الأحد، 26 أبريل 2026

الرئيسية صدمة الحرب.. اقتصاد الشرق الأوسط على حافة المجهول

صدمة الحرب.. اقتصاد الشرق الأوسط على حافة المجهول

تقرير تحليلي يستعرض تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على اقتصادات المنطقة، مسلطًا الضوء على صدمة الطاقة وتراجع النمو وتصاعد المخاطر المالية والإنسانية.


صدمة الحرب.. اقتصاد الشرق الأوسط على حافة المجهول

مجلة دجلة الخير – وكالات

في لحظة إقليمية مشبعة بالقلق والترقب، لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي يضرب عمق المنطقة ويعيد رسم ملامح مستقبلها. هكذا يصف خبراء صندوق النقد الدولي المشهد، مؤكدين أن ما يحدث اليوم يمثل "صدمة غير مسبوقة" لاقتصادات لطالما سعت إلى التوازن بين الاستقرار والنمو.

في مقابلة خاصة مع وكالة فرانس برس، يوضح مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور أن تداعيات النزاع تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة، لتصل إلى صلب النشاط الاقتصادي في المنطقة. فمع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، باتت أسواق الطاقة، التي تُعد شريان الحياة لدول الخليج، تحت ضغط غير مسبوق.

الأرقام تعكس حجم الصدمة. فقد تم خفض توقعات النمو الاقتصادي لدول المنطقة إلى النصف تقريبًا مقارنة بالتقديرات السابقة، لتستقر عند حدود 2% فقط بحلول عام 2026. هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن الواقع، إذ تشير إلى تباطؤ حاد في اقتصادات تعتمد بشكل كبير على تصدير النفط والغاز، وهي موارد تعرضت بدورها لهزات مباشرة نتيجة الصراع.

أحد أبرز مظاهر هذه الأزمة يتمثل في اضطراب إمدادات الطاقة. فالهجمات المتبادلة والإغلاقات الوقائية أدت إلى فقدان طاقة إنتاجية تُقدّر بأكثر من عشرة ملايين برميل نفط يوميًا، إضافة إلى نحو 500 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. هذا الانخفاض لا ينعكس فقط على عائدات الدول المنتجة، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية، مهددًا بارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط التضخمية.

قطر، التي تعد من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، تقف في قلب هذه العاصفة. فبحسب تقديرات صندوق النقد، سجلت أكبر تراجع في توقعات النمو، مع انكماش متوقع يصل إلى 8.6% خلال العام الجاري. ورغم أن التوقعات تشير إلى احتمال التعافي بحلول عام 2027، إلا أن ذلك يبقى مرهونًا بفرضية تسوية سريعة للنزاع، وهي فرضية تبدو بعيدة المنال في ظل تعقيدات المشهد السياسي.

ولا تقتصر التأثيرات على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى مثل النقل الجوي والسياحة والتجارة، وهي مجالات راهنت عليها دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط. ومع تصاعد التوترات، تراجعت حركة السفر، وتقلصت الاستثمارات، وبدأت رؤوس الأموال في البحث عن ملاذات أكثر أمانًا.

ورغم هذه الصورة القاتمة، يشير أزعور إلى أن "الوضع لا يزال تحت السيطرة"، مستندًا إلى قدرة بعض الدول على امتصاص الصدمات بفضل احتياطاتها المالية الكبيرة. إلا أن هذه القدرة ليست متساوية بين جميع الدول، إذ تواجه الاقتصادات الأقل مرونة تحديات أكبر في مواجهة التراجع الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وخروج بعض رؤوس الأموال.

في المقابل، تبدو دول مثل السعودية والإمارات وعُمان أكثر قدرة على الحفاظ على نمو إيجابي، وإن كان بوتيرة أبطأ. ويعزى ذلك إلى تنوع نسبي في مصادر الدخل، إضافة إلى سياسات مالية أكثر مرونة. ومع ذلك، تبقى هذه الدول عرضة لتقلبات المشهد الإقليمي، ما يجعل مستقبلها الاقتصادي مرتبطًا بشكل وثيق بمآلات الصراع.

أما خارج دائرة الدول النفطية، فإن تداعيات الحرب تتخذ أبعادًا أكثر تعقيدًا. ففي دول مثل مصر والأردن ولبنان، التي تعتمد بشكل كبير على تحويلات العاملين في الخليج، يشكل أي تراجع في هذه التحويلات تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي. وتشير التقديرات إلى أن هذه التحويلات تمثل ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض هذه الدول.

لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة، يواجه صدمة "مباشرة" نتيجة استمرار المواجهات بين حزب الله وإسرائيل. فبعد تسجيل نمو متواضع بلغ 4% في عام 2025، عاد الاقتصاد اللبناني إلى دائرة الغموض، من دون وجود توقعات واضحة للعام الحالي. ومع تضرر البنية التحتية واستمرار العمليات العسكرية في الجنوب، تبدو آفاق التعافي بعيدة المنال.

ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، إذ يحذر خبراء من أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في الدول الأكثر هشاشة، مثل السودان واليمن، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. كما أن زيادة معدلات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة قد تعمق أزمات الديون في دول تعاني أصلًا من ضغوط مالية.

في النهاية، يبدو أن العامل الحاسم في تحديد مستقبل اقتصادات المنطقة هو "الزمن". فكلما طال أمد النزاع، زادت كلفته الاقتصادية، وتعمقت آثاره السلبية. وبينما يترقب الجميع مخرجًا سياسيًا يعيد الاستقرار، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الاقتصاد، كعادته، هو أول من يدفع الثمن.. وآخر من يتعافى.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.