الثلاثاء، 3 مارس 2026

الرئيسية بغداد بين ضغوط الخارج وارتباك الداخل: اختبار السيادة في لحظة الانسداد الدستوري

بغداد بين ضغوط الخارج وارتباك الداخل: اختبار السيادة في لحظة الانسداد الدستوري

يرصد التقرير تعقيدات الانسداد الدستوري في العراق وسط تصاعد الضغوط الأميركية والإيرانية، ويحلل صراع ترشيح رئاسة الحكومة، ومأزق السيادة، واختبار قدرة بغداد على إنتاج تسوية وطنية مستقلة.

 


بغداد بين ضغوط الخارج وارتباك الداخل: اختبار السيادة في لحظة الانسداد الدستوري

دجلة الخير - بغداد

يقف العراق مجدداً أمام منعطف سياسي دقيق، تتقاطع فيه تعقيدات الانسداد الدستوري مع تصاعد التوتر الإقليمي، لتعود إلى الواجهة معضلة القرار الوطني وحدود تأثير الخارج في تشكيل ملامح السلطة في بغداد. فالتطورات الأخيرة، التي بدأت بإشارات سياسية أميركية رافضة لترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وترافقت مع حراك دبلوماسي مكثف، كشفت هشاشة التوازنات داخل "الإطار التنسيقي"، وأعادت طرح السؤال المحوري: من يمتلك حق ترجيح كفة رئاسة الحكومة في هذه المرحلة الحساسة؟

لم تكن المواقف الأميركية المعلنة تجاه بعض الأسماء المطروحة لتشكيل الحكومة حدثاً عابراً، بل تحولت إلى عنصر ضغط مباشر أربك حسابات التحالفات الشيعية، وفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، أبرزها احتمال تراجع المالكي لصالح تجديد الولاية لمحمد شياع السوداني بشروط سياسية مختلفة. وبين هذين الخيارين، تتحرك القوى السنية والكردية ضمن هامش محدود تحكمه اعتبارات التوازن الإقليمي وضمانات الاستقرار الداخلي.

منذ الانتخابات الأخيرة، تعهدت قوى الإطار التنسيقي بتشكيل حكومة سريعة، إلا أن الخلافات سرعان ما ظهرت إلى العلن، وتحولت إلى تجاذبات غير مسبوقة داخل البيت السياسي الواحد. المالكي، الذي رأى في اللحظة الراهنة فرصة للعودة إلى رئاسة الوزراء، يواجه معادلة إقليمية مختلفة عمّا كانت عليه في دورات سابقة، حيث بات الموقف الأميركي أكثر وضوحاً في التحفظ على الشخصيات التي تُصنف ضمن الدائرة الأقرب إلى طهران، خصوصاً في ظل احتدام التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

في المقابل، يُنظر إلى السوداني من قبل أطراف دولية باعتباره شخصية أكثر قدرة على إدارة توازن العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وضبط إيقاع الاحتكاك مع واشنطن، في مرحلة تتسم بحساسية أمنية عالية. غير أن هذا التوصيف لا يلغي حقيقة أن أي مرشح سيبقى أسير معادلة داخلية معقدة، تحكمها حسابات النفوذ، وتوازنات القوى داخل البرلمان، ومواقف الفاعلين الإقليميين.

تتداول الأوساط السياسية مسارين محتملين: إما انسحاب تدريجي للدعم من المالكي لإقناعه بالتراجع حفاظاً على موقعه الرمزي داخل التحالف، أو المضي بتكليفه رسمياً استناداً إلى المادة 76 من الدستور، مع ترك مهلة التشكيل تتحول إلى مخرج قانوني إذا تعذر تمرير الحكومة. في كلا السيناريوهين، يبدو أن الأزمة لا تتعلق باسم بعينه بقدر ما تعكس عمق الانقسام داخل التحالف الحاكم.

في هذا السياق، تبرز إشكالية السيادة بوصفها جوهر المأزق الراهن. فالتدخلات الخارجية، سواء عبر التصريحات السياسية أو عبر أدوات الضغط المالي والأمني، تجد بيئة قابلة للتأثر في ظل غياب تسوية وطنية جامعة. وبينما تشدد واشنطن على ضرورة ضبط ملف الفصائل المسلحة ومنع انزلاق العراق إلى محور صدامي، ترى قوى داخل الإطار أن أي مقاربة خارجية لهذا الملف تمس جوهر الاستقلال الوطني. وهنا يتجدد السؤال المزمن: هل يمكن بناء دولة ذات قرار أمني موحد في ظل ازدواجية السلاح وتداخل الولاءات؟

إن الأزمة الحالية لا تنفصل عن السياق الإقليمي المتوتر. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي، يتأثر مباشرة بأي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. وكلما ارتفعت حدة المواجهة بين الطرفين، تقلص هامش المناورة أمام بغداد، وازدادت الضغوط لاختيار تموضع واضح، في وقت يحتاج فيه البلد إلى قدر أعلى من التوازن للحفاظ على استقراره الاقتصادي والأمني.

في الداخل، تتباين مواقف القوى الكردية والسنية بين دعم مشروط وانتظار لما ستسفر عنه مداولات الإطار التنسيقي. الجميع يدرك أن أي حكومة لا تحظى بقبول إقليمي ودولي نسبي ستواجه تحديات كبيرة في إدارة الاقتصاد، خصوصاً في ظل ارتباط العراق بالنظام المالي العالمي وتعقيدات سوق الطاقة. كما أن استمرار الشلل الدستوري يفاقم من تآكل الثقة الشعبية في النظام السياسي، ويعزز شعوراً عاماً بأن الصراع يدور حول تقاسم السلطة أكثر مما يدور حول بناء الدولة.

المبادرات المدنية والتحذيرات الصادرة عن بعض النخب السياسية تعكس اتجاهاً متنامياً يرفض تحويل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، ويطالب بإعادة تعريف الأولويات بعيداً عن منطق المحاصصة والسلاح السياسي. فالأزمة لم تعد مجرد خلاف على رئاسة الحكومة، بل باتت تمس طبيعة النظام السياسي ذاته، وقدرته على إنتاج تسوية داخلية مستقلة نسبياً عن إرادات الخارج.

في المحصلة، يقف العراق أمام اختبار مزدوج: اختبار القدرة على تجاوز الانسداد الدستوري ضمن أطر دستورية واضحة، واختبار إعادة ترميم مفهوم السيادة في ظل بيئة إقليمية مضطربة. فسواء انتهت المشاورات بولاية ثانية للسوداني، أو بمرشح توافقي جديد، فإن جوهر الإشكال سيبقى قائماً ما لم تُحسم ملفات أعمق تتعلق بإدارة السلاح، ومكافحة الفساد، وإصلاح بنية الحكم، واستعادة ثقة الشارع.

بغداد اليوم ليست أمام مفاضلة بين شخصين فحسب، بل أمام سؤال مصيري يتعلق بقدرتها على الانتقال من ساحة تتقاطع فوقها الرسائل الدولية إلى دولة تملك قرارها وتدير توازناتها بوعي واستقلال. وبين ضغوط الخارج وتعثر الداخل، يتحدد مستقبل العملية السياسية، لا في تغريدة عابرة ولا في زيارة دبلوماسية، بل في مدى نضج الإرادة الوطنية لإعادة بناء معادلة الحكم من داخلها.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.