يتناول
التقرير تطورات ملف ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت بعد إيداع بغداد
خرائطها لدى الأمم المتحدة، وما أثاره ذلك من ردود فعل سياسية وشعبية. ويحلل
الأبعاد القانونية للإجراء، وإمكانات الاعتراض، وانعكاساته على ملف خور عبد الله
وحقل الدرة، في سياق اختبار جديد لمسار العلاقات بين البلدين.
بين خرائط
البحر وذاكرة البرّ
هل يعيد ترسيم الحدود اختبار نضج العلاقة العراقية – الكويتية؟
لم تكد
العلاقات العراقية – الكويتية تستقر نسبيًا على إيقاع "التنافس
المنضبط"، حتى أعادت التطورات الأخيرة في ملف ترسيم الحدود البحرية إحياء
حساسية قديمة بصيغة جديدة. فقد أقدمت بغداد على إيداع خرائطها البحرية وخطوط
الأساس لدى الأمم المتحدة، في خطوة وصفتها بأنها إجراء سيادي يتسق مع القانون
الدولي، ويوازي خطوة كانت الكويت قد سبقتها إليها عام 2014.
وزير الخارجية
العراقي فؤاد حسين أوضح أن الكويت أودعت خرائطها البحرية آنذاك من دون تشاور مع
العراق، مؤكدًا أن بغداد تلتزم بالقرارات الأممية والاتفاقات الثنائية ذات الصلة،
وتؤمن بحل الإشكالات عبر الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها
الداخلية. خطابٌ حاول أن يؤطر المسألة ضمن سياق قانوني بحت، بعيدًا عن أي تصعيد
سياسي.
غير أن ردود
الفعل في الداخلين العراقي والكويتي كشفت أن الملف يتجاوز طابعه الإجرائي إلى بُعد
رمزي يمسّ الذاكرة السيادية والهوية الوطنية. ففي العراق، برزت أصوات ترى في
الخطوة تصحيحًا لمسار تفاوضي سابق، بينما عبّرت الكويت عن تحفظها، معتبرة أن أي
تحرك أحادي قد يخلّ بتوازن التفاهمات القائمة.
لفهم أبعاد
الخطوة العراقية، لا بد من التمييز بين "الإيداع" و"الحكم
القضائي". ما قامت به بغداد هو تسجيل رسمي لموقفها الحدودي، وفق قواعد
اتفاقية قانون البحار، وليس قرارًا ملزمًا للدول الأخرى. وبحسب مختصين في القانون
الدولي، فإن أي دولة متضررة، ومن بينها الكويت، تملك حق الاعتراض عبر مذكرة رسمية
تُودَع لدى الأمم المتحدة، تعلن فيها عدم اعترافها بالإحداثيات المقدمة. وعندها
تُسجَّل المنطقة بوصفها "منطقة متنازعًا عليها"، من دون إلغاء الوثائق
العراقية.
النقطة
الجوهرية هنا أن لا جهة دولية تملك سلطة شطب خرائط أودعتها دولة ذات سيادة من طرف
واحد، إلا في حالتين: اتفاق ثنائي جديد يعيد ترسيم الحدود نهائيًا، أو صدور حكم
ملزم من جهة مختصة مثل محكمة العدل الدولية، شريطة قبول الطرفين بالاختصاص.
من منظور
قانوني بحت، تمثل الخطوة العراقية انتقالًا من موقع الدفاع إلى موقع تثبيت الموقف.
فبعد أن كان الملف يُدار في إطار تفاوضي ضبابي، بات للعراق خط أساس وإحداثيات
مودعة رسميًا، ما ينقل عبء الطعن القانوني إلى الطرف المعترض.
يتقاطع هذا
التطور مع أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين، وهو الخلاف حول خور عبد الله،
الذي لا يحمل أبعادًا فنية فحسب، بل يتصل مباشرة بمفاهيم السيادة والهوية الوطنية
في الوعي الجمعي للطرفين.
كما تزداد
أهمية الإيداع في ضوء التقاطع مع منطقة حقل الدرة، إذ يمنح العراق سندًا قانونيًا
لإثبات وجود مصالح سيادية في المياه المؤدية إليه أو المتداخلة معه، ويحول من دون
تجاهل موقعه في أي ترتيبات استثمارية مستقبلية محتملة.
ولفهم دلالة
اللحظة الراهنة، ينبغي العودة إلى السياق الأوسع للعلاقة بين البلدين. فلم تكن
العلاقات العراقية – الكويتية، طوال عقود، مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تاريخًا
مثقلًا بالشكوك والصدامات التي بلغت ذروتها عام 1990. غير أن ما بعد 2003 مثّل
نقطة انعطاف مفصلية، إذ بدأت العلاقة رحلة بطيئة من القطيعة إلى الحوار.
بسقوط نظام
صدام حسين، انهار أحد أعمدة التهديد المباشر الذي ظلّ يؤرق الكويت، فيما وجد
العراق نفسه أمام ضرورة إعادة تعريف موقعه الإقليمي عبر الالتزام بالقانون الدولي
وبناء علاقات حسن جوار. هكذا بدأ مسار جديد، تُرجم بإعادة فتح السفارات، وتكثيف
الزيارات الرسمية، وتسوية ملفات شائكة، كان أبرزها إغلاق ملف تعويضات حرب 1990 عام
2022، في خطوة اعتُبرت لحظة رمزية فارقة في طي صفحة من الماضي.
اقتصاديًا
وأمنيًا، توسّع التبادل التجاري، وشاركت الكويت في دعم جهود إعادة إعمار العراق،
فيما تطورت أشكال التنسيق الأمني بما يخدم استقرار المنطقة. كل ذلك رسم ملامح
علاقة أقرب إلى الشراكة الحذرة منها إلى الخصومة المفتوحة.
السؤال اليوم
ليس ما إذا كان الخلاف قائمًا، فذلك أمر طبيعي بين الدول، بل كيف يُدار هذا
الخلاف. الفارق الجوهري بين الأمس واليوم أن النزاع يُطرح تحت سقف المؤسسات
الدولية، لا في فضاء القطيعة أو الاستقطاب الحاد. وهذا بحد ذاته مؤشر تحوّل مهم في
طبيعة العلاقة.
التحدي
الحقيقي لا يكمن في الخرائط ذاتها، بل في إدارة تداعياتها السياسية والإعلامية.
فإذا نجح الطرفان في إعادة الملف إلى طاولة التفاوض الهادئ، فإن ذلك سيعزز فرضية
أن العلاقة انتقلت فعلًا من مرحلة العداء البنيوي إلى مرحلة إدارة المصالح
المتبادلة.
اللحظة
الراهنة ليست لحظة حسم، بل لحظة احتمال. فإما أن تتحول هذه الأزمة إلى محطة تثبيت
جديدة لمسار قانوني ناضج، أو تعود الملفات العالقة لإعادة إنتاج أنماط الشك
القديمة.
لكن المؤكد أن
مستقبل العلاقة العراقية – الكويتية لن يُحسم بالقوة، بل بقدرة الطرفين على إدارة
الذاكرة الثقيلة، وترجمة القانون إلى أداة توازن لا ساحة صراع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق