قصة ترصد أثر
إجراءات التقشف على الموظف العراقي، بعد إلغاء المخصصات وارتفاع المعيشة، كاشفة
اختلال نظام الرواتب واتساع فجوة العدالة الوظيفية وأزمة الثقة بالإصلاح
الاقتصادي.
التقشف على
حساب الموظف: حين تضيق الرواتب وتتسع الفجوة
في صباحات
بغداد المكتظة، لم يعد الموظف الحكومي يبدأ يومه بالسؤال عن واجباته الوظيفية بقدر
ما يبدأه بحسابات المعيشة: كم تبقّى من الراتب؟ ما الذي يمكن تأجيله هذا الشهر؟
وأيّ فاتورة ستُدفع على حساب أخرى؟
هذه الأسئلة
لم تعد فردية، بل تحوّلت إلى همٍّ جماعي بعد القرارات الأخيرة التي اتخذتها حكومة
تصريف الأعمال، والتي وصفتها شرائح واسعة من المجتمع بأنها إجراءات تقشفية قاسية
طالت الفئات الأقل قدرة على الاحتمال.
آخر هذه
القرارات كان إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية وحملة الشهادات العليا في القطاع
العام، وهو إجراء فجّر موجة احتجاجات ووقفات سلمية، خصوصًا في مؤسسات التعليم
العالي. لم يكن الاعتراض محصورًا بالقيمة المالية للمخصصات، بل بما يحمله القرار
من دلالات رمزية تمس مكانة المعرفة والكفاءة في بلد يئن أصلًا تحت وطأة الأزمات.
يقول أحد
الموظفين المحتجين، وهو يحمل شهادة ماجستير ويعمل منذ أكثر من عشرة أعوام في إحدى
الجامعات الحكومية: "لسنا نطلب امتيازات، نريد فقط أن نعيش بكرامة. الشهادة
لم تعد قيمة مضافة، بل عبئًا لا تعترف به الدولة".
تأتي هذه
الاحتجاجات في وقت يشهد فيه العراق ارتفاعًا متواصلًا في أسعار السلع الأساسية،
وتكاليف الصحة والكهرباء والتعليم، مقابل دخول ثابتة أو متراجعة. ومع غياب سياسات
حماية اجتماعية فعّالة، تحوّل التقشف من أداة مالية إلى ضغط يومي مباشر على حياة
الناس.
في المقابل،
يطرح كثيرون سؤالًا لافتًا: لماذا لم تعترض وزارات أخرى على القرار نفسه؟ الإجابة،
وفق موظفين وخبراء، تكمن في واقع أكثر قسوة. فهناك وزارات تعيش منذ سنوات بلا
مخصصات حقيقية أو حوافز، ويعمل موظفوها برواتب لا تكفي لسدّ أساسيات العيش. في هذه
المؤسسات، لم يكن هناك ما يُلغى أصلًا، ما جعل الصمت خيارًا اضطراريًا لا موقفًا
سياسيًا.
أحد الموظفين
في وزارة خدمية يختصر المشهد قائلًا: "نحن تحت خط الفقر منذ سنوات. عندما
أُلغيَت المخصصات في وزارات أخرى، لم نحتج لأننا لم نعرفها يومًا".
هذا الواقع
يكشف خللًا أعمق من قرار واحد، خللًا في بنية نظام الرواتب ذاته، الذي يقوم على
تفاوتات حادة بين وزارة وأخرى، ودرجة وظيفية وأخرى، حتى باتت العدالة الوظيفية
مطلبًا مؤجلًا باستمرار.
سياسيًا،
قوبلت الإجراءات برفض واضح من قوى مدنية ونقابية، اعتبرت أن تحميل الموظفين تبعات
العجز المالي لا يمكن أن يُسمّى إصلاحًا اقتصاديًا. وأشارت هذه الأطراف إلى أن
تقليص النفقات يجب أن يبدأ من الامتيازات العالية والمخصصات غير الضرورية في
المناصب العليا، لا من رواتب الموظفين الذين يشكّلون العمود الفقري للدولة. كما
حذّرت بيانات سياسية من محاولة تسييس الاحتجاجات أو استغلالها في صراعات تشكيل
الحكومات، مؤكدة أن المطالب المطروحة هي مطالب معيشية مشروعة، لا أدوات تفاوض.
إن ما يعيشه
الموظف العراقي اليوم ليس أزمة مخصصات فحسب، بل أزمة ثقة، في عدالة النظام
الوظيفي، وفي جدّية الحديث عن الإصلاح، وفي قدرة الدولة على حماية مواطنيها لا
الضغط عليهم. وبين راتب لا يكفي، وقرارات توصف بالارتجالية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن معالجة الأزمة الاقتصادية من دون المساس بقوت الناس؟ أم أن التقشف، كما
يُمارَس اليوم، سيبقى عنوانًا لمرحلة تُدار فيها الأزمات على حساب الأضعف؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق