يناقش المقال مفارقة ارتفاع الإيرادات والأرقام الاقتصادية في العراق مقابل ثبات معيشة الناس، منتقداً اقتصاد الاستيراد والاعتماد النفطي، ومشدداً على تحويل الأرقام إلى وظائف وخدمات واستقرار ملموس فعلي للناس يومي.
حين ترتفع الأرقام.. ولا ترتفع حياة الناس
نوري حمدان
في العراق، لا مشكلة في الأرقام.
الأرقام تتحرك، تصعد، وتُعلن بثقة. الواردات ترتفع، الاجتماعات تُعقد، الإصلاحات تُناقش، أسعار النفط تتقلب، والذهب يسجل أرقاماً قياسية. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين نخرج من نشرات الأخبار إلى الشارع، من لغة البيانات إلى لغة الناس.
سبعة عشر مليار دولار واردات في ثلاثة أشهر، رقم ليس صغيراً. آلات، معدات، منتجات مصنّعة، وقود، ومواد كيميائية. لكن السؤال الذي لا يظهر في بيانات هو: كم من هذه المليارات تحوّل إلى فرصة عمل؟ كم منها خفّف كلفة معيشة؟ وكم منها أعاد شيئاً من الثقة للمواطن البسيط؟
الاقتصاد العراقي ما يزال اقتصاد استيراد بامتياز. نشتري أكثر مما ننتج، ونستهلك أكثر مما نصنع، ثم نتساءل لماذا لا يستقر السوق ولماذا تبقى الوظيفة حلماً مؤجلاً لآلاف الخريجين. الاستيراد بحد ذاته ليس خطيئة، لكنه يتحول إلى عبء حين يكون بديلاً دائماً عن الإنتاج، لا جسراً مؤقتاً نحوه.
في المقابل، تتحدث الحكومة، عبر وزارة المالية، عن إصلاحات هيكلية، وتنويع مصادر الدخل، وتقليص الهيمنة النفطية. كلام صحيح من حيث المبدأ، بل ومطلوب منذ سنوات. لكن التجربة العراقية علمت الناس أن الفجوة بين النية والنتيجة هي أخطر ما في الاقتصاد. المواطن لا يقيس الإصلاح بعدد اللقاءات مع المؤسسات الدولية، بل بعدد الأيام التي يستطيع فيها أن يدبّر راتبه حتى نهاية الشهر.
أما الخريجون، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. ربط التوظيف بالموازنة مفهوم منطقياً، لكن الواقع يقول إن جيلاً كاملاً يعيش على وعود "موازنة قادمة" و"استمارة ستُطلق"، بينما سوق العمل الخاص ما يزال هشاً، غير جاذب، ولا يوفر الأمان الوظيفي الذي يدفع الشاب للمغامرة خارج التوظيف الحكومي.
ثم نعود إلى النفط. أسعاره ترتفع مع التوترات، وتنخفض مع التصريحات، وتبقى الموازنة العراقية معلقة على مزاج السوق العالمي. أي اضطراب سياسي في المنطقة ينعكس فوراً على الأرقام، لكن انعكاسه على معيشة الناس يأتي دائماً بشكل واحد: قلق، خوف، وترقب. لا أحد يحتفل بارتفاع النفط لأنه يعرف أن الارتفاع لا يعني بالضرورة تحسناً في الخدمات أو انخفاضاً في الأسعار.
وإذا كان الذهب قد قفز إلى مستويات تاريخية، فذلك خبر جيد لمن يملك فائضاً ليحفظه، لا لمن يبحث عن قوت يومه. الاقتصاد العالمي يعيد ترتيب أوراقه، بينما المواطن العراقي ما يزال ينتظر أن يرى نفسه ضمن هذه الحسابات.
الخلاصة بسيطة، وربما موجعة: الاقتصاد لا يُقاس بنجاحه في التقارير، بل بقدرته على تخفيف ثقل الحياة عن الناس. وما لم تتحول هذه الأرقام إلى وظائف، وخدمات، واستقرار معيشي ملموس، فستبقى مجرد أرقام جميلة.. لا تعني شيئاً على مائدة المواطن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق