قصة صحفية توثق نزوحاً بيئياً صامتاً في جنوب العراق، حيث يدفع الجفاف وتغير المناخ آلاف العائلات للرحيل بلا حرب، كاشفة هشاشة الحلول وضغط النزوح الجديد على المدن واستدامة الموارد المائية.
نزوح بلا حرب… حين تدفع الحياة العراقيين إلى الرحيل
لم يكن أحمد،
الأربعيني القادم من أطراف أهوار الجبايش، يظن أن رحلته الأخيرة ستكون بلا صوت
رصاص أو هدير تفجيرات. خرج من قريته بهدوء يشبه الانكسار، حاملاً أطفاله الثلاثة،
تاركاً خلفه زورقاً يابساً، وبقعة ماء تحوّلت إلى طين متشقق. يقول: "لم نهرب
من حرب، هربنا من العطش".
على مدى
عقدين، ارتبط النزوح في العراق بالحروب والصراعات المسلحة، غير أن خريطة التهجير
تغيّرت اليوم. فبينما تُغلق بعض المخيمات في شمال البلاد إيذاناً بانحسار موجات
النزوح القديمة، تفتح في الجنوب فصول جديدة من الهجرة القسرية، عنوانها الجفاف
والتغير المناخي، لا السلاح.
تؤكد وزارة
الهجرة والمهجرين أن أعداد النازحين في مخيمات إقليم كردستان تراجعت إلى نحو 20
ألف أسرة فقط، بعد أن كانت أضعاف ذلك في سنوات سابقة. وتُرجع الوزارة هذا الانخفاض
إلى ما تسميه "تقدماً في مسار العودة الطوعية"، مدعوماً بسياسات إنسانية
واقتصادية تهدف إلى إعادة الأسر إلى مناطقها الأصلية أو دمجها في مجتمعات جديدة.
وعلى الورق، يبدو المشهد مطمئناً، وكأن ملف النزوح يقترب من نهايته.
في محافظة ذي
قار وحدها، نزحت أكثر من 10 آلاف عائلة خلال السنوات الأخيرة، لا بسبب المعارك، بل
نتيجة جفاف طال نحو 90 في المئة من مساحات الأهوار، وتسبّب في فقدان آلاف الأسر
مصادر رزقها المرتبطة بالزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي. هنا، لا توجد مخيمات
منظمة ولا خطط عودة واضحة، بل انتقال صامت إلى أطراف المدن، أو هجرة مضنية نحو
محافظات أخرى بحثاً عن عمل موسمي.
تجلس أم حسين،
القادمة من ناحية الفهود، أمام بيت طيني مستأجر في أطراف مدينة الناصرية. تتحدث عن
قريتها كما لو كانت حلماً بعيداً: "الماء كان حياتنا.. لما انتهى، انتهينا
نحن". أطفالها تركوا مدارسهم لعام كامل، وزوجها يعمل بالأجر اليومي، فيما
تتقاسم العائلة سلة غذائية لا تكفي شهراً.
يحذّر مسؤولون
محليون من أن هذا النوع من النزوح "الأكثر هشاشة" قد يتفاقم مع استمرار
الأزمة المائية، خصوصاً مع تراجع دعم المنظمات الدولية بعد انتهاء مهام بعثة الأمم
المتحدة لمساعدة العراق. فالنزوح البيئي لا يهدد الأسر المتضررة وحدها، بل يضغط
أيضاً على المدن المستقبِلة، ويخلق تحديات اجتماعية واقتصادية وأمنية متداخلة.
المفارقة أن
العراق يعيش اليوم نزوحين متوازيين: أحدهما يتجه إلى الانغلاق بعد سنوات من
المعاناة، وآخر في طور التشكل، أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً في الحلول. ففي حين
تُؤجَّل عودة بعض العائلات في الشمال بسبب ارتباط أبنائها بالمدارس، تُؤجَّل عودة
عائلات الجنوب إلى أجل غير مسمى بانتظار عودة الماء نفسه.
لا يزال أحمد
يحتفظ بمفتاح بيته القديم، رغم معرفته أن الأبواب الخشبية هناك ربما سقطت منذ زمن.
يقول وهو ينظر إلى أطفاله: "إذا عاد الماء، نعود.. غير هذا، لا شيء نرجع
إليه". بين نزوح انتهى ونزوح يتوسع، يقف العراق أمام سؤال مفتوح: هل يمكن
إغلاق ملف النزوح فعلاً، ما دام الجفاف قادراً على تهجير الناس بصمت، وبقسوة لا
تقل عن الحروب؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق