مجلة دجلة الخير العدد 5 كانون الثاني 2026


مجلة دجلة الخير


مجلة شهرية عامة، تُدار من قبل نخبة من الصحافيين المتطوعين، وتسعى إلى تقديم محتوى إعلامي مهني يقوم على المصداقية والدقة في نقل الحقيقة.

تلتزم المجلة بأخلاقيات المهنة الصحافية وفق مواثيق العمل الصحافي العالمية، وتضع احترام القارئ وحقه في المعرفة في مقدمة أولوياتها.

تتمتع دجلة الخير باستقلالية تامة، ولا تنتمي إلى أي جهة سياسية أو حزب، ما يمنحها حرية الطرح وموضوعية التناول.

تهدف المجلة إلى دعم القيم الإنسانية والحريات العامة، وترفض التطرف بجميع أشكاله، وتعمل على تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح في المجتمع.


هيئة التحرير

د. حسين محمد الفيحان

علي تحسين الحياني

انس الشمري

محمد بغدادي

نوري حمدان


للتواصل معنا

mdkpress@gmail.com




افتتاحية العدد الخامس


بعد توقّفٍ اضطراري فرضته ظروف ذاتية خارجة عن سياق العمل التحريري، تعود مجلة دجلة الخير إلى قرّائها مع عددها الخامس، مستأنفة مشروعها الثقافي-الصحفي الذي انطلق منذ العدد الأول بوصفه مساحةً للقراءة الهادئة، والتحليل العميق، والاقتراب المسؤول من هموم المجتمع وأسئلته المفتوحة.

لم يكن التوقف بعد صدور العدد الرابع في كانون الثاني 2024 خيارًا مريحًا، ولا قرارًا سهلاً، لكنه جاء في إطار مراجعة داخلية ضرورية، هدفت إلى إعادة تنظيم العمل، وتقييم التجربة، والتحضير لانطلاقة أكثر نضجًا ووضوحًا في الرؤية. واليوم، تعود المجلة بهيئة تحرير جديدة، وروح مهنية متجددة، تؤمن بأن الصحافة الجادة لا تُقاس بسرعة الحضور، بل بعمق الأثر، واستمرارية المعنى.

يضم هذا العدد باقة متنوعة من المواد التي تعكس هذا التوجه؛ من قراءات سياسية تتناول موقع العراق الإقليمي وتحولاته الأمنية والقانونية، إلى ملفات تحليلية تفتح النقاش حول الفساد، والاقتصاد، والموازنة العامة، وعلاقة الأجر بالإنتاجية. كما يتوقف العدد عند التحولات الاجتماعية العميقة، من النزوح البيئي والجفاف، إلى أسئلة التنمية والمواطنة والعقد الاجتماعي الجديد.

وللثقافة والفن حضورها الخاص في هذا العدد، عبر قراءات نقدية وتجارب فنية وأدبية، ووقائع ثقافية تسعى إلى إعادة الاعتبار للذاكرة، ولصوت الإنسان في مواجهة الضجيج، وإلى إبراز دور الفن بوصفه فعلاً معرفيًا وإنسانيًا لا ينفصل عن الواقع.

إن عودة دجلة الخير لا تعني مجرد استئناف الصدور، بل تجديد الالتزام بقيم المهنة، واحترام عقل القارئ، والانحياز للطرح المتوازن الذي يفتح الأسئلة ولا يدّعي امتلاك الإجابات. نأمل أن يجد القارئ في هذا العدد ما يستحق التوقف عنده، وما يعيد الثقة بأن الصحافة الجادة ما تزال قادرة على الحياة، رغم كل التحديات.


*****


يعكس تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية عمق أزمة تشكيل الحكومة العراقية، وسط انقسام داخلي وضغوط خارجية، ما ينذر بفراغ دستوري واختبار صعب لقدرة النظام السياسي على إنتاج تسوية مستقرة وطنية مستدامة.



السلطة التنفيذية الجديدة في العراق: حكومة مؤجَّلة تحت اختبار الداخل وضغوط الخارج


بغداد – تقرير خاص


يقف العراق عند مفترق سياسي أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، بعدما تقرّر، تأجيل جلسة مجلس النواب المخصّصة لانتخاب رئيس الجمهورية، لعدم اكتمال النصاب القانوني، في خطوة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت كاشفة لعمق الأزمة السياسية البنيوية التي تحكم مسار تشكيل السلطة التنفيذية.

وبحسب ما أعلنه رئيس مجلس النواب، فإن عدد الحضور لم يتجاوز 85 نائبًا، بالتزامن مع تسلّمه طلبات رسمية من الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لتأجيل الجلسة، بهدف إتاحة مزيد من الوقت للتفاهم بين الطرفين. وهو ما أعاد التأكيد على أن الاستحقاق الدستوري، الذي يفترض أن يكون إجراءً زمنيًا واضحًا، بات رهينة التوازنات السياسية والتجاذبات الحزبية، لا سيما داخل البيت الكوردي.

رغم الطابع البروتوكولي لمنصب رئيس الجمهورية، إلا أن تعثّر انتخابه هذه المرة يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف على اسم المرشح، إذ يمثّل هذا المنصب البوابة الدستورية لتكليف رئيس الوزراء خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا. ومع اقتراب نهاية السقف الدستوري المحدد لانتخاب الرئيس، والممتد حتى ليل 28 كانون الثاني، تتزايد المخاوف من الدخول في منطقة رمادية دستوريًا، قد تستدعي تدخل مجلس القضاء الأعلى، وتفتح الباب أمام تأويلات سياسية وقانونية متضاربة.

ويعكس التأجيل الحالي، الذي تشير مصادر نيابية إلى أنه جاء بتفاهم غير معلن بين الأحزاب الكوردية والإطار التنسيقي، حالة العجز عن إنتاج تسوية سياسية ناضجة، سواء داخل المكون الكوردي أو على مستوى التفاهم الوطني الأشمل. فالتنافس الكردي – الكردي لم يعد شأناً داخليًا محصورًا، بل بات عامل تعطيل مباشر لمسار تشكيل الحكومة الاتحادية، وانعكاسًا لأزمة الثقة المتراكمة بين الشركاء السياسيين.

في السياق ذاته، يكتسب قرار الإطار التنسيقي اختيار مرشحه لرئاسة الوزراء بالأغلبية، بدل الإجماع، دلالة إضافية بعد هذا التطور، إذ يبدو أن منطق "كسر التوازنات" بات حاضرًا في أكثر من ساحة، ما ينذر بإمكانية تشكّل معارضة فاعلة من داخل المكونات نفسها، وليس فقط بين المكونات. وتبقى عودة نوري المالكي إلى واجهة المشهد عنصرًا إشكاليًا، أعاد استحضار ذاكرة سياسية مثقلة بالأزمات، وأثار قلق أطراف سنية وشيعية من إعادة إنتاج نماذج حكم سابقة لم تنجح في إدارة التنوع أو احتواء الأزمات.

خارجيًا، يأتي هذا التعثر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وسط ضغوط أميركية متزايدة وتحذيرات من تشكيل حكومة تُصنّف على أنها منحازة لمحور بعينه. ومع تراجع موقع إيران إقليميًا، وتعرّض حلفائها لضربات متلاحقة، يزداد القلق من أن يتحوّل العراق إلى ساحة لإعادة التموضع أو تعويض الخسائر، في حال عجزت السلطة التنفيذية المقبلة عن ترسيخ سياسة توازن حقيقية.

أما داخليًا، فإن الحكومة المنتظرة، إن تشكّلت، ستواجه تركة ثقيلة من الأزمات الاقتصادية والخدمية، واعتمادًا شبه كامل على النفط، إلى جانب ملف الفصائل المسلحة وسلاحها خارج إطار الدولة، فضلًا عن التحديات الأمنية الإقليمية، وعلى رأسها ملف سجناء تنظيم "داعش" في السجون السورية، والضغوط الدولية المرتبطة به.

في المحصلة، لم يعد تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية حدثًا إجرائيًا عابرًا، بل تحوّل إلى مؤشر واضح على أن العراق لا يواجه فقط تأخيرًا في تشكيل حكومة، بل أزمة في إدارة الاستحقاقات نفسها. حكومة المرحلة المقبلة، إن كُتب لها أن ترى النور، لن تكون حكومة "بداية جديدة"، بل حكومة اختبار مضاعف: لاختبار قدرة النظام السياسي على احترام المدد الدستورية، وقدرة القوى السياسية على إنتاج تسويات مسؤولة، وقدرة العراق على تفادي الانزلاق إلى فراغ سياسي مفتوح، في لحظة إقليمية لا تحتمل الهشاشة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح السلطة التنفيذية الجديدة في التحوّل من حكومة مؤجَّلة بالتفاهمات الهشّة إلى حكومة قرار فعلي، أم أن سياسة التأجيل ستظل الأداة الأسهل لإدارة أزمة لم تعد قابلة للإرجاء؟


*****

تقرير يبرز دور العراق كفاعل أمني وقانوني إقليمي في ملف سجون داعش، عبر مبادرات استباقية ومحاكمات قانونية، محذّرًا من مخاطر إقليمية ما لم يتحقق تعاون دولي فعّال.



العراق كفاعل أمني وقانوني إقليمي في مواجهة التهديدات العابر للحدود

بغداد – تقرير خاص

لم يعد ملف سجون ومخيمات تنظيم داعش في شمال شرق سوريا مجرد قضية أمنية عابرة أو شأنًا محليًا مرتبطًا بتعقيدات الساحة السورية وحدها، بل تحوّل إلى تهديد استراتيجي ذي أبعاد إقليمية ودولية، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي، والمسؤولية القانونية، والالتزامات الأخلاقية للمجتمع الدولي. وفي هذا السياق، يبرز العراق اليوم بوصفه فاعلًا أمنيًا وقانونيًا إقليميًا، انتقل من موقع التحذير والتنبيه إلى موقع الفعل والمبادرة، في محاولة لاحتواء أحد أخطر تركات مرحلة ما بعد "داعش".

تحذيرات بغداد لم تأتِ من فراغ، بل استندت إلى قراءة واقعية لتداعيات الانهيارات الأمنية المتكررة في محيط سجون التنظيم ومخيم الهول، الذي يضم آلاف العناصر المتشددة وعشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم. هذا الواقع، الذي وصفه العراق صراحة بأنه تهديد استراتيجي، ينطوي على مخاطر تتجاوز الجغرافيا السورية، إذ إن أي تراخٍ في السيطرة على هذه المنشآت يمنح التنظيم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة جزء من قدرته على الحركة والتأثير، بما ينعكس مباشرة على أمن العراق ودول الجوار.

انطلاقًا من هذه المقاربة، اتخذت بغداد قرارًا وُصف بالاستباقي، بالتنسيق مع التحالف الدولي، يقضي بتسلّم عدد كبير من معتقلي تنظيم داعش ونقلهم من بيئة أمنية هشّة في شمال سوريا إلى منشآت احتجاز أكثر تحصينًا داخل الأراضي العراقية. هذا القرار، الذي يضع العراق في واجهة المواجهة مع أخطر عناصر التنظيم، لا يمكن فصله عن إدراك عراقي بأن ترك هذا الملف معلقًا أو التعامل معه بمنطق التأجيل، قد يقود إلى فوضى أمنية إقليمية يصعب احتواؤها لاحقًا.

وفي مقابل هذا التحرك الخارجي، حرصت الحكومة العراقية على توجيه رسائل طمأنة واضحة إلى الداخل، عبر التأكيد المتكرر على أن الحدود العراقية السورية مؤمّنة بالكامل، وتخضع لأعلى مستويات الجاهزية والتحصين. فالشريط الحدودي، الذي لطالما شكّل نقطة قلق في مراحل سابقة، بات اليوم محاطًا بمنظومة متكاملة من الإجراءات، تشمل تحصينات هندسية متعددة، وتقنيات مراقبة حديثة، وجهدًا استخباراتيًا واسعًا، فضلًا عن تنسيق أمني قائم مع إقليم كردستان. هذه الإجراءات، بحسب الخطاب الرسمي، جعلت الحدود العراقية السورية من بين الأكثر تحصينًا، بما ينفي أي مخاوف من تسلل أو اختراق محتمل.

الدور العراقي في هذا الملف لم يأتِ بمعزل عن غطاء سياسي دولي، بل حظي بإشادة أممية وأميركية واضحة، اعتبرت أن بغداد تؤدي دورًا قياديًا داخل إطار التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. هذا الغطاء السياسي، وإن كان يعكس ثقة دولية بالقدرات الأمنية العراقية، إلا أنه يسلّط الضوء في الوقت نفسه على مفارقة أساسية، تتمثل في إصرار العديد من الدول على رفض استعادة مواطنيها المنتمين إلى التنظيم، وترك عبء احتجازهم ومحاكمتهم على عاتق دول أخرى، وفي مقدمتها العراق.

وعلى المستوى القانوني، يقدّم العراق مقاربة أكثر وضوحًا وحسمًا مقارنة بالضبابية التي تحيط بهذا الملف دوليًا. فالإطار القانوني العراقي يتيح محاكمة عناصر التنظيم عن الجرائم المرتكبة داخل الأراضي العراقية، وكذلك عن الأفعال التي امتد أثرها إلى الأمن القومي، حتى وإن نُفذت خارج الحدود. كما أن هذه الجرائم، المصنفة ضمن الإرهاب، لا تسقط بالتقادم ولا تشملها قوانين العفو، ما يفتح الباب أمام مسار قضائي يهدف إلى تحقيق العدالة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب.

أما خيار إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة عناصر التنظيم، فيبقى مرتبطًا بإرادة دولية وقرار من مجلس الأمن، فضلًا عن التوافق على تقاسم الأعباء المالية والإدارية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. وفي ظل هذا التعقيد، يبدو أن العراق يتعامل مع الواقع القائم، محاولًا تحويل عبء أمني مفتوح إلى مسار قانوني منظم، مع التأكيد على أن تحمّله لهذا الدور لا يعني إعفاء الدول الأخرى من مسؤولياتها.

في المحصلة، يعكس التحرك العراقي في ملف سجون ومخيمات داعش تحوّلًا في طبيعة الدور الذي تلعبه بغداد إقليميًا، من دولة متلقية للتداعيات إلى دولة مبادِرة تسعى إلى إدارة المخاطر قبل انفجارها. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بتعاون دولي حقيقي، يعترف بأن تهديد الإرهاب عابر للحدود، وأن مواجهته لا يمكن أن تُلقى على عاتق دولة واحدة، مهما بلغت جاهزيتها الأمنية وقدرتها القانونية.


*****


قصة ترصد أثر إجراءات التقشف على الموظف العراقي، بعد إلغاء المخصصات وارتفاع المعيشة، كاشفة اختلال نظام الرواتب واتساع فجوة العدالة الوظيفية وأزمة الثقة بالإصلاح الاقتصادي.



التقشف على حساب الموظف: حين تضيق الرواتب وتتسع الفجوة

د. حسين محمد الفيحان

في صباحات بغداد المكتظة، لم يعد الموظف الحكومي يبدأ يومه بالسؤال عن واجباته الوظيفية بقدر ما يبدأه بحسابات المعيشة: كم تبقّى من الراتب؟ ما الذي يمكن تأجيله هذا الشهر؟ وأيّ فاتورة ستُدفع على حساب أخرى؟

هذه الأسئلة لم تعد فردية، بل تحوّلت إلى همٍّ جماعي بعد القرارات الأخيرة التي اتخذتها حكومة تصريف الأعمال، والتي وصفتها شرائح واسعة من المجتمع بأنها إجراءات تقشفية قاسية طالت الفئات الأقل قدرة على الاحتمال.

آخر هذه القرارات كان إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية وحملة الشهادات العليا في القطاع العام، وهو إجراء فجّر موجة احتجاجات ووقفات سلمية، خصوصًا في مؤسسات التعليم العالي. لم يكن الاعتراض محصورًا بالقيمة المالية للمخصصات، بل بما يحمله القرار من دلالات رمزية تمس مكانة المعرفة والكفاءة في بلد يئن أصلًا تحت وطأة الأزمات.

يقول أحد الموظفين المحتجين، وهو يحمل شهادة ماجستير ويعمل منذ أكثر من عشرة أعوام في إحدى الجامعات الحكومية: "لسنا نطلب امتيازات، نريد فقط أن نعيش بكرامة. الشهادة لم تعد قيمة مضافة، بل عبئًا لا تعترف به الدولة".

تأتي هذه الاحتجاجات في وقت يشهد فيه العراق ارتفاعًا متواصلًا في أسعار السلع الأساسية، وتكاليف الصحة والكهرباء والتعليم، مقابل دخول ثابتة أو متراجعة. ومع غياب سياسات حماية اجتماعية فعّالة، تحوّل التقشف من أداة مالية إلى ضغط يومي مباشر على حياة الناس.

في المقابل، يطرح كثيرون سؤالًا لافتًا: لماذا لم تعترض وزارات أخرى على القرار نفسه؟ الإجابة، وفق موظفين وخبراء، تكمن في واقع أكثر قسوة. فهناك وزارات تعيش منذ سنوات بلا مخصصات حقيقية أو حوافز، ويعمل موظفوها برواتب لا تكفي لسدّ أساسيات العيش. في هذه المؤسسات، لم يكن هناك ما يُلغى أصلًا، ما جعل الصمت خيارًا اضطراريًا لا موقفًا سياسيًا.

أحد الموظفين في وزارة خدمية يختصر المشهد قائلًا: "نحن تحت خط الفقر منذ سنوات. عندما أُلغيَت المخصصات في وزارات أخرى، لم نحتج لأننا لم نعرفها يومًا".

هذا الواقع يكشف خللًا أعمق من قرار واحد، خللًا في بنية نظام الرواتب ذاته، الذي يقوم على تفاوتات حادة بين وزارة وأخرى، ودرجة وظيفية وأخرى، حتى باتت العدالة الوظيفية مطلبًا مؤجلًا باستمرار.

سياسيًا، قوبلت الإجراءات برفض واضح من قوى مدنية ونقابية، اعتبرت أن تحميل الموظفين تبعات العجز المالي لا يمكن أن يُسمّى إصلاحًا اقتصاديًا. وأشارت هذه الأطراف إلى أن تقليص النفقات يجب أن يبدأ من الامتيازات العالية والمخصصات غير الضرورية في المناصب العليا، لا من رواتب الموظفين الذين يشكّلون العمود الفقري للدولة. كما حذّرت بيانات سياسية من محاولة تسييس الاحتجاجات أو استغلالها في صراعات تشكيل الحكومات، مؤكدة أن المطالب المطروحة هي مطالب معيشية مشروعة، لا أدوات تفاوض.

إن ما يعيشه الموظف العراقي اليوم ليس أزمة مخصصات فحسب، بل أزمة ثقة، في عدالة النظام الوظيفي، وفي جدّية الحديث عن الإصلاح، وفي قدرة الدولة على حماية مواطنيها لا الضغط عليهم. وبين راتب لا يكفي، وقرارات توصف بالارتجالية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن معالجة الأزمة الاقتصادية من دون المساس بقوت الناس؟ أم أن التقشف، كما يُمارَس اليوم، سيبقى عنوانًا لمرحلة تُدار فيها الأزمات على حساب الأضعف؟


*****


تتناول المقالة كلفة الموظف الحكومي في العراق وتأثيرها على الموازنة، مؤكدة أن الإصلاح يكمن في ربط الأجور بالإنتاجية، وإعادة هيكلة الوظيفة العامة، وتعزيز الاستثمار والقطاع الخاص.



الموظف  والموازنة.. ثنائية الأجر والإنتاجية

عبدالزهرة محمد الهنداوي

تُعد كلفة الموظف الحكومي في العراق من القضايا التي تفرض نفسها بقوة عند مناقشة الموازنة العامة ومسارات الإصلاح الإداري والاقتصادي، فالدولة التي اعتمدت لسنوات طويلة على التوظيف العام بوصفه أداة للاستقرار الاجتماعي، باتت اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية إدارة هذا الملف من دون الإضرار بالاستقرار أو تعطيل التنمية.

وتشير بعض التقديرات  إلى أن متوسط كلفة الموظف الواحد سنوياً يتراوح بين 14-16 مليون دينار، وتشمل الراتب والمخصصات والكلف غير المباشرة، (الاثاث- الاتصالات، القرطاسية - التكييف، الماء - الكهرباء، النقل.. الخ) إضافة إلى الالتزامات التقاعدية المستقبلية، وعند احتساب  أكثر من 4 ملايين موظف ويضاف لها المتقاعدين، والعقود والاجور اليومية، تصبح الرواتب والأجور البند الأكبر في الموازنة الاتحادية، حيث تلتهم أكثر من نصف الإنفاق العام.

هذا الواقع يضع الموازنة أمام معادلة دقيقة، فكل توسع في التوظيف يعني زيادة فورية في الإنفاق الجاري، على حساب الإنفاق الاستثماري المخصص للمشاريع والبنى التحتية والخدمات. 

ومع اعتماد العراق على الإيرادات النفطية، تتضاعف حساسية الموازنة تجاه تقلبات الأسواق، فيما تبقى الرواتب التزاماً ثابتاً لا يمكن تقليصه بسهولة.

غير أن المشكلة لا تكمن في مستوى الرواتب بحد ذاته، بل في كفاءة هذا الإنفاق، فضعف الربط بين الأجر والإنتاجية، وتضخم بعض الوظائف الإدارية، وتداخل الصلاحيات، كلها عوامل تقلل من العائد الفعلي لما تنفقه الدولة على جهازها الوظيفي، وبهذا تتحول الوظيفة العامة، في كثير من الأحيان، من رصيد بشري محتمل إلى عبء مالي متراكم.

ومن هنا، يبرز ملف كلفة الموظف بوصفه مدخلاً أساسياً للإصلاح الإداري والمالي، فالإصلاح لا يعني الاستغناء عن الموظفين أو المساس برواتبهم، بل يتطلب إعادة هيكلة الوظيفة العامة، وضبط التعيينات الجديدة، وتحديث توصيف الوظائف، وربط الأجور بالأداء، فضلاً عن الاستثمار في التدريب وبناء القدرات، كما يشكل التحول نحو الحكومة الرقمية أداة مهمة لتقليل الترهل الإداري ورفع كفاءة الإنفاق.

وفي الإطار الأوسع، يتطلب تحقيق التوازن في الموازنة العامة تقليص الاعتماد المفرط على الإنفاق الجاري، والتوجه نحو تعزيز الإنفاق الاستثماري، بما يخلق فرص عمل مستدامة خارج القطاع الحكومي، ويبرز هنا دور القطاع الخاص كشريك رئيس في استيعاب القوى العاملة وتحريك الاقتصاد، بما يخفف الضغط عن الدولة ويعزز الاستقرار المالي.


*****

تقرير التنمية البشرية في العراق 2025 يضع المواطنة محوراً للتنمية، موثقاً تحسناً في المؤشرات، مع الدعوة لعقد اجتماعي جديد يعالج التفاوتات، ويمكّن الإنسان بوصفه غاية التنمية.



العراق يعيد تعريف التنمية: المواطنة بوصفها مفتاح العقد الاجتماعي الجديد

علي تحسين الحياني

بعد سنواتٍ طويلة من الأزمات والحروب والانقطاعات التنموية، يطلّ التقرير الوطني للتنمية البشرية في العراق 2025 بوصفه وثيقة مفصلية تحاول الإمساك بلحظة التحول التي يمرّ بها البلد، واضعًا المواطنة في قلب النقاش التنموي، لا كعنوان نظري، بل كمدخل عملي لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبناء عقد اجتماعي جديد يستجيب لتحديات ما بعد الإرهاب.

التقرير، الذي أُنجز على مدى عامين من العمل البحثي والإحصائي المتواصل، هو الثالث في تاريخ العراق بعد تقريري عامي 2008 و2014، ويستند إلى أحدث قواعد البيانات الوطنية، وفي مقدمتها نتائج التعداد العام للسكان 2024، والمسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، إلى جانب مصادر إحصائية رسمية أخرى. ويقع في نحو 260 صفحة، تنقّل عبرها بين التحليل الكمي لمؤشرات التنمية البشرية، والمعالجة الفكرية العميقة لمفاهيم المواطنة والعقد الاجتماعي في السياق العراقي.

ينطلق التقرير من قراءة دقيقة للمرحلة الممتدة بين عامي 2010 و2017، وهي السنوات التي شهد فيها العراق صدمة كبرى تمثلت باحتلال التنظيمات الإرهابية لمساحات واسعة من أراضيه، وما رافق ذلك من تفكك اجتماعي، ونزوح واسع، وتراجع في مؤشرات التنمية. ويرى التقرير أن تلك المرحلة كشفت هشاشة العقد الاجتماعي القائم، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول الحقوق والواجبات، ودور الدولة، وحدود المشاركة والمساءلة.

وفي هذا السياق، جاء اختيار "المواطنة" محورًا رئيسيًا للتقرير، بوصفها الإطار الجامع القادر على ترميم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإعادة بناء الشعور بالانتماء، وتحويل الفرد من متلقٍ للخدمات إلى شريك في صياغة السياسات العامة. ولا يتعامل التقرير مع المواطنة باعتبارها رابطة قانونية فحسب، بل يقدّمها بوصفها ممارسة اجتماعية واقتصادية وسياسية يومية، تقوم على المساواة، والعدالة، وتكافؤ الفرص، وربط الحقوق بالواجبات في بيئة مؤسسية خاضعة للمساءلة.

على المستوى الكمي، يسجّل التقرير تحولًا لافتًا بدخول العراق لأول مرة في تاريخه ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية العالية، بعد أن بلغ دليل التنمية البشرية 0.712 وفق مؤشرات عام 2024، مقارنة بـ0.623 عام 2008، وهو ما يمثل قفزة نوعية قياسًا بالمسار التاريخي للتنمية في البلاد. ورغم أن هذا الرقم لا يزال دون المتوسط العالمي، إلا أنه يتجاوز المتوسط العربي، ويضع العراق في موقع متوسط بين الدول العربية.

ويعكس هذا التحسن تطورًا ملموسًا في أبعاد الدليل الثلاثة؛ إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة إلى 74 عامًا نتيجة تحسن المؤشرات الصحية وانخفاض معدلات الوفيات، ولا سيما وفيات الأطفال. كما تحسنت مؤشرات التعليم، سواء من حيث متوسط سنوات الدراسة أو سنوات الدراسة المتوقعة، بالتزامن مع تراجع معدلات التسرب. أما على مستوى الدخل، فقد قُدّر نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي المعدل بالقوة الشرائية بنحو 9092 دولارًا، مدفوعًا بتحسن أسعار النفط.

غير أن التقرير لا يكتفي بعرض المؤشرات الإيجابية، بل يتوقف عند التفاوتات العميقة داخل البلاد، سواء بين المحافظات أو بين الفئات الاجتماعية. ويشير بوضوح إلى أن محافظتي المثنى وميسان لا تزالان في أدنى سلم التنمية البشرية، كما يبيّن أن عدم المساواة يؤدي إلى فقدان يقارب 23% من قيمة التنمية البشرية عند احتساب آثاره، ما يعني أن التحسن العام لا يزال هشًا وغير متوازن.

ويولي التقرير اهتمامًا خاصًا بقضية تمكين المرأة، حيث يقدّر دليل تمكينها بـ0.882، مع وجود فجوة واضحة مقارنة بالرجال، ولا سيما في بُعدي التعليم والدخل. ويرى أن هذه الفجوة لا تمثل قضية اجتماعية فقط، بل تشكّل عائقًا تنمويًا مباشرًا، يحدّ من استثمار رأس المال البشري ويؤثر في النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

أما الإضافة الأبرز في تقرير 2025، فتتمثل في إطلاق مبادرة هي الأولى من نوعها دوليًا لقياس المواطنة والعقد الاجتماعي بأدلة رقمية، استنادًا إلى استطلاعات رأي وتحليل نوعي معمّق. وقد أظهرت نتائج هذه المبادرة ميلًا واضحًا لدى العراقيين نحو نموذج عقد اجتماعي جديد، يقوم على الشراكة والمساءلة والتفاعل المتوازن بين الدولة والمجتمع، مقابل تراجع جاذبية النموذج التقليدي القائم على الامتثال مقابل الحماية.

ويختتم التقرير برؤية استشرافية تؤكد أن بلوغ العراق مصاف الدول ذات التنمية البشرية العالية جدًا بحلول عام 2035 ليس هدفًا بعيد المنال، لكنه مشروط بخيارات سياسية واقتصادية واضحة، في مقدمتها الاستثمار في التعليم، وتقليص الفجوات المكانية، وتمكين المرأة، وتوسيع الفضاء المدني، وربط التنمية الاقتصادية ببناء الإنسان بوصفه غايتها الأساسية.

بهذا المعنى، لا يقدم التقرير الوطني للتنمية البشرية 2025 مجرد عرض للأرقام والمؤشرات، بل يطرح سردية جديدة للتنمية في العراق، سردية ترى في المواطنة حجر الزاوية، وفي العقد الاجتماعي العادل الطريق الأضمن لتحويل التعافي إلى تنمية مستدامة، والدولة إلى شريك حقيقي لمواطنيها، لا وصيًا عليهم.


*****

قصة صحفية توثق نزوحاً بيئياً صامتاً في جنوب العراق، حيث يدفع الجفاف وتغير المناخ آلاف العائلات للرحيل بلا حرب، كاشفة هشاشة الحلول وضغط النزوح الجديد على المدن واستدامة الموارد المائية.



نزوح بلا حرب… حين تدفع الحياة العراقيين إلى الرحيل

أنس الشمري

لم يكن أحمد، الأربعيني القادم من أطراف أهوار الجبايش، يظن أن رحلته الأخيرة ستكون بلا صوت رصاص أو هدير تفجيرات. خرج من قريته بهدوء يشبه الانكسار، حاملاً أطفاله الثلاثة، تاركاً خلفه زورقاً يابساً، وبقعة ماء تحوّلت إلى طين متشقق. يقول: "لم نهرب من حرب، هربنا من العطش".

على مدى عقدين، ارتبط النزوح في العراق بالحروب والصراعات المسلحة، غير أن خريطة التهجير تغيّرت اليوم. فبينما تُغلق بعض المخيمات في شمال البلاد إيذاناً بانحسار موجات النزوح القديمة، تفتح في الجنوب فصول جديدة من الهجرة القسرية، عنوانها الجفاف والتغير المناخي، لا السلاح.

تؤكد وزارة الهجرة والمهجرين أن أعداد النازحين في مخيمات إقليم كردستان تراجعت إلى نحو 20 ألف أسرة فقط، بعد أن كانت أضعاف ذلك في سنوات سابقة. وتُرجع الوزارة هذا الانخفاض إلى ما تسميه "تقدماً في مسار العودة الطوعية"، مدعوماً بسياسات إنسانية واقتصادية تهدف إلى إعادة الأسر إلى مناطقها الأصلية أو دمجها في مجتمعات جديدة. وعلى الورق، يبدو المشهد مطمئناً، وكأن ملف النزوح يقترب من نهايته.

في محافظة ذي قار وحدها، نزحت أكثر من 10 آلاف عائلة خلال السنوات الأخيرة، لا بسبب المعارك، بل نتيجة جفاف طال نحو 90 في المئة من مساحات الأهوار، وتسبّب في فقدان آلاف الأسر مصادر رزقها المرتبطة بالزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي. هنا، لا توجد مخيمات منظمة ولا خطط عودة واضحة، بل انتقال صامت إلى أطراف المدن، أو هجرة مضنية نحو محافظات أخرى بحثاً عن عمل موسمي.

تجلس أم حسين، القادمة من ناحية الفهود، أمام بيت طيني مستأجر في أطراف مدينة الناصرية. تتحدث عن قريتها كما لو كانت حلماً بعيداً: "الماء كان حياتنا.. لما انتهى، انتهينا نحن". أطفالها تركوا مدارسهم لعام كامل، وزوجها يعمل بالأجر اليومي، فيما تتقاسم العائلة سلة غذائية لا تكفي شهراً.

يحذّر مسؤولون محليون من أن هذا النوع من النزوح "الأكثر هشاشة" قد يتفاقم مع استمرار الأزمة المائية، خصوصاً مع تراجع دعم المنظمات الدولية بعد انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. فالنزوح البيئي لا يهدد الأسر المتضررة وحدها، بل يضغط أيضاً على المدن المستقبِلة، ويخلق تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية متداخلة.

المفارقة أن العراق يعيش اليوم نزوحين متوازيين: أحدهما يتجه إلى الانغلاق بعد سنوات من المعاناة، وآخر في طور التشكل، أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً في الحلول. ففي حين تُؤجَّل عودة بعض العائلات في الشمال بسبب ارتباط أبنائها بالمدارس، تُؤجَّل عودة عائلات الجنوب إلى أجل غير مسمى بانتظار عودة الماء نفسه.

لا يزال أحمد يحتفظ بمفتاح بيته القديم، رغم معرفته أن الأبواب الخشبية هناك ربما سقطت منذ زمن. يقول وهو ينظر إلى أطفاله: "إذا عاد الماء، نعود.. غير هذا، لا شيء نرجع إليه". بين نزوح انتهى ونزوح يتوسع، يقف العراق أمام سؤال مفتوح: هل يمكن إغلاق ملف النزوح فعلاً، ما دام الجفاف قادراً على تهجير الناس بصمت، وبقسوة لا تقل عن الحروب؟


*****


يناقش المقال مفارقة ارتفاع الإيرادات والأرقام الاقتصادية في العراق مقابل ثبات معيشة الناس، منتقداً اقتصاد الاستيراد والاعتماد النفطي، ومشدداً على تحويل الأرقام إلى وظائف وخدمات واستقرار ملموس فعلي للناس يومي.



حين ترتفع الأرقام.. ولا ترتفع حياة الناس

نوري حمدان

في العراق، لا مشكلة في الأرقام.

الأرقام تتحرك، تصعد، وتُعلن بثقة. الواردات ترتفع، الاجتماعات تُعقد، الإصلاحات تُناقش، أسعار النفط تتقلب، والذهب يسجل أرقاماً قياسية. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين نخرج من نشرات الأخبار إلى الشارع، من لغة البيانات إلى لغة الناس.

سبعة عشر مليار دولار واردات في ثلاثة أشهر، رقم ليس صغيراً. آلات، معدات، منتجات مصنّعة، وقود، ومواد كيميائية. لكن السؤال الذي لا يظهر في بيانات هو: كم من هذه المليارات تحوّل إلى فرصة عمل؟ كم منها خفّف كلفة معيشة؟ وكم منها أعاد شيئاً من الثقة للمواطن البسيط؟

الاقتصاد العراقي ما يزال اقتصاد استيراد بامتياز. نشتري أكثر مما ننتج، ونستهلك أكثر مما نصنع، ثم نتساءل لماذا لا يستقر السوق ولماذا تبقى الوظيفة حلماً مؤجلاً لآلاف الخريجين. الاستيراد بحد ذاته ليس خطيئة، لكنه يتحول إلى عبء حين يكون بديلاً دائماً عن الإنتاج، لا جسراً مؤقتاً نحوه.

في المقابل، تتحدث الحكومة، عبر وزارة المالية، عن إصلاحات هيكلية، وتنويع مصادر الدخل، وتقليص الهيمنة النفطية. كلام صحيح من حيث المبدأ، بل ومطلوب منذ سنوات. لكن التجربة العراقية علمت الناس أن الفجوة بين النية والنتيجة هي أخطر ما في الاقتصاد. المواطن لا يقيس الإصلاح بعدد اللقاءات مع المؤسسات الدولية، بل بعدد الأيام التي يستطيع فيها أن يدبّر راتبه حتى نهاية الشهر.

أما الخريجون، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. ربط التوظيف بالموازنة مفهوم منطقياً، لكن الواقع يقول إن جيلاً كاملاً يعيش على وعود "موازنة قادمة" و"استمارة ستُطلق"، بينما سوق العمل الخاص ما يزال هشاً، غير جاذب، ولا يوفر الأمان الوظيفي الذي يدفع الشاب للمغامرة خارج التوظيف الحكومي.

ثم نعود إلى النفط. أسعاره ترتفع مع التوترات، وتنخفض مع التصريحات، وتبقى الموازنة العراقية معلقة على مزاج السوق العالمي. أي اضطراب سياسي في المنطقة ينعكس فوراً على الأرقام، لكن انعكاسه على معيشة الناس يأتي دائماً بشكل واحد: قلق، خوف، وترقب. لا أحد يحتفل بارتفاع النفط لأنه يعرف أن الارتفاع لا يعني بالضرورة تحسناً في الخدمات أو انخفاضاً في الأسعار.

وإذا كان الذهب قد قفز إلى مستويات تاريخية، فذلك خبر جيد لمن يملك فائضاً ليحفظه، لا لمن يبحث عن قوت يومه. الاقتصاد العالمي يعيد ترتيب أوراقه، بينما المواطن العراقي ما يزال ينتظر أن يرى نفسه ضمن هذه الحسابات.

الخلاصة بسيطة، وربما موجعة: الاقتصاد لا يُقاس بنجاحه في التقارير، بل بقدرته على تخفيف ثقل الحياة عن الناس. وما لم تتحول هذه الأرقام إلى وظائف، وخدمات، واستقرار معيشي ملموس، فستبقى مجرد أرقام جميلة.. لا تعني شيئاً على مائدة المواطن.


*****


كريستين لاغارد تحذّر من مفترق طرق اقتصادي عالمي، بسبب التفكك الجيوسياسي، وتسارع الذكاء الاصطناعي، وتغيّر المناخ، مؤكدة ضرورة سياسات تعاونية طويلة الأمد لضمان الاستقرار والنمو المستدام.



الاقتصاد العالمي أمام مفترق طرق جديد

كريستين لاغارد تحذّر من مخاطر الجغرافيا السياسية والذكاء الاصطناعي وتغيّر المناخ


في وقتٍ تشهد فيه بعض المؤشرات الاقتصادية العالمية، ولا سيما في منطقة اليورو، تحسّناً يفوق التوقعات، أطلقت كريستين لاغارد تحذيراً لافتاً من جملة مخاطر بنيوية متصاعدة تهدّد استقرار الاقتصاد العالمي على المدى المتوسط والطويل.

جاء ذلك خلال مشاركتها في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن العالم يواجه مرحلة جديدة تتداخل فيها التحديات الجيوسياسية والتكنولوجية والمناخية، بما يفرض إعادة التفكير في نماذج النمو والسياسات الاقتصادية التقليدية.

وترى لاغارد أن الخطر الأول يتمثل في التفكك الجيوسياسي، وما يرافقه من تراجع في الثقة العامة بالاقتصاد العالمي. فتصاعد النزاعات، وتزايد الاستقطاب بين القوى الكبرى، وانحسار التعاون متعدد الأطراف، جميعها عوامل تُضعف بيئة الاستثمار وتربك سلاسل الإمداد وتحدّ من قدرة الاقتصادات على تحقيق نمو مستدام. وتحذّر من أن فقدان الثقة لا يقل خطورة عن الأزمات المالية نفسها، إذ يؤثر مباشرة في قرارات المستهلكين والمستثمرين، ويزيد من هشاشة الأسواق أمام الصدمات المفاجئة.

أما التحدي الثاني، بحسب لاغارد، فيكمن في الوتيرة المتسارعة للتحول الرقمي، ولا سيما ذلك المدفوع بالذكاء الاصطناعي. فهذه التكنولوجيا لا تعيد تشكيل قطاع بعينه، بل تُحدث تحولات جذرية تطال معظم القطاعات الاقتصادية، من الصناعة والخدمات إلى أسواق العمل والأنظمة المالية. ورغم الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية وتحفيز الابتكار، فإن سرعة هذا التحول تطرح تساؤلات جدّية حول الجاهزية التنظيمية، والفجوات المهارية، وعدالة توزيع المكاسب الاقتصادية، وهو ما يستدعي سياسات استباقية توازن بين الابتكار والحماية الاجتماعية.

وفي البعد الثالث، شددت لاغارد على أن تغيّر المناخ لا يزال يشكل تهديداً قائماً، حتى وإن تراجع حضوره في صدارة الاهتمام العالمي خلال الفترة الأخيرة. وأكدت أن هذا الخطر "لم يتوقف"، بل يواصل مساره، مخلّفاً آثاراً اقتصادية مباشرة، من الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي، إلى الكوارث الطبيعية التي تستنزف الموارد العامة.

وترى أن مواجهة هذا التحدي تتطلب تمويلاً جدياً لمرحلة التحول البيئي، بما يقلل من كلفة التغير المناخي على الاقتصادات، ويحول السياسات البيئية من عبء مالي إلى فرصة للنمو الأخضر وخلق الوظائف.

وفي خلفية هذه التحديات، تبرز، وفق لاغارد، مخاوف أمنية متزايدة، سواء على المستوى العسكري أو في الفضاء السيبراني. فالهجمات الإلكترونية، وتسييس التكنولوجيا، وتنامي المخاطر غير التقليدية، باتت تشكل عاملاً ضاغطاً على الاستقرار الاقتصادي العالمي، وتتطلب تنسيقاً دولياً يتجاوز الحلول الوطنية الضيقة.

وتأتي هذه التصريحات في إطار انعقاد اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، الذي انطلق تحت شعار "روح الحوار"، بمشاركة نحو 3,000 قائد وخبير من مختلف أنحاء العالم. ويسعى المنتدى إلى بحث خمسة تحديات عالمية كبرى، من بينها تعزيز التعاون الدولي، وإطلاق مصادر جديدة للنمو، وتوظيف الابتكار على نطاق واسع وبمسؤولية.

وفي ظل عالم سريع التحول، تعكس رسالة لاغارد إدراكاً متزايداً بأن التفاؤل الاقتصادي، مهما كان مبرراً، لا يغني عن مواجهة المخاطر الكامنة بسياسات شاملة، ورؤية طويلة الأمد، تقوم على التعاون الدولي، والحوكمة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا معاً.


*****


يناقش المقال تصاعد الدعوات الأوروبية لنظام عالمي متعدد الأقطاب نتيجة سياسات ترمب، خصوصاً غرينلاند وأوكرانيا، ويرجّح بقاء التحالف الغربي رغم التوترات، بفعل قوة المؤسسات الأميركية.



هل سيظهر نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب؟

د. عقيل عباس

يبدو أن إحدى النتائج غير المحسوبة للسياسة الخارجية التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب هي بروز دعوات جدية لتشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب منعاً لهيمنة أميركية جائرة في العالم. وبخلاف الدعوات الشائعة والضعيفة التأثير القادمة من الخصوم والمنافسين التقليديين للولايات المتحدة كالصين وروسيا وإيران بضرورة تشكيل مثل هذا النظام، تأتي الدعوة هذه المرة من حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا، وإن بصيغة مهذبة وغير مباشرة تتجنب تحدي الولايات المتحدة، كما ظهر في تصريحات مختلفة لكبار الساسة الأوروبيين. فمثلاً أكد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، على أهمية أن تستقل أوروبا عسكرياً عن أميركا وتطور دفاعاتها الخاصة بها، وذلك رداً على ما يبدو تخلياً أميركياً مقلقاً عن الدفاع عن أوكرانيا ومحاباة روسيا التي يرى الزعماء الأوروبيون أنها، بغزوها أوكرانيا، تهدد الأمن الأوروبي. ثم هناك مؤخراً الانتقاد النادر للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لخرق أميركا "القواعد الدولية" بعد فرض ترمب تعريفات جمركية إضافية على دول أوروبية، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بسبب وقوفها مع الدنمارك في رفض الأخيرة ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة. يبدو أن التحول نحو تبني عالم متعدد الأقطاب اكتسب زخماً أوروبياً حقيقياً بسبب الخلاف الأميركي-الأوروبي بخصوص غرينلاند ورغبة ترمب بضمها لأميركا بأي وسيلة ممكنة، ومن ضمنها القوة العسكرية! وقبل إثارة موضوع إلحاق هذه الجزيرة النائية في الشمال القطبي كان الانزعاج الأوروبي من أميركا تحت قيادة ترمب، الذي تمحور حول موضوعي فرض التعريفات الجمركية والتخلي عن دعم أوكرانيا لصالح روسيا، يقع ضمن الحيز المقبول لخلافات الحلفاء التي يمكن التعايش معها على أمل حلها مستقبلاً أو نهايتها بنهاية عمر الإدارة الجمهورية الحالية في البيت الأبيض. لكن الإصرار على ضم الجزيرة سلماً أو حرباً وهي جزء من دولة أوروبية حليفة شاركت أميركا بقوات عسكرية في كثير من حروبها (كوسوفو، الكويت، أفغانستان، العراق) انطوى على الاحتمالات الجدية بتحول أميركا إلى خصم حقيقي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى التي دشنت دخولها في الشؤون الأوروبية، ليتحول هذا الدخول إلى تحالف راسخ، سياسي وعسكري واقتصادي، قادته هي بعد الحرب العالمية الثانية.

تستطيع أوروبا مجتمعةً، أن تصنع من نفسها قطباً استراتيجياً عالمياً للوقوف بوجه التفرد اليميني الأميركي الذي يقوده ترمب، على نحو لا تستطيعه لا الصين ولا روسيا

تتعمق احتمالات هذه الخصومة في ظل العداء الأيديولوجي المعلن لليمين الأميركي المتشدد الذي يأتي منه ترمب للأنظمة الليبرالية الأوروبية، كما برز هذا في خطاب نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في ميونيخ خلال شهر فبراير/شباط الماضي عندما أشار إلى أن "التهديد الذي يقلقني أكثر بخصوص أوروبا ليس روسيا ولا الصين... وإنما العدو الداخلي: تراجع أوروبا عن بعض أهم قيمها الأساسية التي تتشاركها مع الولايات المتحدة الأميركية". في الحقيقة، تستطيع أوروبا مجتمعةً، بقوتها الاقتصادية الهائلة وتضامنها السياسي وتماسكها الأيديولوجي، وفي ظل سعيها لتطوير قوة ردع عسكرية مستقلة بها تغنيها عن الاعتماد العسكري على أميركا، أن تصنع من نفسها قطباً استراتيجياً عالمياً للوقوف بوجه التفرد اليميني الأميركي الذي يقوده ترمب، على نحو لا تستطيعه لا الصين ولا روسيا. ومع ذلك، يبدو مستبعداً أن تلجأ أوروبا إلى مثل هذا الخيار الصعب والمعقد والمُكلِف، لأن اختلافها الأساسي هو مع إدارة ترمب وليس مع الثقافة السياسية الأميركية الراسخة مؤسساتياً وأيديولوجياً القائمة مع التشابه والتعاون الاستراتيجيين مع أوروبا على نحو تكاملي صَنعَ على مدى العقود الماضية الكتلة السياسية والاقتصادية والثقافية الصلبة التي اسمها "الغرب" وقادت العالم بنجاح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

يخطط مشرعون جمهوريون وديمقراطيون لتشريع قوانين مختلفة تحد من قدرة الرئيس على استهداف غرينلاند أو حلف "الناتو"

يتحدى ترمب هذه الثقافة بقوة بأشكال مختلفة، سياسية واقتصادية، ويصطدم مع مؤسساتها الكثيرة باستمرار (ولذلك هناك الكثير من القضايا التي تنظر فيها المحاكم الأميركية لفك حالات الاصطدام هذه). لكن التحدي الأكثر إقلاقاً هو الاستخدام المنفرد للقوة العسكرية. كان هناك الكثير من السخط غير المعلن في أوساط الكونغرس مثلاً ضد العملية العسكرية لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن السخط المتصاعد ضد التلويح العسكري الترمبي لاحتلال غرينلاند مختلف نوعياً واستراتيجياً في الكونغرس، إذ يخطط مشرعون جمهوريون وديمقراطيون لتشريع قوانين مختلفة تحد من قدرة الرئيس على استهداف غرينلاند أو حلف "الناتو" (قانون حماية سيادة غرينلاند، وقانون حماية وحدة الناتو). على الأغلب ستتصاعد الردود المؤسساتية الأميركية ضد سلوك ترمب الذي يفكك التحالف التاريخي الأميركي-الأوروبي. فاستمرار هذا التحالف هو خيار استراتيجي أميركي يتجاوز خلافات الحزبين الرئيسين، فضلا عن أن هذا الخيار، بالأدوات الأميركية الكثيرة التي تدعمه، أقوى، على المدى الطويل، من إرادة رئاسة يمينية متشددة بعمر دستوري محدود، يقودها رئيس عنيد يبالغ دائماً في قدرته الشخصية على إعادة صياغة العالم على النحو الذي يريد.


*****


كتاب "صوت من داخل الضجيج" لنوري حمدان قراءة نفسية للمشهد العراقي، يحلل القلق والهوية، يدعو لكسر الصمت، وتحمل المسؤولية الفردية، وصناعة الأمل عبر الوعي والمواجهة الداخلية، والتغيير من الداخل الإنساني.



صوت من داخل الضجيج لـ"نوري حمدان".. تحليل نفسي لصوتٍ يرفض الانكسار

محمد بغدادي

في زمنٍ تتعاظم فيه أصوات الضجيج يأتي كتاب "صوت من داخل الضجيج" للكاتب والصحفي نوري حمدان كمحاولة جريئة للاختراق النفسي للمشهد العراقي المضطرب. لا يقدم الكتاب مجرد قراءة سياسية للأحداث بل هو رحلة تحليلية عميقة في دواخل النفس العراقية في لحظةٍ تاريخية تتداخل فيها الصدمات والآمال.

من وجهة نظر التحليل النفسي، يمكن اعتبار الكتاب بمثابة "صرخة اعتراف" جماعية حيث يرفض الكاتب كتم الألم والتحفظ على التعبير، في زمنٍ يبدو فيه الصمت موقفًا من الاستسلام. لكنه، وفي الوقت ذاته ليس مجرد تفريغ مكبوتات، بل محاولة جادة لفهم الذات والواقع المحيط.

العنوان "صوت من داخل الضجيج" يكشف عن دلالة نفسية عميقة: إنه الصوت الداخلي الذي يرفض الغرق في فوضى العالم الخارجي. الصوت الذي يصر على الاستماع إلى ذاته رغم كل التشويش المحيط. إنه صوت "الأنا" الذي يرفض الاستسلام لسيطرة "الهو" الجمعي، ويصر على الحفاظ على بصيص من الوعي والتمييز.

الضجيج في هذا السياق ليس مجرد وصف للواقع السياسي المضطرب بل هو تعبير عن حالة نفسية داخلية: حالة القلق والاضطراب التي تعصف بالفرد العراقي. إنه صوت الخوف من الفوضى، والقلق من المجهول، والإحباط من تكرار الفشل.



لكن الكتاب لا يقف عند حدود التشخيص النفسي بل يتجاوزه إلى محاولة العلاج. فمن خلال طرح الأسئلة الصعبة، والغوص في جذور الأزمة، يحاول الكاتب مساعدة القارئ على فهم نفسه وعلى مواجهة مخاوفه وعلى كسر جدار الصمت.

اللافت أن الكتاب لا يلجأ إلى التبسيط أو إلقاء اللوم على الآخرين بل يتحمل مسؤولية الذات في صناعة الواقع. إنه دعوة إلى المواجهة النفسية، وإلى الاعتراف بالدور الفردي في إصلاح الوضع العام.

من الناحية النفسية يمثل الكتاب نموذجًا للـ"توازن النفسي" في مواجهة الضغوط الخارجية. إنه صوتٌ يعترف بالضعف، لكنه يرفض الاستسلام له. صوتٌ يصر على الأمل، رغم كل الأسباب التي تدعو إلى اليأس.

صوت من داخل الضجيج ليس مجرد كتاب سياسي بل هو وثيقة نفسية تعكس حالة المجتمع العراقي. إنه دعوة إلى الاستماع إلى الصوت الداخلي وإلى مواجهة الحقائق، وإلى العمل على التغيير من الداخل.


*****


ندوة في منتدى بيتنا الثقافي استضافت خليل فاضل خليل، ناقشت رحلته بين المسرح والكاميرا، وتحولات الأداء والتمثيل، ودور الفن والمؤسسات في قراءة واقع المشهد الفني العراقي ومستقبله الثقافي المعاصر المقبل.



رحلة فنان يقرأ المستقبل... من خشبة المسرح إلى عدسة الكاميرا


احتضن منتدى بيتنا الثقافي في ساحة الأندلس ببغداد ندوة فنية استثنائية استضاف فيها الفنان خليل فاضل خليل، بحضور نخبة من المثقفين والفنانين والمهتمين بالشأن المسرحي والدرامي، في لقاء تجاوز حدود السرد التقليدي للتجربة، ليغدو قراءة عميقة لمسارات الفن وتحولاته وآفاقه المقبلة.

الفنان خليل فاضل خليل قدّم في الندوة تأمّلًا معمّقًا في رحلته الإبداعية الممتدة بين المسرح والتلفزيون والسينما، متوقفًا عند التحولات التي رافقت انتقاله من خشبة المسرح إلى الشاشة، وما فرضته هذه التحولات من إعادة صياغة للأداء والرؤية والتكوين المهني. لم يكن الحديث استعادةً لمسار شخصي فحسب، بل محاولة لقراءة المشهد الفني العراقي في سياقاته الثقافية والإنتاجية والتعليمية، وما يعتريه من إشكاليات وتحديات.

الندوة التي أدارها الدكتور زهير البياتي اتسمت بحيوية واضحة، إذ نجح في تنظيم محاور النقاش وفتح مساحات للحوار العميق، عبر أسئلة ومداخلات أسهمت في تفكيك العلاقة المعقدة بين الممثل والخشبة والكاميرا، وفي إبراز خصوصية التجربة العراقية في الانتقال بين المسرح والشاشة. كما تطرّق الحوار إلى دور المؤسسات التعليمية والبيئة الإنتاجية في بناء الممثل، وإلى واقع التمثيل العراقي وتحولاته المعاصرة في ظل التطور التكنولوجي والتغيرات الثقافية المتسارعة.

وشهدت الجلسة حوارًا مفتوحًا مع الحضور، اتسم بعمق الأسئلة وجرأتها، وتركّز على دور الفنان في المجتمع، وأهمية المسرح بوصفه القاعدة الأساسية لتكوين الممثل، فضلًا عن إمكانات التكامل بين المسرح والتلفزيون والسينما بوصفها مسارات متداخلة لا متنافسة في المرحلة المقبلة.



وفي ختام اللقاء، قدّمت السيدة سهيلة الأعسم شهادة تقديرية للفنان خليل فاضل خليل، تعبيرًا عن تقدير المنتدى لمسيرته الفنية وإسهاماته في إثراء المشهد الثقافي والفني العراقي، في لحظة جسّدت روح الاعتراف بقيمة التجربة والالتزام الفني.

الفنان خليل فاضل خليل عبّر، في تدوينة لاحقة، عن سعادته بهذه الندوة، مؤكدًا أن الحوار مع جمهور واعٍ ومهتم يمنح للفن معناه الأعمق، ويعيد له حيويته المتجددة. كما ثمّن إدارة الجلسة والاستضافة، مشددًا على أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات الثقافية التي تُبقي الفن حاضرًا في الوجدان، وتفتح أبواب التفكير في مستقبله بوصفه فعلًا إنسانيًا ومعرفيًا قبل أن يكون عرضًا على خشبة أو شاشة.


*****


جلسة فكرية في منتدى نازك الملائكة أعادت قراءة التاريخ الثقافي العراقي، مستذكرة نقاداً ومثقفين أنصفوا حضور المرأة بوصفها شريكاً فاعلاً في الأدب والحياة.



حين تُنصف الذاكرةُ صوتَ المرأة

منتدى نازك الملائكة يستعيد أعلاماً عراقيين دافعوا عن حضور المرأة في الأدب والحياة

تحرير وتصوير/ غسان عادل

احتفى منتدى نازك الملائكة في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق بإنجازات المرأة العراقية، عبر جلسة فكرية حملت عنوان "أعلام عراقيون أنصفوا جهود المرأة العراقية"، قدّمتها الناقدة والأكاديمية د. نادية العزاوي، بحضور نخبة من الأدباء والنقاد والمثقفين.

الجلسة، التي عُقدت يوم السبت 17 كانون الثاني 2025، لم تكن مجرد محاضرة توثيقية، بل محاولة واعية لإعادة قراءة التاريخ الثقافي العراقي من زاوية الإنصاف، وتسليط الضوء على أسماء ومواقف نقدية أسهمت في تثبيت حضور المرأة بوصفها فاعلاً أساسياً في المشهد الأدبي والفكري، لا ظلاً تابعاً أو هامشاً منسياً.

في مستهل الجلسة، قدّمت مديرة المنتدى الشاعرة غرام الربيعي المحاضِرة بوصفها صوتاً نقدياً معروفاً بصرامته المنهجية ووعيه العميق بالمنجز النسوي، مؤكدة أن تجربة العزاوي لا تنطلق من المجاملة، بل من قراءة معرفية توازن بين التاريخ والنص والواقع.

أما د. نادية العزاوي، فقد أوضحت منذ البداية أن ورقتها تنطلق من تصوّر إيجابي راسخ يؤمن بأن جهود المرأة العراقية لم تكن مرفوضة أو مهمَّشة كما يُشاع أحياناً، بل لاقت عبر التاريخ العربي والعراقي عناية واضحة، مستشهدة بكتابات الجاحظ التي حفلت بأحاديث النساء، وبكتاب طبقات الشعراء لابن المعتز، الذي لم يتجاوز حضور الشاعرات البارزات في عصره.

واستعادت العزاوي، خلال محاضرتها، أسماء نقّاد ومثقفين عراقيين أسهموا في قراءة تجربة المرأة بوصفها تجربة إنسانية كاملة، لا مجرّد "استثناء"، من بينهم: علي جواد الطاهر، صبيحة الشيخ داوود، كوركيس عواد، مير بصري، عبد الزهرة عمارة، ونبيل العطية، مشيرة إلى أن كتاباتهم وثّقت مخاضات المرأة العراقية في أدوارها المتعددة: الشاعرة، الطبيبة، المهندسة، الفنانة، الأم، والمحقّقة، عبر عقود طويلة من التحوّلات الاجتماعية والثقافية.

وأكدت أن المرأة العراقية لم تكن يوماً خارج متن الأدب، بل شاركت في صياغته كتابةً وغناءً وتخطيطاً وإبداعاً، ونجحت في اقتحام حقول معرفية وفكرية متنوعة، مثبتة حضورها بوصفها شريكاً في صناعة الثقافة لا متلقية لها فقط.

وفي مداخلة لافتة، وصف رئيس الاتحاد الشاعر د. عارف الساعدي الجلسة بأنها واحدة من الأصبوحات التي ستظل عالقة في ذاكرة الاتحاد، داعياً د. العزاوي إلى تطوير محاضرتها وجمعها في كتاب تتبناه منشورات الاتحاد، لما تحمله من قيمة توثيقية ومعرفية، معتبراً إياها "وثيقة ثقافية" تستحق التداول في معارض الكتاب داخل العراق وخارجه.

واختُتمت الجلسة بسلسلة مداخلات للأمين العام لاتحاد الأدباء الشاعر عمر السراي، والناقد علي الفواز، والأديبة خيال الجواهري، والباحث مفيد الجزائري، والكاتب د. عماد الجواهري، وغيرهم، أجمعوا فيها على أن الحديث عن المرأة العراقية ليس ترفاً ثقافياً ولا موضوعاً ثانوياً، بل مدخلاً أساسياً لفهم الذاكرة الثقافية العراقية، مشيدين بدور منتدى نازك الملائكة في إعادة الاعتبار لرموز أنصفت المرأة عبر التاريخ. هكذا، لم تكن الجلسة مجرد احتفاء، بل محاولة لاستعادة سردية أكثر عدلاً، تُعيد المرأة العراقية إلى موقعها الطبيعي: في القلب من الحكاية، لا في هوامشها.


*****

فيصل لعيبي فنان تشكيلي عراقي جعل من الفن شهادة على الذاكرة والهوية، وحوّل تفاصيل الحياة والتراث إلى لغة بصرية إنسانية تقاوم العنف وتؤمن بالجمال.



فيصل لعيبي.. سيرة فنان يرسم الذاكرة ويقاوم القسوة باللون


منذ أكثر من ستة عقود، يمضي الفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي في رحلة فنية طويلة، جعل فيها من اللوحة والمنحوتة مساحة لاستعادة الذاكرة العراقية، ومواجهة العنف والقسوة، وتأكيد الهوية في زمن التشظي. فمن البصرة، حيث ولد عام 1945، إلى بغداد التي تخرج في معهد الفنون الجميلة فيها عام 1968، ثم إلى منافي أوروبا بين باريس ولندن، ظل لعيبي وفياً لفكرة جوهرية: الفن ليس مهارة شكلية، بل شهادة وجود ومعنى.

في أعماله، يبدو الماضي حيًّا، نابضاً بالألوان والخطوط، كأنه يستعاد من زمن بعيد ليحاور الحاضر. ورغم انتمائه الواضح إلى الواقعية، فإن واقعيته لا تقف عند حدود النقل، بل تتجاوزها إلى بناء عالم رمزي كثيف، محمّل بالدلالات الثقافية والإنسانية. هكذا تتحول الحياة اليومية - الحلاق، القصاب، الخياط، الأسواق، الطقوس الصغيرة - إلى مشاهد ذات بعد جمالي وفلسفي، تُرى وكأنها للمرة الأولى.

يرى فيصل لعيبي أن الفنان الحقيقي هو شاهد على عصره، لا يمارس الفن بوصفه حرفة، بل رسالة حضارية. فالفن، في نظره، لغة إنسانية كونية، تحمل موقفاً من الزمان والمكان، وتؤكد حضور الذات والهوية. ومن هذا المنطلق، ظل عمله مرتبطاً بالعراق، حتى وهو يعيش خارجه؛ إذ لم تكن الغربة انفصالاً، بل أداة لاكتشاف الذات وإعادة قراءة الجذور.



سنوات المنفى الأوروبي أتاحت له الاحتكاك المباشر بروائع الفن العالمي، من لوحات دافنشي وتماثيل مايكل أنجلو، إلى أعمال بيكاسو وجاكوميتي وهنري مور. غير أن تلك التجربة، على غناها، أعادته في النهاية إلى سؤال الهوية، وأيقظت داخله وعياً جديداً بقيمة التراث العراقي وحضاراته المتعاقبة.

في تخطيطاته وسكتشاته بالأبيض والأسود، يستحضر صاحي التاريخ العراقي بوصفه مأساة إنسانية مفتوحة. فاللون الأسود، كما يقول، ليس اختياراً شكلياً، بل رمز لرفض العنف والقمع والدموية التي طبعت تاريخ المنطقة. أعماله هنا تراجيدية بامتياز، لكنها لا تخلو من موقف أخلاقي واضح: الفن يجب أن يكون منحازاً للإنسان، حتى حين يرسم الهزائم والانكسارات.

تتغذى تجربة فيصل لعيبي من التراث العربي والإسلامي، ومن حضارات وادي الرافدين، من دون أن تنغلق على الماضي. في أعماله التي تستلهم الحرف والمدينة - بغداد، البصرة، الكوفة - يحاول اختزال القيمة المعرفية والحضارية لهذه الأمكنة في لغة بصرية مكثفة. وهو في ذلك يقترب من روح جماعة بغداد للفن الحديث، التي يرى فيها الامتداد الأقرب لفهمه لدور الفن في مجتمع مثقل بالجراح.

إلى جانب الرسم، خاض صاحي تجربة النحت، متأخراً زمنياً، لكنها عميقة دلالياً. في منحوتاته، لا تقل أهمية الفراغ عن الكتلة، بل يصبح جزءاً من المعنى. وفي مشروعه المستلهم من "ملحمة جلجامش"، تتجسد الفكرة في أعمال شفافة، صُممت لتكون نصُباً ليلية، تتفاعل مع الضوء والحركة، في إشارة إلى الصراع الأبدي بين الوجود والعدم.



يرى فيصل لعيبي أن منطقة الخليج تمثل اليوم واحدة من أنشط الأسواق الفنية في العالم العربي، مع تنامي حركة الاقتناء وظهور جامعي الأعمال الفنية. غير أنه يبدي قلقه من هيمنة الهوس بكل ما هو غربي، على حساب دعم الفنانين العرب، مؤكداً أن النهضة الثقافية الحقيقية لا تصنعها العمارة والتقنيات وحدها، بل الوعي والإرادة والاستثمار في الإنسان.

في خلاصة تجربته، يبدو فيصل لعيبي فناناً يراهن على الفن بوصفه "بلسم الروح" وسلاحاً ناعماً للتغيير. ورغم ما يراه من تراجع في القيم الإنسانية وسط عالم يعج بالعنف والصور المفزعة، فإنه لا يزال يؤمن بأن اللوحة والموسيقى والقصيدة قادرة على جمع البشر حول معنى واحد: البحث عن الجمال، والتمسك بالإنسان.

المصدر: الجزيرة

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.