الأحد، 1 فبراير 2026

الرئيسية العراق يعيد تعريف التنمية: المواطنة بوصفها مفتاح العقد الاجتماعي الجديد

العراق يعيد تعريف التنمية: المواطنة بوصفها مفتاح العقد الاجتماعي الجديد

تقرير التنمية البشرية في العراق 2025 يضع المواطنة محوراً للتنمية، موثقاً تحسناً في المؤشرات، مع الدعوة لعقد اجتماعي جديد يعالج التفاوتات، ويمكّن الإنسان بوصفه غاية التنمية.

العراق يعيد تعريف التنمية: المواطنة بوصفها مفتاح العقد الاجتماعي الجديد

علي تحسين الحياني

بعد سنواتٍ طويلة من الأزمات والحروب والانقطاعات التنموية، يطلّ التقرير الوطني للتنمية البشرية في العراق 2025 بوصفه وثيقة مفصلية تحاول الإمساك بلحظة التحول التي يمرّ بها البلد، واضعًا المواطنة في قلب النقاش التنموي، لا كعنوان نظري، بل كمدخل عملي لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبناء عقد اجتماعي جديد يستجيب لتحديات ما بعد الإرهاب.

التقرير، الذي أُنجز على مدى عامين من العمل البحثي والإحصائي المتواصل، هو الثالث في تاريخ العراق بعد تقريري عامي 2008 و2014، ويستند إلى أحدث قواعد البيانات الوطنية، وفي مقدمتها نتائج التعداد العام للسكان 2024، والمسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، إلى جانب مصادر إحصائية رسمية أخرى. ويقع في نحو 260 صفحة، تنقّل عبرها بين التحليل الكمي لمؤشرات التنمية البشرية، والمعالجة الفكرية العميقة لمفاهيم المواطنة والعقد الاجتماعي في السياق العراقي.

ينطلق التقرير من قراءة دقيقة للمرحلة الممتدة بين عامي 2010 و2017، وهي السنوات التي شهد فيها العراق صدمة كبرى تمثلت باحتلال التنظيمات الإرهابية لمساحات واسعة من أراضيه، وما رافق ذلك من تفكك اجتماعي، ونزوح واسع، وتراجع في مؤشرات التنمية. ويرى التقرير أن تلك المرحلة كشفت هشاشة العقد الاجتماعي القائم، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول الحقوق والواجبات، ودور الدولة، وحدود المشاركة والمساءلة.

وفي هذا السياق، جاء اختيار "المواطنة" محورًا رئيسيًا للتقرير، بوصفها الإطار الجامع القادر على ترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإعادة بناء الشعور بالانتماء، وتحويل الفرد من متلقٍ للخدمات إلى شريك في صياغة السياسات العامة. ولا يتعامل التقرير مع المواطنة باعتبارها رابطة قانونية فحسب، بل يقدّمها بوصفها ممارسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يومية، تقوم على المساواة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، وربط الحقوق بالواجبات في بيئة مؤسسية خاضعة للمساءلة.

على المستوى الكمي، يسجّل التقرير تحولًا لافتًا بدخول العراق لأول مرة في تاريخه ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية، بعد أن بلغ دليل التنمية البشرية 0.712 وفق مؤشرات عام 2024، مقارنة بـ0.623 عام 2008، وهو ما يمثل قفزة نوعية قياسًا بالمسار التاريخي للتنمية في البلاد. ورغم أن هذا الرقم لا يزال دون المتوسط العالمي، إلا أنه يتجاوز المتوسط العربي، ويضع العراق في موقع متوسط بين الدول العربية.

ويعكس هذا التحسن تطورًا ملموسًا في أبعاد الدليل الثلاثة؛ إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة إلى 74 عامًا نتيجة تحسن المؤشرات الصحية وانخفاض معدلات الوفيات، ولا سيما وفيات الأطفال. كما تحسنت مؤشرات التعليم، سواء من حيث متوسط سنوات الدراسة أو سنوات الدراسة المتوقعة، بالتزامن مع تراجع معدلات التسرب. أما على مستوى الدخل، فقد قُدّر نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي المعدل بالقوة الشرائية بنحو 9092 دولارًا، مدفوعًا بتحسن أسعار النفط.

غير أن التقرير لا يكتفي بعرض المؤشرات الإيجابية، بل يتوقف عند التفاوتات العميقة داخل البلاد، سواء بين المحافظات أو بين الفئات الاجتماعية. ويشير بوضوح إلى أن محافظتي المثنى وميسان لا تزالان في أدنى سلم التنمية البشرية، كما يبيّن أن عدم المساواة يؤدي إلى فقدان يقارب 23% من قيمة التنمية البشرية عند احتساب آثاره، ما يعني أن التحسن العام لا يزال هشًا وغير متوازن.

ويولي التقرير اهتمامًا خاصًا بقضية تمكين المرأة، حيث يقدّر دليل تمكينها بـ0.882، مع وجود فجوة واضحة مقارنة بالرجال، ولا سيما في بُعدي التعليم والدخل. ويرى أن هذه الفجوة لا تمثل قضية اجتماعية فقط، بل تشكّل عائقًا تنمويًا مباشرًا، يحدّ من استثمار رأس المال البشري ويؤثر في النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

أما الإضافة الأبرز في تقرير 2025، فتتمثل في إطلاق مبادرة هي الأولى من نوعها دوليًا لقياس المواطنة والعقد الاجتماعي بأدلة رقمية، استنادًا إلى استطلاعات رأي وتحليل نوعي معمّق. وقد أظهرت نتائج هذه المبادرة ميلًا واضحًا لدى العراقيين نحو نموذج عقد اجتماعي جديد، يقوم على الشراكة والمساءلة والتفاعل المتوازن بين الدولة والمجتمع، مقابل تراجع جاذبية النموذج التقليدي القائم على الامتثال مقابل الحماية.

ويختتم التقرير برؤية استشرافية تؤكد أن بلوغ العراق مصاف الدول ذات التنمية البشرية العالية جدًا بحلول عام 2035 ليس هدفًا بعيد المنال، لكنه مشروط بخيارات سياسية واقتصادية واضحة، في مقدمتها الاستثمار في التعليم، وتقليص الفجوات المكانية، وتمكين المرأة، وتوسيع الفضاء المدني، وربط التنمية الاقتصادية ببناء الإنسان بوصفه غايتها الأساسية.

بهذا المعنى، لا يقدم التقرير الوطني للتنمية البشرية 2025 مجرد عرض للأرقام والمؤشرات، بل يطرح سردية جديدة للتنمية في العراق، سردية ترى في المواطنة حجر الزاوية، وفي العقد الاجتماعي العادل الطريق الأضمن لتحويل التعافي إلى تنمية مستدامة، والدولة إلى شريك حقيقي لمواطنيها، لا وصيًا عليهم.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.