
أما من
الناحية السياسية، فإن هذا السلوك يهدد النظام الديمقراطي، لأنه يتجاوز المؤسسات
المنتخبة ويُهمّش دورها، مما قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين المواطن والدولة. كذلك،
فإن القرارات غير الرسمية بالحرب قد تُعرّض الدولة لعزلة دولية أو لعقوبات بسبب
تصرفات لا تخضع للقانون.
وعلى الصعيد
الاجتماعي، ينعكس هذا الوضع سلباَ على حياة المواطنين، حيث يعيش الناس في حالة من
الخوف وعدم اليقين، وتتأثر الخدمات العامة والاقتصاد نتيجة استمرار التوترات
الأمنية.
إن انفراد بعض
الفصائل المسلحة بإعلان حالة الحرب يُعد خطراً جسيماً على الدولة والمجتمع، لأنه
يهدد السيادة الوطنية ويقوّض النظام القانوني. لذلك، لا بد من حصر السلاح بيد
الدولة وتعزيز دور المؤسسات الدستورية لضمان الأمن والاستقرار، وبناء دولة قوية
تقوم على القانون والشرعية.
*****
العراق بين نيران الإقليم وتوازن الشراكات:
قراءة في بيان العمليات المشتركة وتداعياته
دجلة الخير – تقرير خاص
في ظل تصاعد
التوترات الإقليمية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من
جهة أخرى، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب معادلة جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها
المصالح الدولية مع التحديات الأمنية الداخلية. وقد جاء البيان الصادر عن قيادة
العمليات المشتركة – خلية الإعلام الأمني بتاريخ 27 آذار 2026، ليؤكد محاولة بغداد
إعادة ضبط إيقاع هذا التوازن الحساس، ومنع انزلاق البلاد إلى ساحة صراع مفتوح.
البيان، الذي
أعقب اجتماع اللجنة العليا للتنسيق المشترك بين العراق والولايات المتحدة في 26
آذار، حمل في طياته رسائل متعددة، أبرزها التأكيد على منع استخدام الأراضي
العراقية كنقطة انطلاق لأي أعمال عدائية، سواء ضد الداخل العراقي أو ضد المصالح
الأجنبية، مع التشديد على إبقاء العراق خارج دائرة النزاع العسكري الدائر في
المنطقة.
ومنذ اليوم
الأول للتصعيد الإقليمي الأخير، شهدت الساحة العراقية سلسلة من الهجمات المتبادلة،
بعضها استهدف مواقع عسكرية، وأخرى طالت منشآت حيوية أو بعثات دبلوماسية. هذه
التطورات، بحسب مراقبين، أعادت إلى الأذهان سيناريوهات سابقة كان فيها العراق ساحة
لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
في حديث
لوسائل اعلام المحلية قال خبراء في الشأن الأمني، أن "البيان يمثل محاولة
رسمية لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك داخل العراق، ومنع الفصائل المسلحة أو الجهات
غير المنضبطة من جر البلاد إلى مواجهة لا تخدم مصالحه الوطنية". فضلا عن أن
"التنسيق مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة ليس خياراً سياسياً بقدر ما هو
ضرورة أمنية لضبط التهديدات المتصاعدة".
أحد أبرز
محاور البيان كان التأكيد على احترام سيادة العراق، وهي نقطة غالباً ما تثير جدلاً
واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية. فبينما ترى بعض الأطراف أن التعاون مع
واشنطن يعزز قدرات العراق في مواجهة الإرهاب، يعتبر آخرون أن هذا التعاون قد يفتح
الباب أمام تدخلات خارجية غير مرغوب فيها.
في هذا
السياق، يشير الباحث في الشؤون الاستراتيجية حيدر الجبوري، خلال حديثه لاحدى
القنوات المحلية، إلى أن "العراق يحاول السير على حبل دقيق، فهو من جهة بحاجة
إلى الدعم الدولي، ومن جهة أخرى يسعى إلى عدم استفزاز القوى الإقليمية، خصوصاً
إيران". ويؤكد أن "اللغة المستخدمة في البيان تعكس هذا التوازن، حيث
تجمع بين الشراكة الاستراتيجية والتمسك بالسيادة".
البيان أعاد
التأكيد أيضاً على استمرار التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وهو ملف ما يزال يمثل
أولوية قصوى للعراق، رغم إعلان هزيمة تنظيم داعش قبل سنوات. فالتحديات الأمنية لم
تنتهِ، بل تحولت إلى أشكال أكثر تعقيداً، تشمل الخلايا النائمة والتهديدات غير
التقليدية.
وفي حديثه
لاحدى القنوات المحلية أكد الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، أن "إعادة تفعيل
آليات التنسيق المشترك تعني أن هناك إدراكاً بوجود مخاطر حقيقية، سواء من بقايا
التنظيمات الإرهابية أو من تداعيات الصراع الإقليمي". ويضيف أن "العراق
لا يمكنه مواجهة هذه التحديات بمفرده، لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى أن يكون هو
القائد الرئيسي لجهود الأمن داخل أراضيه".
داخلياً، يطرح
البيان تساؤلات حول قدرة الحكومة العراقية على فرض سيطرتها الكاملة على جميع
الأطراف المسلحة، وضمان الالتزام بما ورد فيه من تعهدات. كما يفتح الباب أمام نقاش
أوسع حول مستقبل الوجود الأجنبي في البلاد، ودور العراق في خريطة الصراعات
الإقليمية.
ويرى محللون
أن نجاح هذا التوجه يعتمد بشكل كبير على وحدة القرار السياسي الداخلي، وقدرة
المؤسسات الأمنية على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بعيداً عن الضغوط والتجاذبات.
كما، يعكس
البيان محاولة عراقية جادة للخروج من دائرة الاستهداف، وإعادة تموضع البلاد كدولة
ذات سيادة تسعى إلى الاستقرار، لا كساحة صراع. غير أن الطريق إلى تحقيق ذلك لا
يزال محفوفاً بالتحديات، في ظل بيئة إقليمية متقلبة، وصراعات مفتوحة على احتمالات
متعددة.
*****
أزمة اقتصادية
خانقة تهدد العراق
توقف النفط
يكشف هشاشة الاقتصاد الوطني
دجلة الخير - تقرير خاص
في بغداد، لا
تُقاس الحرب فقط بعدد الصواريخ أو مساحات النفوذ، بل بما تخلفه من ارتجاجات صامتة
في عمق الاقتصاد. فمع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، وجد العراق نفسه فجأة أمام
اختبار قاسٍ، ليس عسكريًا فحسب، بل اقتصاديًا وسياديًا في آنٍ معًا.
منذ اندلاع
الحرب في أواخر شباط، لم تعد صادرات النفط العراقية تسير كما اعتادت. ذلك الشريان
الذي يغذي نحو 90% من إيرادات الدولة، بات شبه متوقف، بعدما تحوّل مضيق هرمز،
الممر الحيوي لنحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى نقطة اختناق مغلقة بفعل
التصعيد.
قبل الأزمة،
كان العراق يضخ أكثر من 4.3 مليون برميل يوميا، يصدر منها قرابة 3.4 مليون. أرقام
كانت كفيلة بضخ أكثر من ستة مليارات دولار شهريًا في خزينة الدولة. أما اليوم، فقد
تراجعت الصورة بشكل حاد، مع توقف شبه كامل للصادرات، وانخفاض الإنتاج إلى حدود
تلبية الاستهلاك المحلي فقط.
هذه الصدمة،
كما يصفها خبراء الاقتصاد، ليست عابرة. إنها "أزمة متعددة الأبعاد"،
تضرب في آنٍ واحد الاقتصاد والمالية والأمن والسياسة. فالعراق، الذي لم يتمكن طوال
سنوات من تنويع مصادر دخله، يجد نفسه مكشوفًا أمام أي اضطراب في سوق الطاقة.
المشكلة لا
تكمن فقط في توقف التصدير، بل في طبيعة الاعتماد شبه الكامل على ممر واحد. فمعظم
صادرات العراق، شأنه شأن دول الخليج، تمر عبر مضيق هرمز. أي إغلاق لهذا الممر
لأيام يعني نزيفًا اقتصاديًا مباشرًا.
تشير تقديرات
دولية إلى أن كل أسبوع من إغلاق المضيق قد يقتطع نسبة ملموسة من الناتج المحلي
للدول المعتمدة عليه. وبالنسبة للعراق، فإن استمرار الأزمة لشهر واحد فقط يعني
خسارة عائدات شهر كامل، ضربة قاسية لاقتصاد يعتمد أصلًا على مورد أحادي.
لم تقتصر
التداعيات على الجغرافيا السياسية، بل امتدت إلى الداخل العراقي نفسه. فقد تعرضت
منشآت الطاقة لهجمات متفرقة، أدت إلى تعطيل حقول مهمة، أبرزها حقل مجنون، فضلًا عن
استهداف ناقلات نفط قرب البصرة، ما أجبر السلطات على تعليق العمل في الموانئ.
وفي الشمال،
لم يكن الوضع أفضل حالًا. إذ أدت الهجمات المتكررة في إقليم كردستان إلى تقليص
الإنتاج وإيقاف جزء من الصادرات عبر تركيا، ما عمّق من خسائر البلاد اليومية.
ورغم أن
الأضرار المادية ما تزال محدودة نسبيًا، إلا أن الرسالة كانت واضحة: قطاع الطاقة
العراقي بات هدفًا مباشرًا في معادلات الصراع.
أمام هذا
المشهد، تتحرك بغداد على أكثر من مسار. من التفاوض مع طهران للسماح بمرور جزئي
للناقلات، إلى البحث عن طرق بديلة عبر البر نحو تركيا أو الأردن أو سوريا. كما
أعيد فتح ملف تصدير نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان، رغم الخلافات السياسية
المزمنة بين بغداد وأربيل. لكن هذه الحلول، في أفضل حالاتها، تبقى جزئية ومؤقتة،
ولا يمكنها تعويض الفاقد الكبير في الصادرات البحرية.
وراء الأرقام،
تكمن معضلة أكثر تعقيدًا. فالعراق لا يعاني فقط من توقف التصدير، بل من بنية
اقتصادية هشة، واعتماد كبير على الخارج، سواء في الإيرادات أو حتى في الاحتياطيات
المالية المودعة في النظام المالي الدولي. كما أن البلاد تستورد نحو 90% من
احتياجاتها الأساسية، ما يجعل أي اضطراب في تدفق العملة الصعبة تهديدًا مباشرًا
للأمن الغذائي والصحي.
وفي الداخل،
يقف اقتصاد غير رسمي، يشكل أكثر من نصف النشاط غير النفطي، مهددًا بالانكماش
الحاد، مع تراجع السيولة وتوقف عجلة الإنفاق الحكومي.
ما يواجهه
العراق اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية لنموذج اقتصادي قائم منذ
عقود. فبين مضيق مغلق، وبنية تحتية مستهدفة، وخيارات محدودة، تبدو البلاد أمام
مفترق طرق حاسم: إما البحث الجاد عن تنويع اقتصادي حقيقي، أو البقاء رهينة لصمام
واحد.. قد يُغلق في أي لحظة.
*****
عودة النفط من كركوك:
بين أنابيب السياسة وضخ الاقتصاد
دجلة الخير -
تقرير خاص
بعد أسابيع من
الترقب والتعقيدات السياسية والفنية، عادت الحياة لتدبّ من جديد في شرايين النفط
شمالي العراق، مع استئناف ضخ وتصدير نفط كركوك عبر ميناء جيهان التركي، في خطوة
وُصفت بأنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة ملفها النفطي في ظل التحديات
المتشابكة.
في محطات الضخ
الممتدة من حقول باي حسن إلى سارة لو، تبدو الصورة أكثر وضوحاً على الأرض: مضخات
تعمل بكفاءة، أنابيب مؤمنة، وكوادر فنية تواصل الليل بالنهار لضمان انسيابية
التدفق. تؤكد شركة نفط الشمال أن الطاقة التصديرية يمكن أن تصل إلى 500 ألف برميل
يومياً، فيما بدأت العمليات فعلياً بطاقة أولية تقارب 250 ألف برميل يومياً، مع
خطط لزيادتها تدريجياً.
يقول مسؤول
محطة سارة لو، وميض إيدين، إن المحطة تعمل بست مضخات رئيسة، بطاقة تصل إلى 700 متر
مكعب لكل مضخة في الساعة، مشيراً إلى خطط لزيادة عدد المضخات، في ظل جاهزية البنية
التحتية وتأمينها من قبل شرطة الطاقة.
لكن خلف هذا
المشهد الفني، تقف معادلة أكثر تعقيداً، حيث لا يمكن فصل عودة التصدير عن الاتفاق
السياسي بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، والذي أعاد تفعيل أحد أهم
المنافذ الاستراتيجية للعراق. هذا الاتفاق لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يمثل
تحوّلاً في إدارة العلاقة النفطية بين المركز والإقليم، بعد سنوات من التوتر
والتباين.
في المقابل،
كان مجلس النواب يراقب المشهد من زاوية أخرى. ففي جلسة ساخنة، استضاف كبار مسؤولي
وزارة النفط لمناقشة التحديات التي تواجه صادرات العراق، خاصة بعد التراجع الحاد
الذي شهدته بسبب الظروف الأمنية وتعقيدات النقل والتأمين في الخليج.
وزير النفط
حيان عبد الغني كشف عن أرقام تعكس حجم الأزمة: انخفاض الصادرات، عزوف الناقلات،
وتوقف شبه تام لبعض المنافذ منذ مطلع آذار. لكنه أشار أيضاً إلى جانب إيجابي تمثل
في زيادة تجهيز المصافي المحلية، ما أسهم في تحقيق شبه اكتفاء ذاتي من المنتجات
النفطية.
ورغم استئناف
التصدير عبر جيهان، فإن التحدي الأكبر ما زال قائماً: كيف يمكن للعراق تنويع
منافذه التصديرية؟ هذا السؤال كان محور نقاش النواب، الذين دعوا إلى الإسراع في
تنفيذ مشاريع استراتيجية، أبرزها أنبوب البصرة – حديثة، وخطوط التصدير عبر الأردن
وسوريا، لتقليل الاعتماد على منفذ واحد. كما شدد المجلس على ضرورة فرض الإدارة
الاتحادية على جميع عمليات الإنتاج والتصدير، بالتوازي مع الحفاظ على حقوق موظفي
إقليم كردستان، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السياسة والاقتصاد.
اليوم، ومع
عودة النفط إلى التدفق عبر الشمال، يبدو العراق أمام فرصة جديدة لإعادة ترتيب
أوراقه النفطية. فالتحديات التي عطّلت التصدير سابقاً لم تختفِ بالكامل، لكنها
كشفت في الوقت ذاته عن قدرة المؤسسات على التكيّف وإيجاد البدائل.
وبين صوت
المضخات في سارة لو، ونقاشات البرلمان في بغداد، تتشكل ملامح مرحلة جديدة،
عنوانها: النفط ليس مجرد مورد اقتصادي، بل معادلة سيادية تختبر تماسك الدولة
وقدرتها على إدارة أزماتها.
*****
مستقبل العراق
الجيو سياسي في ظل التخندق الإقليمي
محمد البغدادي
يشهد مستقبل
العراق الجيوسياسي تحولات عميقة في ظل بيئة إقليمية تتسم بالاستقطاب الحاد
والتخندق بين محاور متنافسة. فالموقع الجغرافي للعراق يجعله عقدة اتصال بين إيران
وتركيا والخليج العربي، كما يربط بين المشرق العربي والفضاء الآسيوي، الأمر الذي
يجعل أي توتر إقليمي ينعكس مباشرة على توازناته الداخلية.
من الناحية
الاستراتيجية، يتحرك العراق داخل مجال نفوذ متداخل بين قوى إقليمية كبرى. فإيران
تنظر إلى العراق بوصفه عمقاً أمنياً وسياسياً يضمن لها امتداداً جغرافياً نحو
المشرق، بينما تسعى تركيا إلى تثبيت حضورها عبر بوابة الأمن والاقتصاد، في المقابل
تحاول دول الخليج إعادة دمج العراق في محيطه العربي عبر الاقتصاد والطاقة
والاستثمار، وهو ما يضع بغداد في موقع توازن دقيق بين هذه القوى.
هذا التخندق
الإقليمي لا يضع العراق فقط في موقع التنافس، بل يجعله أيضاً ساحة اختبار لمعادلات
القوة في المنطقة. فكلما اشتد التوتر بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين،
يصبح العراق مساحة لإدارة النفوذ غير المباشر، سواء عبر الفاعلين السياسيين أو عبر
البنى الأمنية غير النظامية. وهذا ما يخلق ازدواجية في القرار الاستراتيجي للدولة
العراقية، بين منطق الدولة الوطنية ومنطق توازنات المحاور.
غير أن هذه
المعادلة تحمل في الوقت نفسه فرصة كامنة. فالعراق، بحكم موقعه وثقله السكاني
وموارده النفطية، قادر نظرياً على التحول من ساحة صراع إلى محور توازن إقليمي.
فإذا نجحت بغداد في بناء سياسة خارجية براغماتية قائمة على الحياد النسبي
والانفتاح المتوازن على الجميع، يمكن أن يتحول العراق إلى جسر بين المحاور
المتنافسة بدلاً من أن يكون خط تماس بينها.
لكن تحقيق هذا
التحول يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس سيادية واضحة، وإعادة تعريف العلاقة بين
المركز والأطراف، إضافة إلى ترسيخ استقلال القرار السياسي عن تأثيرات القوى
الخارجية. كما يحتاج العراق إلى تطوير قدراته الاقتصادية وتحويل موارده إلى أدوات
نفوذ جيوسياسي، لا مجرد موارد ريعية.
في ضوء ذلك
يمكن القول إن مستقبل العراق الجيوسياسي سيتحدد وفق ثلاثة مسارات محتملة:
الأول،
استمرار حالة التوازن الهش بين المحاور الإقليمية، حيث يبقى العراق منطقة نفوذ
متداخلة.
الثاني،
انزلاقه إلى اصطفاف إقليمي واضح إذا تصاعدت الاستقطابات في المنطقة.
الثالث، وهو
الأكثر طموحاً، تحوله إلى دولة توازن إقليمي تلعب دور الوسيط بين القوى المتنافسة.
وبين هذه
المسارات يظل العامل الحاسم هو قدرة النخب السياسية العراقية على تحويل الموقع
الجغرافي من عبء استراتيجي إلى مصدر قوة، لأن الجغرافيا في حالة العراق ليست قدراً
ثابتاً، بل إمكانية سياسية مفتوحة على أكثر من مستقبل.
*****
اقتصاد العالم على صفيح ساخن:
كيف تعيد حرب إيران تشكيل الأسواق الدولية؟
دجلة الخير -
تقرير خاص
مع تصاعد
الحرب ضد إيران، لم يعد القلق محصورًا في حدود الجغرافيا السياسية، بل تمدد ليصيب
قلب الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع خطوط الطاقة والتجارة والأسواق المالية في مشهد
شديد الحساسية. فالعالم الذي لم يلتقط أنفاسه بعد من موجات التضخم السابقة، يجد
نفسه اليوم أمام اختبار جديد قد يعيد تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية على المديين
القريب والبعيد.
في صدارة هذا
المشهد يقف مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث تمر
عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط. ومع اضطراب الملاحة فيه، بدأت أسعار الطاقة
بالارتفاع، ما انعكس سريعًا على تكاليف النقل والإنتاج، وامتد تأثيره إلى سلاسل
الإمداد العالمية. هذه الصدمة لم تبقَ محصورة في قطاع الطاقة، بل تسللت إلى مختلف
القطاعات، لتدفع بأسعار السلع والخدمات نحو الارتفاع، في موجة تضخمية جديدة تطرق
أبواب الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.
ومع تصاعد
الضغوط التضخمية، تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة معقدة؛ فرفع أسعار
الفائدة قد يساعد في كبح التضخم، لكنه في الوقت ذاته يهدد بإبطاء النمو الاقتصادي،
بينما قد يؤدي التراخي في السياسة النقدية إلى تغذية موجة الغلاء. هذا التوازن
الدقيق يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق المالية، حيث تتذبذب التوقعات وتتحرك
رؤوس الأموال بحذر بين الملاذات الآمنة والاستثمارات ذات المخاطر العالية.
غير أن تأثير
هذه الحرب لا يتوزع بالتساوي بين الدول، إذ تبرز فجوة واضحة بين الرابحين
والخاسرين. فالدول المصدرة للطاقة قد تجد في ارتفاع الأسعار فرصة لتعزيز
إيراداتها، في حين تواجه الدول المستوردة ضغوطًا متزايدة على ميزانياتها، خاصة في
أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز. أما
الولايات المتحدة، فتقف في موقع أكثر توازنًا نسبيًا، مستفيدة من قدراتها
الإنتاجية، وإن كانت لا تنأى بنفسها تمامًا عن تقلبات السوق العالمية.
وفي حال
استمرار الحرب لفترة أطول، فإن التداعيات قد تتجاوز حدود الاضطراب المؤقت، لتتحول
إلى تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي. فالشركات قد تعيد النظر في سلاسل التوريد،
والدول قد تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات الحساسة، فيما
ترتفع تكاليف التأمين والشحن بشكل دائم. هذه التحولات قد تدفع العالم نحو نموذج
اقتصادي جديد يتسم بارتفاع التكاليف وتراجع الكفاءة، مع زيادة الاعتماد على
الاعتبارات الجيوسياسية في اتخاذ القرارات الاقتصادية.
في المحصلة،
يقف الاقتصاد العالمي اليوم عند مفترق طرق؛ فإما أن تنحصر تداعيات الحرب ضمن موجة
اضطراب قصيرة الأمد يمكن احتواؤها، أو أن تتسع رقعتها لتفرض واقعًا اقتصاديًا
جديدًا أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة. وبين هذين السيناريوهين، يبقى العامل الحاسم هو
زمن الحرب وحدودها، في عالم باتت فيه الأزمات المحلية قادرة على إعادة تشكيل
النظام الاقتصادي بأسره.
*****
حميد مجيد موسى..
سيرة نضال لا تنطفئ
دجلة الخير -
تقرير خاص
برحيل السياسي
العراقي حميد مجيد موسى (أبو داود)، يطوي العراق صفحة من صفحات نضاله الوطني
الحديث، ويودّع واحداً من أبرز وجوه الحركة اليسارية والديمقراطية في البلاد. فقد
غادر الحياة بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً ونضالياً امتد لعقود
طويلة في الدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية.
ولد حميد مجيد
موسى عام 1941، ونشأ في بيئة وطنية مبكرة الوعي بالشأن العام، ما دفعه إلى
الانخراط في العمل السياسي منذ سنوات شبابه الأولى. ومع التحاقه بالحزب الشيوعي
العراقي، بدأ مسيرة طويلة من النشاط السياسي والتنظيمي، كرّس خلالها جهده للدفاع
عن قضايا الكادحين وحقوق الشعب العراقي في الحرية والكرامة.
وخلال عقود من
العمل السياسي، خاض موسى مختلف أشكال النضال، من النشاط السري والعمل الجماهيري
إلى العمل السياسي العلني، متنقلاً بين الداخل والمنافي، في زمنٍ كانت فيه
المواجهة مع الاستبداد مكلفة وقاسية. ومع ذلك بقي ثابتاً على قناعاته، مؤمناً بأن
مستقبل العراق لا يمكن أن يقوم إلا على أسس الديمقراطية والتعددية واحترام
الإنسان.
في عام 1993
انتُخب سكرتيراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، في مرحلة وُصفت بأنها من
أصعب المراحل في تاريخ الحزب. وقد قاد الحزب خلال تلك السنوات نحو تبني نهج
الديمقراطية والتجديد الذي أقرّه مؤتمره الخامس، فاتحاً بذلك آفاقاً جديدة للعمل
السياسي والتنظيمي.
لم يكن أبو
داود مجرد قائد حزبي، بل شخصية عُرفت بين رفاقها بالاستقامة والنزاهة والهدوء في
اتخاذ القرار. وكان يرى أن السياسة ليست مجرد شعارات أو خطابات، بل مسؤولية
أخلاقية وموقف مبدئي قبل أن تكون سلطة أو موقعاً.
رفاقه الذين
عايشوه عن قرب وصفوه بأنه إنسان متواضع ونزيه، يجمع بين الحكمة السياسية والخلق
الرفيع، يستمع قبل أن يحكم، ويحتكم إلى العقل قبل الانفعال. وقد بقي وفياً لمبادئه
حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
ولم يقتصر
تأثيره على الساحة العراقية فحسب، بل امتد إلى العلاقات مع القوى التقدمية في
العالم العربي، إذ نعته أحزاب وحركات سياسية عربية وأممية باعتباره أحد أبرز قادة
الحركة الوطنية التقدمية في العراق، مشيدين بدوره في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق
الشعوب.
كما أشادت
شخصيات سياسية عراقية بمسيرته، مؤكدة أن الراحل لعب دوراً مهماً في النضال ضد
الدكتاتورية ودعم قيم الحرية والديمقراطية، إضافة إلى مواقفه المؤيدة للحقوق
العادلة لشعوب المنطقة.
وبرحيله يخسر
العراق صوتاً سياسياً عرف بالاتزان والاعتدال، لكن إرثه سيبقى حاضراً في ذاكرة
الحركة الوطنية العراقية، وفي وجدان من عرفوه رفيقاً وصديقاً ومناضلاً صادقاً.
لقد رحل أبو
داود جسداً، لكن سيرته ستبقى جزءاً من تاريخ العراق الحديث، شاهدة على زمنٍ من
الكفاح والإيمان بأن الوطن الحر والشعب السعيد ليسا مجرد شعار، بل مشروع حياة
ونضال.
*****
د. مزاحم..
"طبيب الشعب" الذي يمشي نحو الناس
رحلة
إنسانية من العيادة إلى الميدان حيث يصل العلاج إلى الفقراء والمهمشين
د. مزاحم.. "طبيب الشعب": بذور الخير في داخلي نمت حتى صارت طريقًا يقودني من العيادة إلى الناس
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": المريض هو الأضعف وخدمة الفقراء صحياً كانت هاجسي ومشروعي
الإنساني منذ البداية حتى اليوم
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": من عيادة متواضعة إلى جولات إنسانية تصل النازحين حيث
يكون الألم والحاجة للعلاج دائماً
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": أربع عشرة سنة من التحديات بين رفض رسمي وإصرار إنساني
نجح رغم العراقيل السياسية والأمنية
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": لقب طبيب الشعب لم يكن هدفاً بل مسؤولية منحها الناس
لخدمة الفقراء وتخفيف معاناة المرضى
د. مزاحم..
"طبيب الشعب": الطبيب إنسان أولاً ورسالة الطب انتصار للحياة حين تتحول
المعرفة إلى رحمة تخدم الناس
حاوره - محمد الجراح
في زمنٍ
تتراجع فيه المسافات بين الإنسان والتقنية، وتكبر فيه أحيانًا المسافة بين الإنسان
والإنسان، يظهر من بين الناس من يعيد تعريف المهنة بوصفها رسالة، ويعيد للطب جوهره
الأول: الرحمة.
ليس د. مزاحم
مجرد طبيب يعالج المرضى، بل هو تجربة إنسانية تمشي على قدمين، اختار أن يخرج من
جدران العيادة إلى فضاء الناس، حاملاً حقيبته الطبية وقلبًا ممتلئًا بالإيمان بأن
العلاج حقٌّ لا امتياز. على مدى سنوات، جاب المدن والقرى، ووصل إلى حيث يعجز
الآخرون عن الوصول، مؤسسًا لما عُرف لاحقًا بـ"الطبيب الجوال"، ومستحقًا
بجدارة لقب "طبيب الشعب" الذي منحه له الناس قبل أي جهة أخرى.
في هذا
الحوار، يفتح لنا د. مزاحم أبواب تجربته، من البدايات التي نمت كـ"بذور
خير" في داخله، إلى الميدان الذي اختبر فيه أقسى صور الألم الإنساني، مرورًا
بالتحديات التي واجهها، والأسئلة التي يطرحها اليوم على واقع الصحة والمجتمع،
وصولًا إلى رسالته للأطباء الشباب.
هنا، لا نتحدث
عن طبٍ فقط… بل عن إنسان اختار أن يكون في صفّ الإنسان.
س: متى
شعرت لأول مرة أن مهنتك كطبيب يجب أن تتجاوز حدود العيادة لتصل إلى الناس في
أماكنهم؟
بدءاً اشكر
هيئة تحرير مجلة "دجلة الخير" على هذا الكرم الطيب في إجراء الحوار
الصحفي ولا أرى غرابة في دعوتها الكريمة فهي تأتي ضمن مشوارها الصحفي الناجح
والمتألق، فالنظر إلى نشاط (الطبيب الجوال) كونه خرج المألوف من المبادرات الشخصية
إلى الفضاء الوطني الأوسع يجعل من اهتمامكم ذا قيمة عليا في التعامل مع ما يحصل..
أما عن
السؤال..
الشعور هو في
الحقيقة أشبه ببذور فعل خير محفوظة منذ زمن بعيد في ضميري ولكن كانت تلك البذور
تنتظر ظرف انباتها، أنا فتحت عيادتي الخاصة في 1987 ولكن فعالية الطبيب الجوال لم
تتحقق فعلياً الا في عام 2004 ، إذ بقت هي الهاجس الأكبر في داخلي ، فمن خلال
تجربتي في عيادتي الخاصة وكنت اسكن منطقة شعبية حيث كنت ازور مرضاي في بيوتهم حتى
بعد ان اوصف لهم العلاج للأطمئنان أو بالسؤال عنهم من خلال التليفون الأرضي (لم
يكن الهاتف النقال موجود)، بمعنى كنت امارس روح المهنة مذ أن مُنحت إجازة ممارسة
المهنة وكنت مؤمناً بشعبية الطب وليس بالطب الشعبي.انا وظفت ما تعلمته من أجل
الإنسان بالقول والفعل. لذلك فشعبيتي امتدت من منطقة سكني الى مناطق عديدة
وبعيدة.
س: ما
اللحظة أو الحادثة التي دفعتك لتختار طريق "الطبيب الجوال" وتكريس جزء
كبير من حياتك لخدمة الفقراء؟
لاحظ أن أضعف
الناس هو المريض سواء كان فقير او غني ولكن في الواقع فأن العبء اكبر على الفقير
الذي من المفترض أن ترعاه الدولة، لذلك بقي هاجس خدمة الفقراء صحياً يقع في
الأولوية من اهتماماتي وليس فقط بسبب المال وإنما في مجال التوعية الصحية التي حرم
منها الغالبية العظمى من الفقراء الذين حرموا من التعليم وكذلك من السكن في ظروف
صحية تليق بالبشر، فلم يكن الشروع بطريق "الطبيب الجوال" وليد لحظته او
حادثة طارئة بل كان مشروعاً مرسوماً في ذهني قبل أن أخطو الخطوة الأولى به وكان
لألتفاف المقربين وتشجيعهم دافعاً مهماً في مواصلة الطريق.
س: خلال
جولاتك في المناطق النائية، ما أكثر الحالات أو المشاهد التي تركت أثرًا عميقًا في
نفسك؟
هذا النشاط
بدأ على شكل عيادة بسيطة متواضعة تتم المراجعة لها مجاناً بالكامل سواء بالكشف او
التشخيص او توفير العلاج، ولم أتردد في طلب المعونات والتبرع بالأدوية من المذاخر
ومن الأقربين أن يساهموا بهذا المشروع الإنساني المتواضع ، وقد راجعني الكثير من
المرضى وفي حالات معقدة أحياناً، ولكن حينما لمست أن وصول المحتاجين للرعاية
الصحية اليّ، كان فيه بعض التعقيد، لذلك قررت أن أنطلق خارج جدران النمط التقليدي
لمفهوم العيادة، فرفعت شعار (الطبيب يصل اليك وليس أنت تبحث عن طبيب)، خصوصاً وأن
التطبيب كله مجاني بهذا المشروع. فتحققت الجولات في الكثير من المناطق داخل وخارج
بغداد في المدن والقرى والقصبات، وزادت مسؤوليتنا أكثر بعد عام 2014 حينما نزح
الناس جراء هجمات داعش المجرمة، لذلك اولينا النازحين اهتماماً استثنائياً ووصلنا
إليهم في أماكن تواجدهم سواء في الجوامع
والحسينيات أو التكيات أو الكنائس والأديرة وأحياناً البيوت أو بنايات مهجورة،
وحتى مخيمات تابعة للهلال والصليب الأحمرين. وإذا تخونني الذاكرة فلا يمكنني نسيان
الحالات النفسية المعقدة التي عانى منها الأطفال المهجرين من مختلف القوميات سواء
التركمان او الأكراد او العرب وحتى من الأديان المختلفة وخصوصاً الأيزديين والشبك،
أو تلك النساء الحوامل، أو مرضى الأمراض المزمنة وهم لا يمتلكون العلاج.
س: ما أصعب التحديات التي تواجهك أثناء عملك الميداني، سواء على المستوى الطبي أو الإنساني؟
فعالية أو
نشاط الطبيب الجوال والتي أستمرت ما يقارب 14 عاماً واجهت عدد غير قليل من
التحديات وكان ابرزها هو ان الناس يتعرفون لأول مرة على هكذا نشاط او ممارسة او
يرون طبيباً وبمبادرة ذاتية (ليست حكومية)، لقد اقتحمنا الأمراض في عقر
دارها..الأمر الثاني هو أقناع الناس بأن ما نقوم به لدوافع إنسانية – وطنية بحتة
وليس لدوافع ذاتية أو لمصلحة ضيقة او نفعية، هذه الفعالية تختلف عن باقي المبادرات
كون دوافعها أنسانية، مسارها إنساني وأهدافها إنسانية، الأمر الثالث، هو موقف
الجهات التنفيذية الحكومية وتحديداً الجهات الأمنية والتي وفي مرات عديدة توقفنا
عن العمل أو تطالبنا بموافقات رسمية (والموافقات الرسمية أقصد بها من جهتي وزارة
الصحة ومن الوزارات الأمنية)، وكلا الجهتين كانتا تمنعان هكذا ممارسة وطنية
إنسانية لأسباب غير مفهومة، ولا ننسى أن فترة عملنا في هذه النشاط كانت في أوج التصاعد
والتأجيج الطائفي وعدم الأستقرار الأمني ولكننا نجحنا في تحقيق أكثر من مئتي
فعالية داخل وخارج بغداد، الأمر الرابع، كان متعلق الى حدود ضيقة بالتحسس الطائفي
(المشين)، وأخيراً ذلك المتعلق بالدعم وخصوصاً بالأدوية والعلاجات.
لقد حاولنا
أكثر من مرة للحصول على الموافقات المطلوبة ولكنها دوماً كانت تصل الى الطريق
المسدود في منح الموافقات والتراخيص لأسباب لا تبتعد عن الموقف السياسي.
س - لُقّبت
بـ"طبيب الشعب"، كيف تنظر إلى هذا اللقب؟ وهل تعتبره تكريمًا أم مسؤولية
إضافية؟
لقب طبيب
الشعب كان مفاجأة مذهلة جداً، فكنت أعمل بعيداً عن الحلم بالألقاب أو الحصول على
امتيازات، كل هاجسي هو إشباع الرغبة البركانية الثورية في داخلي لخدمة الشعب،
تعبير رومانسي مندفع بشدة بحب الشعب والوطن، فجاء تكريمي بهذا اللقب ليزيد من حمل
المهمة والرسالة التي أريد إيصالها، والهدف الذي أصبو إليه.
اللقب أطلقه
عليّ المواطنون، الناس، شعبي الفقير، ولكن اليكم أن تسألوا الجهات الرسمية
الحكومية ما هي امتيازات هذا اللقب وبماذا
تقدروه، أنا ومن خلال منبركم لا أطلب أكثر من أن تجد الجهات المعنية
الطرائق والوسائل التي تخفف عن كاهل المريض العراقي.
س: ماذا تقول للأطباء الشباب اليوم حول معنى الطب بين المهنة والرسالة، في ظل الظروف التي يمر بها المجتمع؟
الطبيب هو انسان قبل ان يكون طبيباً، وأقول له أنت كنت في يوم مريض قبل أن تمتلك أدوات التشخيص والعلاج، الطبيب هو صاحب المهنة الوحيد الذي يواجه تناقضين والمطلوب منه أن ينصر الحياة على نقيضها، فالمرض نقيض الصحة، والموت نقيض الحياة.. عليكم الاستفادة من كل التجارب بما تغني انسانيتكم، عليكم أيها الزملاء أن توظفوا ادواتكم لخدمة الناس، لا يوجد أسعد في الكون من طبيب يشفي مريضاً، ولا أحلى من لحظة الفرح وأنت ترى السعادة في عيون أهل المريض، أو المريض الذي يقول لك، شكراً دكتور خففت عني الآلام. أيها الزملاء وظفوا كل أدوات علمكم لخدمة الإنسانية وأنسايتكم قبلها.
في نهاية هذا
الحوار، لا يبدو د. مزاحم مجرد طبيبٍ يروي تجربة، بل صوتٌ إنساني يذكّرنا بأن
الطب، في جوهره، ليس علمًا فقط، بل موقفٌ أخلاقي وانحيازٌ دائم إلى الإنسان.
من بين
الطرقات التي سلكها، والوجوه التي التقاها، والحكايات التي لم تُروَ كلها، تتشكل
صورة طبيبٍ اختار أن يكون قريبًا من الناس، لا فوقهم، وأن يجعل من مهنته جسرًا
للرحمة، لا مجرد وسيلة للعلاج. وربما لهذا السبب، لم يكن لقب "طبيب
الشعب" تكريمًا بقدر ما كان اعترافًا عفويًا من الناس بمن وقف إلى جانبهم في
أكثر لحظاتهم ضعفًا.
تبقى تجربة
"الطبيب الجوال" أكثر من مبادرة فردية؛ إنها دعوة مفتوحة لإعادة التفكير
في معنى المسؤولية، وفي الدور الذي يمكن أن يلعبه الإنسان حين يضع إنسانيته قبل كل
شيء.
وهنا، بين
سؤالٍ وجواب، نكتشف أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بعدد المرضى الذين تم علاجهم، بل
بعدد القلوب التي استعادَت ثقتها بالحياة.
*****
استقالة البطريرك ساكو..
نهاية مرحلة وبداية تأمل
دجلة الخير - تقرير خاص
في خطوة لافتة
أنهت أكثر من ثلاثة عشر عاماً من القيادة الروحية والإدارية، أعلن البطريرك
الكلداني الكاثوليكي في العراق والعالم، الكاردينال لويس روفائيل ساكو، تقديم
استقالته من منصبه، في قرار وصفه بأنه اتخذه بإرادته الحرة، رغبة في التفرغ للصلاة
والكتابة والخدمة الروحية.
الاستقالة
التي قُدمت صباح التاسع من آذار 2026 إلى البابا لاون الرابع عشر، جاءت تتويجاً
لمسيرة كنسية طويلة امتدت لعقود، وشكّلت خلالها شخصية ساكو أحد أبرز الوجوه
الدينية المسيحية في العراق. وقد أعلن قبول الاستقالة رسمياً في العاشر من آذار،
فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة الكلدانية.
ساكو أوضح في
بيان صادر عن إعلام البطريركية أنه كان يفكر في تقديم الاستقالة منذ بلوغه الخامسة
والسبعين قبل عامين، وهو السن الكنسي الذي يتيح لرؤساء الكنائس تقديم استقالاتهم.
غير أن البابا الراحل فرنسيس شجعه حينها على الاستمرار في قيادة الكنيسة
الكلدانية، في ظل الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد.
ويؤكد ساكو أن
قراره الحالي لم يكن نتيجة ضغط أو طلب من أي جهة، قائلاً: "لا أحد طلب مني
ذلك، إنما طلبت الاستقالة بكامل حريتي".
قاد البطريرك
المستقيل الكنيسة الكلدانية في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ العراق
الحديث. فقد شهدت سنوات خدمته تحولات سياسية وأمنية كبيرة، كان لها أثر مباشر في
واقع المسيحيين العراقيين، ولا سيما بعد موجات الهجرة والتهجير التي تعرضوا لها
خلال العقدين الأخيرين.
وخلال هذه
المرحلة، حرص ساكو على الدفاع عن حقوق المسيحيين في الداخل والخارج، والعمل على
الحفاظ على وحدة مؤسسات الكنيسة الكلدانية، في وقت كانت فيه المجتمعات المسيحية
تواجه تحديات تتعلق بالوجود والهوية والاستقرار.
ويرى مراقبون
أن البطريرك لعب دوراً بارزاً في إبقاء صوت المسيحيين العراقيين حاضراً في
النقاشات الوطنية، سواء في بغداد أو على المستوى الدولي.
ينتمي ساكو
إلى جيل من رجال الدين الذين عايشوا تحولات العراق الحديثة بكل تعقيداتها. فقد خدم
في عدد من المدن العراقية، من بينها الموصل وكركوك وبغداد، قبل أن يتولى سدة
البطريركية الكلدانية عام 2013.
ويصف الأعوام
الثلاثة عشر التي قضاها بطريركاً بأنها كانت سنوات "رعاية محبة ومتابعة
وازدهار"، مشيراً إلى أنه يختتم هذه المرحلة ممتناً لكل من رافقه في مسيرته
الكهنوتية. كما خص بالشكر معاونيه في البطريركية، ومن بينهم المطران باسيليوس
يلدو، إضافة إلى العاملين في البطريركية وكهنة بغداد، مؤكداً أنه سيذكرهم دائماً
في صلاته.
وفي رسالته
الوداعية، عبّر ساكو عن أمله بأن تقود الكنيسة الكلدانية في المرحلة المقبلة شخصية
تتمتع بالفكر اللاهوتي العميق والحكمة والقدرة على الحوار والانفتاح. كما شدد على
احترامه للقيادة الجديدة التي ستنتخب مستقبلاً، مؤكداً أنه لن يتدخل في عملها أو
في إدارة شؤون الكنيسة بعد مغادرته المنصب.
وفي لفتة
إنسانية لافتة، كشف البطريرك المستقيل عن تفاصيل بسيطة من حياته الشخصية، مؤكداً
أنه لا يملك داراً أو سيارة، وأن مدخراته لا تتجاوز نحو أربعين مليون دينار عراقي،
وخمسة آلاف دولار، وخمسة آلاف يورو جمعها من رواتبه خلال اثنين وخمسين عاماً من
الخدمة الكهنوتية، إضافة إلى حصته من بيع منزل عائلته في الموصل.
غير أن ما
يعدّه رصيده الحقيقي، كما يقول، ليس المال أو الممتلكات، بل مسيرته في الخدمة
الروحية، إلى جانب خمسة وأربعين كتاباً أصدرها خلال سنوات عمله الفكري واللاهوتي.
برحيل ساكو عن
منصب البطريرك، تطوي الكنيسة الكلدانية صفحة مهمة من تاريخها الحديث، صفحة ارتبطت
بسنوات من التحولات العميقة في العراق والمنطقة.
لكن الرجل
الذي اختار الانسحاب بهدوء يؤكد أن خدمته لم تنتهِ بعد، فمرحلة ما بعد البطريركية
ستكون، كما يقول، وقتاً للتأمل والكتابة والصلاة، وهي مهام يرى فيها استمراراً
لرسالته الروحية التي بدأت قبل أكثر من نصف قرن.
*****
اغتيال الرأي
العام
شمخي جبر
كاتب وصحفي
تتم عملية
اغتيال الرأي العام من خلال اللعب بالنسيج المجتمعي وتهديد وحدته من خلال رسالة او
عدة رسائل اتصالية مشوهة تتم صناعتها بقصد إيصال مضامين غير صحيحة تهدف الى الإضرار بالجمهور من خلال السعي لتشكيل
موقف اجتماعي يتعارض مع الحقيقة في ذهن
المتلقي.
ويتم هذا من خلال خبر كاذب او ترويج معلومات
مضللة تقدم للجمهور على انها صحيحة بهدف تسميم الرأي العام وحرف توجهاته وهو ما
نتحدث عنه بوصفه عملية اغتيال للرأي العام
فالتضليل الإعلامي يسعى إلى صناعة رأي عام مشوه بل غير حقيقي لأنه مبني على
معطيات إفتراضية مصنوعة في مطابخ متقدمة قادرة على صناعة أغذية فاسدة تبدو لمن
يتذوقها أنها صالحة للإستهلاك بل قد تورط الكثيرين لترويجها فتصبح هذه العملية
متطابقة تماما مع مفهوم (مصائد المغفلين ) وهو مفهوم عسكري تستخدمه جماعات الهندسة
العسكرية اذ هو أحد انواع عمليات التفخيخ.وللمقصود هنا ان أولئك الذي تصطادهم شباك
المروجين للتضليل او الاخبار الكاذبة هم مغفلين لايدرون ماذا يروجون وماذا ينقلون
من أخبار او معلومات.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي أصبحت عملية التزوير والتشويه للحقائق والمعلومات
متيسرة وهو ما يصبح اكثر خطورة وقوة، إذ استفادت منه وقامت عليه عمليات التشهير
والتسقيط أو ما سماه بعض الباحثين ب(القتل الرمزي) وقد يكون القتل الرمزي تهيئة أو
مقدمة لعملية القتل المادي
فحين تنتشر
الكذبة لا ينفع معها النفي والتكذيب بل تتحول الى حقيقة وقد يتشكل معها موقف حين
يتلقفها المئات والآلاف من الناس الذين تنطلي عليهم في ظل تطور وسائل صناعتها
وبخاصة مايسمى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح علما قائما بذاته يدرس في المعاهد
والكليات وله خبرائه ومعلميه ومدربية وطلبته ودارسيه.
وربما يساعد
ويخدم عمليات التضليل هو انعدام الشفافية وعدم الحصول على معلومات دقيقة وصحيحة من
مصادرها الحقيقية من خلال أسلوب الكتم أو التكتم والحجب والتعمية على المعلومات
وعدم السيطرة على الأجهزة والوسائل الإعلامية او منع نشر معلومات تحت طائلة
المسؤولية القضائية تحت ذريعة الأمن القومي.
وقد يكون
الهدف من عمليات التضليل بث خطاب الكراهية الذي
يتجلى في بعض
الخطب لرجال الدين او برامج بعض القنوات الاعلامية او تصريحات بعض السياسيين، وقد يصبح هذا الخطاب
هدف السياسي او القناة التلفزيونية وعدتها لتحقيق اهدافهما في تهديم التعايش
المجتمعي.
وقد يسعى
البعض الى إيقاظ فيروس الطائفية او التفرقة العنصرية ومحاولة تنشيطه وبث الروح
فيه من خلال بعض الأفعال والاقوال ،وقد اتفق القوم على ان القول اشد ايلاما
وتأثيرا من الفعل .
فالقول قد
يكون تصريحا لوسيلة اعلام او تقريرا خبريا يتم دس بعض السموم فيه من اجل الترويج
واشاعة هذا الفيروس كلما خمد وضعف او تلاشى .
وقد اهتمت
الدول بهذه الظاهرة الخطيرة، بل قد وصل الامر
بالجمعية العامة للأمم المتحدة
التي( عبرت عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة والدعائية، ورحبت بجهود
الأمين العام الرامية إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة التضليل الإعلامي.
واستجابة لذلك، قدم الأمين العام تقريرا إلى الجمعية العامة يستند إلى المعلومات
وأفضل الممارسات التي تشترك فيها الدول وكيانات الأمم المتحدة وأصحاب المصلحة
المعنيون بشأن مكافحة التضليل الإعلامي.
في أب 2022،
واستجابة لطلب الجمعية العامة في قرارها الصادر في كانون الاول 2021، نشر الأمين
العام تقريره بشأن مكافحة التضليل الإعلامي.)
التطور التقني
والانتشار الواسع لمضامين السوشيل ميديا
قدم مساحات واسعة لعمليات التضليل ،وبخاصة حين نتحدث عن رسائل اعلامية خارج الرصد
والرقابة.
في الختام
لابد من الاشارة الى اننا حين نقول ان عملية التضليل هي اغتيال للرأي العام،فأننا
نقصد تغيبه او تشويهه وحرفه عن قناعاته وتشكلاته الحقيقية.
*****
الذكاء الاصطناعي..
أداة معرفة أم سلاح تضليل؟ قراءة متوازنة
أنس الشمري
في ظل
التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية
مساعدة، بل أصبح أحد أهم أدوات إنتاج المعرفة وصياغة المستقبل. فمن الطب إلى
التعليم، ومن الإعلام إلى الاقتصاد، يفتح هذا التطور آفاقًا غير مسبوقة أمام
الإنسان، ويمنحه قدرة أكبر على التحليل والفهم واتخاذ القرار.
في المجال
الطبي، أسهم الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض بدقة عالية، بل وتوقعها قبل حدوثها
في بعض الحالات، مما ساعد على إنقاذ أرواح وتحسين جودة الحياة. وفي التعليم، أتاح
فرصًا للتعلم الشخصي، حيث يمكن لكل طالب أن يتلقى محتوى يناسب قدراته واحتياجاته.
أما في الإعلام، فقد أصبح أداة فعالة في تحليل البيانات، والتحقق من المعلومات،
وتسريع إنتاج المحتوى.
غير أن هذا
التطور، رغم فوائده، لا يخلو من التحديات. إذ يمكن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي
في نشر معلومات مضللة أو صناعة محتوى مزيف يبدو حقيقيًا، مما قد يؤدي إلى تشكيل
رأي عام غير دقيق أو مشوه. وهنا تكمن الإشكالية: ليست في الأداة نفسها، بل في
كيفية استخدامها.
إن الذكاء الاصطناعي، في جوهره، هو امتداد طبيعي لمسيرة الإنسان في البحث عن المعرفة وتطوير أدواتها. فهو لا ينتج الحقيقة من فراغ، بل يعيد تنظيمها وتحليلها وتسريع الوصول إليها، ما يجعله أداة معرفية متقدمة لا يمكن اختزالها في جانب سلبي واحد. وكما يشير عالم الحاسوب Andrew Ng، فإن "الذكاء الاصطناعي هو الكهرباء الجديدة"، في إشارة إلى كونه تقنية عامة ستتغلغل في مختلف القطاعات وتعيد تشكيلها. هذا الطرح ينسجم مع رؤية عدد من الخبراء الذين يرون أن الأداة في ذاتها محايدة، وأن القيمة الأخلاقية أو الضرر المحتمل يتوقفان على كيفية توظيفها.
وفي السياق ذاته، يؤكد الباحث Stuart Russell أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في "تصميم أنظمة تتماشى مع القيم الإنسانية وتخدم الصالح العام". وهو ما يعني أن المسؤولية لا تقع على التقنية، بل على الأطر التنظيمية والمعرفية التي تحكم استخدامها. فحين تُستخدم هذه التقنية في البحث العلمي، وتحليل البيانات الطبية، وتحسين كفاءة التعليم، فإنها تتحول إلى رافعة تنموية كبرى؛ أما حين تُوظف في إنتاج محتوى مضلل أو تزييف الحقائق، فإنها تنحرف عن غايتها.
ومن هنا، يصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا مطلقًا قراءة منقوصة، لأنها تغفل جانبًا واسعًا من إسهاماته الإيجابية. المطلوب اليوم ليس إثارة الخوف، بل بناء وعي مجتمعي ناضج قادر على التمييز بين الاستخدام المسؤول وغير المسؤول. وهذا يتطلب، أولًا، تعزيز الشفافية في تداول المعلومات، بحيث تكون المصادر واضحة وقابلة للتحقق، وثانيًا، تمكين الأفراد من الوصول إلى معلومات دقيقة من مصادرها الأصلية، وثالثًا، تنمية مهارات التفكير النقدي التي تجعل المتلقي قادرًا على تحليل الرسائل الإعلامية بدل استهلاكها بشكل سلبي.
وقد شددت UNESCO في توصياتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على ضرورة "تعزيز الثقافة الرقمية والوعي الإعلامي" بوصفهما خط الدفاع الأول ضد التضليل. فالمجتمعات التي تمتلك وعيًا نقديًا لا تصبح عرضة بسهولة للتلاعب، مهما تطورت أدواته.
وعليه، فإن
التحدي الحقيقي لا يتمثل في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في كيفية دمجه ضمن منظومة
قيمية ومعرفية تحصّن المجتمع من الانزلاق نحو الاستخدامات الضارة. فالأداة تبقى
محايدة، لكن أثرها النهائي هو انعكاس مباشر لوعي المستخدم، ولمستوى الرقابة
والمسؤولية في البيئة التي تعمل ضمنها.
ويبقى الذكاء
الاصطناعي سلاحًا ذا حدين: يمكن أن يكون أداة للنهوض بالمعرفة وخدمة الإنسان، كما
يمكن أن يتحول إلى وسيلة للتشويش إذا أسيء استخدامه. وبين هذين الحدين، تتحدد
مسؤوليتنا الجماعية في توجيه هذه التقنية نحو ما يخدم الحقيقة، لا ما يحرفها.
*****
لطفية الدليمي
سيدة المعرفة
التي جعلت الكتابة وطناً
دجلة الخير -
تقرير خاص
لم يكن رحيل
الكاتبة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي حدثاً عادياً في المشهد الثقافي العربي،
بل كان غياباً لواحدة من أبرز الأصوات الأدبية التي كرّست حياتها للكلمة والمعرفة.
فالدليمي، التي رحلت عن عالمنا عام 2026 عن عمر ناهز السابعة والثمانين، تركت
وراءها تجربة إبداعية تمتد لأكثر من ستة عقود، توزعت بين القصة والرواية والترجمة
والمقالة الفكرية.
منذ بداياتها
الأولى في الكتابة، ظهرت الدليمي كصوت مختلف في السرد العراقي. فقد نشرت مجموعتها
القصصية الأولى "ممر إلى أحزان الرجال" عام 1969، لتعلن دخولها إلى عالم
الأدب بقوة، قبل أن تواصل مسيرتها بروايات وأعمال سردية متعددة كان من بينها
"عالم النساء الوحيدات" وعدد من الروايات التي رسخت حضورها في الأدب
العربي المعاصر.
ولدت لطفية
الدليمي عام 1939 في العراق، في بيئة ثقافية كان للكتاب فيها حضور مبكر في حياتها.
فقد ارتبطت طفولتها بمكتبة صغيرة في بستان كان يديره والدها، وهو مكان شكل البذرة
الأولى لعلاقتها بالقراءة والمعرفة. وهناك، في ذلك المكان الذي جمع بين الطبيعة
والكتاب، بدأت رحلتها مع الفكر والأدب، حيث كانت تقرأ منذ سنواتها المبكرة وتكتشف
العالم عبر الصفحات.
تلك العلاقة
المبكرة بين المعرفة والطبيعة ظلت حاضرة في كتابتها، إذ بدت أعمالها لاحقاً وكأنها
محاولة دائمة لربط الإنسان بالعالم من حوله، وللتأمل في العلاقة بين التاريخ
والوجود والذاكرة.
لم تكن
الرواية لدى الدليمي مجرد سرد للأحداث أو بناء للشخصيات، بل كانت مساحة للتفكير
والتأمل في أسئلة الوجود. فقد سعت في أعمالها إلى إدخال الفلسفة والعلم وأسئلة
الحضارة إلى النص الأدبي، فبدت كتاباتها وكأنها حوار بين الأدب والمعرفة الإنسانية
الواسعة.
ومن أبرز
أعمالها الروائية "سيدات زحل" و"من يرث الفردوس"، وهي أعمال
تقاطعت فيها مصائر الشخصيات مع التحولات العنيفة التي شهدها العراق خلال العقود
الأخيرة، حيث كانت المرأة في كتاباتها مركز التجربة الإنسانية، والكائن الذي يختبر
التاريخ على مستوى الروح والجسد معاً.
إلى جانب
إنتاجها السردي، أسهمت الدليمي في إثراء المكتبة العربية عبر عشرات الترجمات
لأعمال فكرية وأدبية مهمة. ولم تكن الترجمة بالنسبة لها مجرد نقل للنصوص، بل كانت
جسراً معرفياً يربط الثقافة العربية بأفق الفكر العالمي، إذ ترجمت أعمالاً لعدد من
المفكرين والعلماء، وسعت من خلالها إلى مزج الأدب بالعلم والفلسفة.
كما عُرفت
بكتاباتها الفكرية والنقدية، وباهتمامها بقضايا الحرية والمرأة والثقافة، وأسهمت
في تأسيس مؤسسات ثقافية تُعنى بالمرأة مثل منتدى المرأة الثقافي في بغداد ومركز
دراسات حرية المرأة.
بعد عام 2003
دخلت الدليمي تجربة المنفى التي عاشها كثير من المثقفين العراقيين، فغادرت بغداد
التي بقيت حاضرة في نصوصها بوصفها ذاكرة كاملة للحياة والثقافة. بالنسبة لها، لم
تكن بغداد مجرد مدينة، بل فضاءً روحياً يتشكل من اللغة والكتب والمقاهي وأصوات
الناس.
وفي مدن
المنفى، خاصة باريس ثم عمّان، ظلت تكتب عن تلك العلاقة المعقدة بين الإنسان
والمكان، وعن الحنين الذي لا ينقطع إلى المدينة الأولى، حيث ظل الوطن حاضراً في
كتاباتها كجرح وذاكرة في آن واحد.
كان المقربون
من الدليمي يرون فيها كاتبة متفرغة تماماً للكلمة، لا تسعى إلى الأضواء بقدر ما
تسعى إلى المعرفة. فقد عاشت حياتها وكأنها "راهبة في محراب الكتابة"،
كما وصفها بعض أصدقائها، تكتب وتترجم وتقرأ بلا توقف، مؤمنة بأن المعرفة هي الطريق
الأعمق لفهم العالم.
وقد تميزت
شخصيتها بثقافة موسوعية جعلتها تتجاوز حدود الأدب إلى الفلسفة والعلوم والآثار،
وهو ما انعكس بوضوح في أعمالها التي مزجت بين الخيال والمعرفة.
برحيل لطفية
الدليمي يفقد الأدب العربي واحدة من أبرز كاتباته وأكثرهن عمقاً، لكن أعمالها تبقى
شاهداً على مشروع ثقافي استثنائي حاول أن يمنح الرواية أفقاً معرفياً أوسع.
لقد كتبت عن
المدن والمنفى والنساء والتاريخ، لكنها في جوهر كتابتها كانت تبحث عن سؤال إنساني
واحد: كيف يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته وسط عالم مضطرب؟
ذلك السؤال
الذي رافقها طوال حياتها، سيظل أيضاً مفتاح قراءة إرثها الأدبي، وإحدى العلامات
المضيئة في تاريخ الثقافة العربية.
*****
الأسبوع
الأدبي الرابع في اتحاد أدباء العراق يحتفي بالثقافة التركمانية
جلسات شعرية
وسردية وفعاليات فنية تعكس تنوع المشهد الثقافي العراقي
تحرير وتصوير
غسان عادل
شهد مقر
الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ببغداد، أواخر شباط الماضي، انطلاق
فعاليات الأسبوع الأدبي الرابع، في تظاهرة ثقافية خصص الاتحاد يومها الأول
للاحتفاء بالثقافة التركمانية، وسط حضور لافت لنخبة من الأدباء والمثقفين
والمهتمين بالشأن الثقافي.
وفي مستهل
الفعاليات، أكد أمين الشؤون الثقافية في الاتحاد الشاعر منذر عبد الحر أن الثقافة
التركمانية تمثل أحد المكونات الأصيلة في المشهد الثقافي العراقي، مشيراً إلى
حضورها المؤثر في تشكيل الهوية الوطنية وتنوعها الثقافي.
من جانبه،
أوضح الأمين العام للاتحاد الشاعر عمر السراي في كلمته أن بلوغ الأسبوع الأدبي
دورته الرابعة يعكس رسوخ هذه التجربة الثقافية وتطورها، مؤكداً أن اختيار الثقافة
التركمانية للاحتفاء بها في افتتاح هذه الدورة يأتي تقديراً لدورها الفاعل في
إثراء الأدب العراقي وتعدد روافده الإبداعية.
تضمنت فعاليات
الفترة الصباحية جلسة قراءات شعرية أدارتها الإعلامية كلزار أبلا، شارك فيها
الشعراء: إيهان أوانقاي، نافع كومبتلي، مراد آغا، فلاح فتاح، عز الدين ده ده،
وآريان داوودي، حيث قدموا نصوصاً عكست تنوع التجربة الشعرية التركمانية وحضورها في
المشهد الأدبي العراقي.
كما شهدت
الجلسة الثانية، التي حملت عنوان "تجارب سردية تركمانية" وأدارها الناقد
الدكتور جاسم محمد جسام، مشاركة عدد من القاصين هم: الدكتور محمد عمر قزانجي، محمد
عبدالله أربيللي، وأحمد يعقوب.
وأشار جسام في
تقديمه للجلسة إلى الدور الذي لعبته الأمهات التركمانيات في حفظ الذاكرة الحكائية
للمجتمع، من خلال نقل القصص والحكايات الشعبية عبر الأجيال، والتي تضمنت حكايات
تاريخية وقصص حب وغزل شكّلت جزءاً مهماً من التراث الثقافي التركماني. كما لفت إلى
الدور الذي أدته مجلة "الإخاء" في بروز عدد من الكتّاب التركمان، من
بينهم محمد خورشيد داقوقلي ورشيد كاظم وموسى زكي مصطفى.
وتناول
القاصون المشاركون خلال الجلسة تاريخ القصة القصيرة وتطورها منذ نشأتها وحتى
اليوم، مستعرضين تحولات هذا الفن وأهم ملامح حضوره في الثقافة العراقية. واختُتمت
الجلسة بتوزيع نسخ من العدد الجديد من مجلة "الكاتب التركماني" الصادرة
حديثاً عن منشورات الاتحاد.
أما في الفترة
المسائية، فقد تنوعت الفعاليات بين جلسات أدبية وفقرة فنية ومسابقات شعرية، عكست
جميعها ثراء المشهد الثقافي العراقي وتعدد أشكاله التعبيرية.
وافتتح
الروائي الدكتور كريم صبح جلسة حملت عنوان "حكواتي رمضان: الأدب ورمضان
والمقاهي البغدادية"، حيث تناولت الجلسة إرث الحكواتي بوصفه أحد أبرز مظاهر
المجالس الثقافية في العصور العباسية، والذي ازدهر لاحقاً في العهد العثماني قبل
أن يتراجع تدريجياً خلال ستينيات القرن الماضي.
وفي السياق
ذاته، تحدث مدير مقهى رضا علوان السيد علاء رضا علوان عن تجربة المقهى الثقافية،
موضحاً أن فكرته استُلهمت من المقاهي الأدبية في بيروت، إذ بدأ كمقهى اعتيادي قبل
أن يتحول إلى فضاء ثقافي يحتضن الفعاليات الأدبية والفنية. وأضاف أن المقهى أطلق
منذ عام 2010 برنامجاً ثقافياً متكاملاً ما يزال مستمراً حتى اليوم، وأسهم في
تأسيس نادٍ ثقافي يجمع المهتمين بالأدب والفن.
كما استعرض
مدير مقهى الأسطورة السيد تحسين المياح تاريخ المقهى الذي أسسه الحاج معين الموصلي
عام 1963، مشيراً إلى أنه لم يُنشأ كمشروع ربحي بقدر ما كان فضاءً ثقافياً مفتوحاً
للطلبة والمثقفين، متمنياً عودة تقليد الحكواتي إلى المقاهي العراقية لإحياء هذا
التراث الشعبي.
وفي فقرة فنية
مميزة، قدمت فرقة "قره أوغلان" مجموعة من الأناشيد التراثية التركمانية
والعربية، التي لاقت تفاعلاً واضحاً من الجمهور وأضفت أجواء احتفالية على
الفعالية.
واختُتمت
فعاليات اليوم الأول بإقامة المسابقة الأدبية (المطاردة الشعرية) التي أدارها
الشاعر الدكتور حازم الشمري، بمشاركة عدد من الشعراء الذين تنافسوا في أجواء
إبداعية عكست روح التفاعل الثقافي وحيوية المشهد الأدبي.
وبهذا التنوع
في الفعاليات، أكد اليوم الأول من الأسبوع الأدبي الرابع قدرة الثقافة العراقية
على احتضان تعددها الإبداعي، وتعزيز الحوار بين مكوناتها الثقافية المختلفة، في
تظاهرة أدبية تجمع بين الشعر والسرد والتراث والفن.
*****
كنوز منسية تعود إلى الضوء..
كتاب جديد
يوثق إرث الدكتور صلاح خالص
سلوان اليوسف
– دجلة الخير
في خطوة
ثقافية لافتة، أصدرت دار توليب للنشر عام 2026 كتابًا جديدًا للقاص والصحفي سلام
القريني، يسلّط الضوء على تجربة الراحل الدكتور صلاح خالص، أحد أبرز أعلام الفكر
والنقد في العراق خلال القرن العشرين.
يقع الكتاب في
237 صفحة من القطع المتوسط، ويضم أكثر من عشرين دراسة ومقالة تتنوع موضوعاتها بين
المدرسة الواقعية في الأدب، والنقد العربي، وقضايا فكرية أخرى شكّلت جزءًا مهمًا
من الحراك الثقافي العراقي. وقد قدّم للكتاب الدكتور سعيد عدنان، في إشارة إلى
قيمته العلمية ومكانته ضمن المشاريع التوثيقية الجادة.
وفي حديث خاص
لمجلة دجلة الخير، أوضح القريني أن هذا العمل يمثل محاولة لإعادة إحياء إرث
الدكتور صلاح خالص (1925–1987)، الذي شغل موقع أول رئيس تحرير لمجلة "الثقافة
الجديدة" في بغداد، قبل أن يتولى رئاسة تحرير مجلة "الثقافة" حتى
وفاته. ويضيف أن الكتاب يضم دراسات لم تُجمع سابقًا في مؤلَّف واحد، رغم نشرها على
مدى عقود في مجلات رصينة مثل "الثقافة"، و"الثقافة الجديدة"،
و"المثقف الجامعي"، و"المعلم الجديد"، خلال الفترة الممتدة من
عام 1953 حتى 1984.
ويشير القريني
إلى أن هذا الإصدار يُعد الرابع ضمن مشروعه لتوثيق أعمال مفكرين ماركسيين لم تُجمع
كتابيًا من قبل، من بينهم الدكتور هاشم الطعان والدكتور حسين قاسم العزيز، مؤكدًا
أن هذا الجهد يأتي ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى إعادة الاعتبار لشخصيات فكرية أسهمت
بعمق في تشكيل الوعي الثقافي العراقي، من خلال دراسات تناولت التراث والبنى
الاجتماعية بمنهج علمي جدلي.
ويمثّل
الدكتور صلاح خالص، بحسب القريني، شخصية وطنية وأكاديمية بارزة تركت أثرًا واضحًا
في المشهد الثقافي العراقي، حيث نُشرت كتاباته في أهم المجلات الثقافية، من دون أن
تُجمع في كتاب واحد طوال حياته. واليوم، تأتي هذه المبادرة لتفتح نافذة جديدة أمام
الأجيال الشابة للاطلاع على هذا الإرث الغني، وفهم حجم العطاء الفكري الذي احتوته
تلك النصوص.
ويتوزع محتوى
الكتاب بين موضوعات متعددة، تمتد من النقد العربي القديم والحديث إلى التاريخ،
مرورًا بقضايا اجتماعية وسياسية، ما يعكس تنوع اهتمامات خالص وعمق حضوره في مختلف
مجالات الفكر.
هكذا، لا
يقدّم الكتاب مجرد جمع لمقالات متناثرة، بل يعيد تشكيل ذاكرة ثقافية، ويضع بين يدي
القارئ العراقي والعربي إرثًا كان مهددًا بالنسيان، ليعود اليوم بوصفه شاهدًا على
مرحلة غنية من تاريخ الثقافة العراقية.
*****
العراق بين الدولة واللادولة:
لحظة اختبار حاسمة
نوري حمدان
في لحظة
إقليمية مشحونة بالتوتر، يجد العراق نفسه مجددًا عند تقاطع الأزمات، حيث تتداخل
خطوط السياسة مع ميادين الأمن، وتتقاطع حسابات الداخل مع ضغوط الخارج، في مشهد
يعكس عمق الاختلال في بنية الدولة أكثر مما يعكس مجرد أزمة عابرة.
فبينما تعلن
الحكومة سعيها لإبقاء البلاد خارج دائرة الصراع الإقليمي عبر تنسيق أمني مع
الولايات المتحدة، تتواصل الضربات الجوية وحوادث الطائرات المسيّرة في أكثر من
محافظة، في دلالة واضحة على هشاشة السيطرة الأمنية وتعدد مراكز القرار داخل الدولة
الواحدة.
هذا التناقض
الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني ليس جديدًا، لكنه اليوم يبدو أكثر
حدّة، في ظل تصاعد دور الفصائل المسلحة التي ما تزال تتصرف خارج الأطر الدستورية،
وتحتفظ لنفسها بقرار الحرب والسلم، الأمر الذي حذّر منه رئيس مجلس القضاء الأعلى،
معتبرًا أنه تهديد مباشر لسيادة الدولة وتقويض للنظام الديمقراطي.
لكن الأزمة لا
تقف عند حدود الأمن، بل تمتد إلى عمق العملية السياسية، حيث يستمر الانسداد في
تشكيل الحكومة، ويتعثر انتخاب رئيس الجمهورية، في وقت تتطلب فيه المرحلة وجود سلطة
تنفيذية كاملة الصلاحيات قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة.
في هذا
السياق، يبرز صراع داخل "الإطار التنسيقي" بين اتجاهين: أحدهما يسعى
لإعادة إنتاج تجربة محمد شياع السوداني عبر ترتيبات سياسية هادئة، والآخر يتمسك
بعودة نوري المالكي، ما يعكس انقسامًا حادًا داخل البيت السياسي الشيعي نفسه.
هذا الانقسام
لا يُقرأ فقط بوصفه تنافسًا على السلطة، بل بوصفه صراعًا على شكل الدولة المقبلة:
هل ستكون دولة مؤسسات تحتكر القرار السيادي، أم ساحة مفتوحة لتوازنات القوى
المسلحة والتحالفات الظلية؟
الأخطر في هذا
المشهد هو تزامن الانسداد السياسي مع تصعيد أمني متواصل، ما يضع البلاد أمام
معادلة خطيرة: دولة عاجزة عن استكمال استحقاقاتها الدستورية، وميدان مفتوح لقوى
تتصرف خارج إرادة الدولة، في ظل بيئة إقليمية قابلة للاشتعال في أي لحظة.
لقد أثبتت
التجربة منذ 2003 أن المشكلة في العراق ليست نقصًا في النصوص أو الأدوات، بل في
طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوازنات الهشة، والذي لم يتمكن حتى
اليوم من إنتاج قرار سيادي مستقل أو بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون.
وفي ظل هذا
الواقع، يصبح الحديث عن الإصلاح من دون معالجة الجذور البنيوية مجرد تكرار لشعارات
استهلكها الزمن. فالمطلوب اليوم ليس فقط تشكيل حكومة جديدة، بل إعادة تعريف
العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين المؤسسات والقوى السياسية، على أساس واضح لا
يقبل الازدواجية.
إن العراق يقف
اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: إما أن ينتقل إلى مرحلة ترسيخ الدولة، حيث يحتكر
القانون والسلاح والقرار السيادي، أو يستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من
الأزمات، تتبدل عناوينها وتبقى أسبابها.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تمتلك القوى السياسية الشجاعة الكافية للخروج من منطق المحاصصة نحو منطق الدولة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق