الأحد، 1 فبراير 2026

الرئيسية فيصل لعيبي.. سيرة فنان يرسم الذاكرة ويقاوم القسوة باللون

فيصل لعيبي.. سيرة فنان يرسم الذاكرة ويقاوم القسوة باللون

فيصل لعيبي فنان تشكيلي عراقي جعل من الفن شهادة على الذاكرة والهوية، وحوّل تفاصيل الحياة والتراث إلى لغة بصرية إنسانية تقاوم العنف وتؤمن بالجمال.

فيصل لعيبي.. سيرة فنان يرسم الذاكرة ويقاوم القسوة باللون

منذ أكثر من ستة عقود، يمضي الفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي في رحلة فنية طويلة، جعل فيها من اللوحة والمنحوتة مساحة لاستعادة الذاكرة العراقية، ومواجهة العنف والقسوة، وتأكيد الهوية في زمن التشظي. فمن البصرة، حيث ولد عام 1945، إلى بغداد التي تخرج في معهد الفنون الجميلة فيها عام 1968، ثم إلى منافي أوروبا بين باريس ولندن، ظل لعيبي وفياً لفكرة جوهرية: الفن ليس مهارة شكلية، بل شهادة وجود ومعنى.

في أعماله، يبدو الماضي حيًّا، نابضاً بالألوان والخطوط، كأنه يستعاد من زمن بعيد ليحاور الحاضر. ورغم انتمائه الواضح إلى الواقعية، فإن واقعيته لا تقف عند حدود النقل، بل تتجاوزها إلى بناء عالم رمزي كثيف، محمّل بالدلالات الثقافية والإنسانية. هكذا تتحول الحياة اليومية - الحلاق، القصاب، الخياط، الأسواق، الطقوس الصغيرة - إلى مشاهد ذات بعد جمالي وفلسفي، تُرى وكأنها للمرة الأولى.

يرى فيصل لعيبي أن الفنان الحقيقي هو شاهد على عصره، لا يمارس الفن بوصفه حرفة، بل رسالة حضارية. فالفن، في نظره، لغة إنسانية كونية، تحمل موقفاً من الزمان والمكان، وتؤكد حضور الذات والهوية. ومن هذا المنطلق، ظل عمله مرتبطاً بالعراق، حتى وهو يعيش خارجه؛ إذ لم تكن الغربة انفصالاً، بل أداة لاكتشاف الذات وإعادة قراءة الجذور.


سنوات المنفى الأوروبي أتاحت له الاحتكاك المباشر بروائع الفن العالمي، من لوحات دافنشي وتماثيل مايكل أنجلو، إلى أعمال بيكاسو وجاكوميتي وهنري مور. غير أن تلك التجربة، على غناها، أعادته في النهاية إلى سؤال الهوية، وأيقظت داخله وعياً جديداً بقيمة التراث العراقي وحضاراته المتعاقبة.

في تخطيطاته وسكتشاته بالأبيض والأسود، يستحضر صاحي التاريخ العراقي بوصفه مأساة إنسانية مفتوحة. فاللون الأسود، كما يقول، ليس اختياراً شكلياً، بل رمز لرفض العنف والقمع والدموية التي طبعت تاريخ المنطقة. أعماله هنا تراجيدية بامتياز، لكنها لا تخلو من موقف أخلاقي واضح: الفن يجب أن يكون منحازاً للإنسان، حتى حين يرسم الهزائم والانكسارات.

تتغذى تجربة فيصل لعيبي من التراث العربي والإسلامي، ومن حضارات وادي الرافدين، من دون أن تنغلق على الماضي. في أعماله التي تستلهم الحرف والمدينة - بغداد، البصرة، الكوفة - يحاول اختزال القيمة المعرفية والحضارية لهذه الأمكنة في لغة بصرية مكثفة. وهو في ذلك يقترب من روح جماعة بغداد للفن الحديث، التي يرى فيها الامتداد الأقرب لفهمه لدور الفن في مجتمع مثقل بالجراح.

إلى جانب الرسم، خاض صاحي تجربة النحت، متأخراً زمنياً، لكنها عميقة دلالياً. في منحوتاته، لا تقل أهمية الفراغ عن الكتلة، بل يصبح جزءاً من المعنى. وفي مشروعه المستلهم من "ملحمة جلجامش"، تتجسد الفكرة في أعمال شفافة، صُممت لتكون نصُباً ليلية، تتفاعل مع الضوء والحركة، في إشارة إلى الصراع الأبدي بين الوجود والعدم.

يرى فيصل لعيبي أن منطقة الخليج تمثل اليوم واحدة من أنشط الأسواق الفنية في العالم العربي، مع تنامي حركة الاقتناء وظهور جامعي الأعمال الفنية. غير أنه يبدي قلقه من هيمنة الهوس بكل ما هو غربي، على حساب دعم الفنانين العرب، مؤكداً أن النهضة الثقافية الحقيقية لا تصنعها العمارة والتقنيات وحدها، بل الوعي والإرادة والاستثمار في الإنسان.

في خلاصة تجربته، يبدو فيصل لعيبي فناناً يراهن على الفن بوصفه "بلسم الروح" وسلاحاً ناعماً للتغيير. ورغم ما يراه من تراجع في القيم الإنسانية وسط عالم يعج بالعنف والصور المفزعة، فإنه لا يزال يؤمن بأن اللوحة والموسيقى والقصيدة قادرة على جمع البشر حول معنى واحد: البحث عن الجمال، والتمسك بالإنسان.

المصدر: الجزيرة

 

 

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.