يتناول المقال
تعثر التحول السياسي في العراق بعد 2003 بسبب المحاصصة، التدخلات الخارجية،
والاقتصاد الريعي، مؤكداً ضرورة إصلاح شامل لبناء دولة فعالة.
الانتقال
الصعب 2003.. كيف أعاقت التوازنات ولادة مشروع وطني؟
محمد البغدادي
منذ سقوط نظام
صدام حسين عام 2003، واجه العراق لحظة تاريخية كان يُفترض أن تؤسس لولادة نظام
سياسي جديد أكثر عدلاً وتمثيلاً. غير أن مسار التحول لم يُفضِ إلى “بديل” مستقر
يضمن حقوق العراقيين بشكل متوازن، بل دخلت البلاد في حالة من التعثر المزمن. لفهم
ذلك بإنصاف، لا بد من قراءة المشهد بعيداً عن التبسيط أو الإدانة المطلقة.
انتقال معقد
لا فراغ مطلق
لم يكن العراق
أمام صفحة بيضاء، بل أمام دولة منهكة بحروب طويلة، وعقوبات، وبنية مؤسساتية مركزية
هشّة. انهيار الدولة السريع خلق فراغاً أمنياً وإدارياً كبيراً، ما جعل الأولوية
لدى القوى الصاعدة هي “إدارة الانهيار” أكثر من بناء بديل متكامل.
تعددية سياسية
بلا عقد جامع
القوى التي
تسلّمت المشهد لم تكن كتلة واحدة، بل أطياف متباينة في الرؤية والخبرة. بعضها حمل
مشروعاً سياسياً جزئياً، لكنه لم يكن كافياً لبناء دولة جامعة. غياب التوافق على
تعريف الدولة (مدنية/دينية، مركزية/لا مركزية) عطّل تشكّل بديل واضح، لكنه في
الوقت نفسه عكس واقعاً مجتمعياً متنوعاً لا يمكن تجاوزه بسهولة.
المحاصصة كحل
مرحلي تحوّل إلى عائق دائم
نظام تقاسم
السلطة بين المكونات جاء كآلية لطمأنة الجميع ومنع الإقصاء، لكنه مع الوقت ترسّخ
كنمط حكم دائم. هذه الصيغة وفّرت تمثيلاً نسبياً، لكنها أضعفت الكفاءة والمساءلة،
وأعاقت نشوء معارضة وطنية عابرة للهويات.
تأثير الخارج
وحدود الداخل
لا يمكن إغفال
دور الولايات المتحدة في تشكيل الإطار السياسي الأولي، ولا نفوذ إيران لاحقاً في
دعم قوى بعينها. لكن في المقابل، لم تكن القوى العراقية مجرد أدوات؛ بل اتخذت
خياراتها ضمن توازنات معقدة، أحياناً بدافع حماية الذات وأحياناً بدافع تعظيم
النفوذ.
الأمن كأولوية
على حساب الإصلاح
سنوات العنف
والصراع الطائفي، ثم مواجهة الإرهاب، جعلت الملف الأمني يتقدم على الإصلاح السياسي
والاقتصادي. هذا الترتيب مفهوم في سياق الخطر الوجودي، لكنه أرجأ بناء مؤسسات
راسخة وقواعد حكم رشيد.
فرص ضائعة
مقابل مكتسبات لا تُنكر
من الإنصاف
الإشارة إلى أن العراق شهد انتخابات دورية، وتداولاً نسبياً للسلطة، ومساحة
إعلامية أوسع من السابق. لكنها مكاسب لم تُستثمر بالكامل بسبب الفساد وضعف الإدارة
وتغوّل الأحزاب داخل الدولة.
الحراك الشعبي
وإشكالية التحوّل إلى بديل
الاحتجاجات،
خصوصاً منذ 2019، عبّرت عن وعي شعبي متقدم يطالب بدولة مواطنة. غير أن تحويل هذا
الزخم إلى قوة سياسية منظمة واجه عقبات, غياب القيادة الموحدة، ضعف الموارد، وضغط
البيئة السياسية القائمة.
الاقتصاد
الريعي كقيد بنيوي
اعتماد الدولة
على النفط عزّز نمطاً ريعياً يجعل السيطرة على السلطة طريقاً للثروة. هذا الواقع
يُضعف الحوافز للإصلاح ويقوّي شبكات الزبائنية، ما يعرقل أي بديل قائم على الإنتاج
والمساءلة.
خلاصة منصفة
تعثر البديل
السياسي في العراق ليس نتيجة عامل واحد أو فشل جهة بعينها، بل حصيلة تفاعل بين إرث
ثقيل، انتقال متسارع، تصميم مؤسسي إشكالي، تدخلات خارجية، وخيارات داخلية متفاوتة.
ومع ذلك، لا يزال الأفق مفتوحاً فوجود وعي مجتمعي متنامٍ، وخبرة سياسية تراكمت عبر
السنوات، يمكن أن يشكّلا قاعدة لبديل أكثر نضجاً—إذا ما توفرت إرادة لإصلاح قواعد
اللعبة نفسها، لا الاكتفاء بتغيير اللاعبين.
جعل العراق
بلداً قوياً ليس مسألة وصفة سريعة، بل مسار طويل يتطلب إصلاحات متوازنة في السياسة
والاقتصاد والأمن والمجتمع. القوة هنا تعني دولة قادرة، عادلة، ذات سيادة، وتمنح
مواطنيها فرصاً متكافئة.
العراق يحتاج
إلى تحييد نفسه عن صراعات المحاور، وبناء علاقات متوازنة مع الجميع، بما يحفظ
سيادته بين قوى مثل إيران والولايات المتحدة، دون الانجرار إلى التبعية. حصر
السلاح بيد الدولة، ودمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات رسمية منضبطة، مع عقيدة وطنية
موحدة. الاستثمار في الإنسان التعليم
والصحة تحديث المناهج وربطها بسوق العمل دعم الجامعات والبحث العلمي تحسين النظام
الصحي
الدولة القوية
تبدأ بمواطن قادر ومتعلم. تمكين الشباب وتحويل الاحتجاج إلى سياسة, فتح المجال
أمام قوى جديدة للدخول إلى العملية السياسية عبر قوانين انتخابات عادلة، ودعم
الأحزاب الناشئة، وتحويل الزخم الشعبي إلى برامج قابلة للحكم. عقد اجتماعي جديد ,
الاتفاق على قواعد مشتركة بين الدولة والمجتمع الحقوق مقابل الواجبات، والسلطة
مقابل المساءلة. هذا العقد هو الأساس لأي استقرار طويل الأمد.
قوة العراق لا
تأتي من مورد واحد أو قرار واحد، بل من إعادة بناء “قواعد اللعبة”: دولة مؤسسات،
اقتصاد متنوع، سيادة قانون، وسياسة خارجية متوازنة. التحدي ليس في معرفة ما يجب
فعله، بل في امتلاك الإرادة لتطبيقه بشكل تدريجي وثابت.
معضلة
التأسيس… الاستقرار بلا فعالية
نجح العراق
نسبياً في تثبيت إطار سياسي يمنع الانهيار الكامل، عبر آليات التوافق وتقاسم
السلطة. هذه الصيغة وفّرت تمثيلاً لمكونات المجتمع وخفّفت من مخاطر الإقصاء، لكنها
في المقابل أضعفت مركز القرار، وقيّدت قدرة الدولة على الحسم والتنفيذ. هكذا نشأت
مفارقة: نظام مستقر شكلياً، لكنه محدود الفاعلية.
الدولة القوية
تفترض احتكاراً مشروعاً للسلطة والقانون. في الحالة العراقية، تداخلت الدولة مع
الأحزاب، فتراجعت الحدود بين العام والخاص، وأصبحت مؤسسات الدولة امتداداً لنفوذ
سياسي. هذا لا يلغي مسؤولية الأحزاب، لكنه يعكس أيضاً غياب قواعد صارمة تفصل بين
“الحكم” و“الدولة”.
إن العراق
يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، لكن هذا المورد تحوّل إلى
عامل إضعاف مؤسسي. الاقتصاد الريعي يُنتج دولة توزيعية أكثر منها إنتاجية، ويخلق
علاقة زبائنية بين السلطة والمجتمع. القوة الحقيقية لا تأتي من حجم الموارد، بل من
تنوعها وقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة وفرص عمل.
لا يمكن قراءة
المشهد العراقي بمعزل عن تأثيرات الولايات المتحدة وإيران، وغيرهما من القوى
الإقليمية. لكن هذا التأثير، على أهميته، لا يفسر وحده حالة الضعف. فالدول القوية
تُعيد تعريف علاقاتها الخارجية وفق مصالحها، لا وفق ضغوط الآخرين. المشكلة في
العراق ليست وجود تدخلات فحسب، بل هشاشة الداخل في إدارتها.
رغم كل
التحديات، أظهر المجتمع العراقي قدرة متكررة على إعادة إنتاج الحيوية السياسية،
سواء عبر الانتخابات أو الاحتجاجات. هذا الوعي المتنامي يمثل رصيداً استراتيجياً،
لكنه لم يتحول بعد إلى قوة مؤسسية منظمة قادرة على إحداث التغيير من داخل النظام.
العراق لا
يفتقر إلى مقومات القوة، بل إلى آلية توظيفها. التحدي الحقيقي ليس في غياب الموارد
أو الإمكانات، بل في بنية النظام السياسي وطريقة إدارة الدولة. الانتقال من “دولة
التوازنات” إلى “دولة الفاعلية” يتطلب إصلاحاً تدريجياً عميقاً، يعيد تعريف
العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل التنوع من مصدر انقسام إلى مصدر قوة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق