الأحد، 26 أبريل 2026

الرئيسية من بغداد إلى نيويورك: كيف تُدار عائدات النفط العراقي بين إرث الديون وأسئلة السيادة؟

من بغداد إلى نيويورك: كيف تُدار عائدات النفط العراقي بين إرث الديون وأسئلة السيادة؟

يتناول التحقيق إدارة عائدات النفط العراقي بعد 2003، بين حماية دولية وديون متراكمة، واستمرار الإيداع في نيويورك، وتأثير ذلك على السيادة والقرار المالي الوطني العام.

 

من بغداد إلى نيويورك: كيف تُدار عائدات النفط العراقي بين إرث الديون وأسئلة السيادة؟

تحقيق مجلة دجلة الخير – خاص

منذ أكثر من عقدين، لم تعد عائدات النفط العراقي تُدار داخل حدود البلاد فحسب، بل أصبحت جزءًا من منظومة مالية دولية معقدة نشأت في أعقاب عام 2003. هذه المنظومة، التي تأسست بقرار دولي وبإشراف متعدد الأطراف، كان هدفها المعلن حماية الموارد العراقية من الديون والدعاوى القضائية، وضمان استخدامها في إعادة بناء الدولة.

لكن، وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا، يطرح هذا الواقع أسئلة جوهرية: هل ما زالت تلك الترتيبات ضرورة اقتصادية؟ أم تحولت إلى نمط دائم يقيّد القرار المالي العراقي؟ وكيف يرتبط ذلك بملف ديون العراق قبل وبعد 2003؟

هذا التحقيق يتتبع جذور هذه القصة، من تراكم الديون، إلى إنشاء صندوق تنمية العراق، وصولًا إلى استمرار إدارة جزء من الإيرادات النفطية عبر حسابات خارجية، وتحديدًا في الولايات المتحدة.

قبل عام 2003، كان العراق واحدًا من أكثر الدول مديونية في العالم. فقد تراكمت عليه ديون ضخمة نتيجة الحروب، خصوصًا الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، ثم غزو الكويت عام 1990، وما تبعه من عقوبات اقتصادية قاسية استمرت لسنوات.

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إجمالي الالتزامات الخارجية للعراق تراوح بين 121 و152 مليار دولار، بينما قدّر نادي باريس إجمالي الدين العام بنحو 125 مليار دولار بحلول نهاية عام 2003.

لم تكن هذه الديون مجرد أرقام، بل كانت تمثل تهديدًا مباشرًا لأي أصول مالية عراقية في الخارج، إذ كانت عرضة للحجز من قبل الدائنين، في ظل غياب منظومة مالية مستقرة أو حماية قانونية فعالة.

في أعقاب سقوط النظام السابق، تدخل المجتمع الدولي لإعادة تنظيم إدارة الموارد العراقية. وكان أبرز هذه التدخلات صدور القرار 1483 عن مجلس الأمن الدولي في أيار 2003، والذي نص على إنشاء صندوق تنمية العراق.

هذا الصندوق لم يكن مجرد حساب مالي، بل كان آلية مركزية تُودع فيها جميع عائدات النفط والغاز، وتخضع لرقابة دولية. وبموجب هذا القرار، أصبحت إيرادات العراق النفطية تُدار ضمن إطار دولي يهدف إلى الشفافية وحماية الأموال.

في السياق نفسه، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الأمر التنفيذي 13303، الذي منح حماية قانونية واسعة للنفط العراقي وعائداته، مانعًا إخضاعها للحجز أو الإجراءات القضائية.

ضمن هذه الترتيبات، تم إيداع عائدات النفط العراقي في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. لم يكن اختيار نيويورك عشوائيًا، بل استند إلى عدة عوامل:

أولًا، أن تجارة النفط العالمية تتم بالدولار، ما يجعل وجود الحساب داخل النظام المالي الأميركي أمرًا عمليًا.

ثانيًا، أن هذا الترتيب يوفر حماية قانونية للأموال ضمن الإطار الذي أنشأه الأمر التنفيذي الأميركي.

ثالثًا، أنه يتيح مستوى أعلى من الرقابة والتدقيق، حيث خضع صندوق تنمية العراق لمراجعات مالية مستقلة.

وتؤكد تقارير مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية أن عائدات النفط كانت تُودع في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ضمن ما يُعرف بـ"حساب استلام عائدات النفط".

في عام 2004، تم التوصل إلى اتفاق تاريخي مع نادي باريس، قضى بشطب 80% من ديون العراق على ثلاث مراحل. وبحسب البيانات الرسمية، تم تخفيض ديون العراق لدى دول النادي من 38.9 مليار دولار إلى نحو 7.8 مليار دولار فقط. هذا الاتفاق، إلى جانب تسويات أخرى مع دائنين من خارج نادي باريس، أدى إلى تقليص كبير في عبء الدين الخارجي، وفتح المجال أمام العراق للعودة إلى الأسواق المالية الدولية.

في عام 2014، ألغت الولايات المتحدة الحصانة القانونية الخاصة التي كانت تتمتع بها أموال صندوق تنمية العراق، ما كان يُفترض أن يمثل نهاية مرحلة "الحماية الاستثنائية". لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا. فبحسب تقارير EITI، استمرت عائدات النفط العراقي تُودع في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وإن ضمن ترتيبات جديدة يديرها البنك المركزي العراقي نيابة عن وزارة المالية. كما تُظهر البيانات الرسمية للبنك المركزي وجود ودائع واحتياطيات لدى البنك ذاته، ما يشير إلى استمرار العلاقة المصرفية مع النظام المالي الأميركي.

رغم شطب جزء كبير من الديون بعد 2003، إلا أن الدين العام للعراق عاد للارتفاع خلال السنوات اللاحقة، خاصة بعد 2014، نتيجة الحرب ضد تنظيم داعش، وتراجع أسعار النفط. وبحسب صندوق النقد الدولي، بلغ الدين العام للعراق نحو 44% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023. لكن الفارق هذه المرة أن الجزء الأكبر من الدين أصبح داخليًا، ما يعكس تحولًا في بنية الدين، من اعتماد على القروض الخارجية إلى تمويل داخلي للعجز.

يثير استمرار إدارة عائدات النفط عبر حسابات خارجية تساؤلات حول السيادة المالية للعراق. فبينما يرى البعض أن هذا الترتيب يمثل امتدادًا لمرحلة ما بعد 2003، ويحدّ من استقلال القرار المالي، يرى آخرون أنه ضرورة عملية ضمن النظام المالي العالمي.

في الواقع، لا يمكن فصل هذا الملف عن طبيعة الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بشكل كبير على النفط، ويعمل ضمن نظام دولي تهيمن عليه العملة الأميركية. وبالتالي، فإن وجود الحسابات في نيويورك قد يكون انعكاسًا لهذا الواقع، بقدر ما هو امتداد لترتيبات سابقة.

بعد أكثر من عشرين عامًا على إنشاء صندوق تنمية العراق، لا تزال عائدات النفط تُدار ضمن منظومة دولية، وإن بصيغ مختلفة. وبينما نجح العراق في تخفيف عبء ديونه الخارجية، فإنه ما زال يواجه تحديات في إدارة موارده المالية، وتحقيق توازن بين الشفافية والسيادة.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل حان الوقت لإعادة النظر في هذه الترتيبات؟ أم أن استمرارها يمثل خيارًا واقعيًا في ظل الاقتصاد العالمي الحالي؟

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.