دجلة الخير
مجلة إلكترونية شهرية عامة، تُدار من قبل نخبة من الصحافيين المتطوعين، وتسعى إلى تقديم محتوى إعلامي مهني يقوم على المصداقية والدقة في نقل الحقيقة.
تلتزم المجلة بأخلاقيات
المهنة الصحفية وفق مواثيق العمل الصحافي العالمية، وتضع احترام القارئ وحقه في
المعرفة في مقدمة أولوياتها.
تتمتع دجلة
الخير باستقلالية تامة، ولا تنتمي إلى أي جهة سياسية أو حزب، ما يمنحها حرية الطرح
وموضوعية التناول.
تهدف المجلة
إلى دعم القيم الإنسانية والحريات العامة، وترفض التطرف بجميع أشكاله، وتعمل على
تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح في المجتمع.
هيئة التحرير
د. حسين محمد
الفيحان
سلوان اليوسف
علي تحسين
الحياني
انس الشمري
محمد الجراح
محمد بغدادي
نوري حمدان
للتواصل معنا
mdkpress@gmail.com
*****
الافتتاحية
الصحافة بين
الإنسان والذكاء الاصطناعي
في عالمٍ
يتسارع فيه إيقاع التحولات، لم تعد الصحافة مجرد نقلٍ للأحداث، بل أصبحت ممارسةً
معرفيةً معقّدة، تتداخل فيها التكنولوجيا مع الوعي، والدقة مع المسؤولية، والإنسان
مع الآلة.
يأتي العدد
الثامن من مجلة دجلة الخير الإلكترونية الشهرية في لحظةٍ إقليمية ودولية حساسة،
تتقاطع فيها الأسئلة الكبرى حول السياسة والاقتصاد والمجتمع، من إدارة الثروات
الوطنية، إلى أزمات الأسواق، وصولاً إلى تحولات النظام الدولي وتداعياته على واقع
الإنسان العربي. وفي خضم هذا المشهد، تواصل المجلة التزامها بثوابتها المهنية:
المصداقية، والاستقلالية، واحترام عقل القارئ.
وفي إطار
مواكبة التطور التقني، تؤكد هيئة التحرير أنها استفادت من أدوات الذكاء الاصطناعي
بوصفها وسائل مساندة في العملية الصحفية، لا سيما في مجالات إنتاج الصور والمراجعة
اللغوية، بنسبة مدروسة لا تتجاوز 40% من مراحل الدعم الفني والتحريري. وقد جرى
توظيف هذه الأدوات ضمن ضوابط مهنية دقيقة، تضمن سلامة المحتوى، ودقته، وانسجامه مع
المعايير الصحفية المعتمدة.
إن هذا التوجه
لا يأتي بوصفه استبدالاً للجهد البشري، بل تعزيزًا له، حيث يبقى العقل الصحفي
والخبرة التحريرية هما الأساس في صناعة المحتوى، بينما تسهم التكنولوجيا في رفع
الكفاءة وتحسين الجودة وتسريع الإنجاز.
لقد أثبتت
التجارب الحديثة أن الصحافة القادرة على التكيّف مع أدوات العصر، من دون التفريط
بقيمها، هي الأقدر على البقاء والتأثير. ومن هذا المنطلق، تسعى دجلة الخير إلى
بناء نموذج إعلامي يجمع بين أصالة المهنة وحداثة الوسيلة، بين عمق التحليل ودقة
المعالجة، وبين حرية الطرح ومسؤولية الكلمة.
هذا العدد ليس
مجرد مواد صحفية، بل محاولة لفهم العالم من حولنا، وقراءة ما وراء العناوين، وطرح
الأسئلة التي تهم القارئ العربي في زمنٍ تتكاثر فيه الإجابات السطحية.
ختامًا، نؤمن
أن الصحافة رسالة، وأن الكلمة مسؤولية، وأن المستقبل يُصنع اليوم.. بين وعي
الإنسان وأدواته.
هيئة التحرير
*****
من بغداد إلى
نيويورك: كيف تُدار عائدات النفط العراقي بين إرث الديون وأسئلة السيادة؟
تحقيق مجلة
دجلة الخير – خاص
منذ أكثر من
عقدين، لم تعد عائدات النفط العراقي تُدار داخل حدود البلاد فحسب، بل أصبحت جزءًا
من منظومة مالية دولية معقدة نشأت في أعقاب عام 2003. هذه المنظومة، التي تأسست
بقرار دولي وبإشراف متعدد الأطراف، كان هدفها المعلن حماية الموارد العراقية من
الديون والدعاوى القضائية، وضمان استخدامها في إعادة بناء الدولة.
لكن، وبعد
مرور أكثر من عشرين عامًا، يطرح هذا الواقع أسئلة جوهرية: هل ما زالت تلك
الترتيبات ضرورة اقتصادية؟ أم تحولت إلى نمط دائم يقيّد القرار المالي العراقي؟
وكيف يرتبط ذلك بملف ديون العراق قبل وبعد 2003؟
هذا التحقيق
يتتبع جذور هذه القصة، من تراكم الديون، إلى إنشاء صندوق تنمية العراق، وصولًا إلى
استمرار إدارة جزء من الإيرادات النفطية عبر حسابات خارجية، وتحديدًا في الولايات
المتحدة.
قبل عام 2003،
كان العراق واحدًا من أكثر الدول مديونية في العالم. فقد تراكمت عليه ديون ضخمة
نتيجة الحروب، خصوصًا الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، ثم غزو الكويت عام
1990، وما تبعه من عقوبات اقتصادية قاسية استمرت لسنوات.
تشير تقديرات
البنك الدولي إلى أن إجمالي الالتزامات الخارجية للعراق تراوح بين 121 و152 مليار
دولار، بينما قدّر نادي باريس إجمالي الدين العام بنحو 125 مليار دولار بحلول
نهاية عام 2003.
لم تكن هذه
الديون مجرد أرقام، بل كانت تمثل تهديدًا مباشرًا لأي أصول مالية عراقية في
الخارج، إذ كانت عرضة للحجز من قبل الدائنين، في ظل غياب منظومة مالية مستقرة أو
حماية قانونية فعالة.
في أعقاب سقوط
النظام السابق، تدخل المجتمع الدولي لإعادة تنظيم إدارة الموارد العراقية. وكان
أبرز هذه التدخلات صدور القرار 1483 عن مجلس الأمن الدولي في أيار 2003، والذي نص
على إنشاء صندوق تنمية العراق.
هذا الصندوق
لم يكن مجرد حساب مالي، بل كان آلية مركزية تُودع فيها جميع عائدات النفط والغاز،
وتخضع لرقابة دولية. وبموجب هذا القرار، أصبحت إيرادات العراق النفطية تُدار ضمن
إطار دولي يهدف إلى الشفافية وحماية الأموال.
في السياق
نفسه، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الأمر التنفيذي 13303، الذي منح حماية
قانونية واسعة للنفط العراقي وعائداته، مانعًا إخضاعها للحجز أو الإجراءات
القضائية.
ضمن هذه
الترتيبات، تم إيداع عائدات النفط العراقي في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي
في نيويورك. لم يكن اختيار نيويورك عشوائيًا، بل استند إلى عدة عوامل:
أولًا، أن
تجارة النفط العالمية تتم بالدولار، ما يجعل وجود الحساب داخل النظام المالي
الأميركي أمرًا عمليًا.
ثانيًا، أن
هذا الترتيب يوفر حماية قانونية للأموال ضمن الإطار الذي أنشأه الأمر التنفيذي
الأميركي.
ثالثًا، أنه
يتيح مستوى أعلى من الرقابة والتدقيق، حيث خضع صندوق تنمية العراق لمراجعات مالية
مستقلة.
وتؤكد تقارير
مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية أن عائدات النفط كانت تُودع في حسابات لدى
بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ضمن ما يُعرف بـ"حساب استلام عائدات
النفط".
في عام 2004،
تم التوصل إلى اتفاق تاريخي مع نادي باريس، قضى بشطب 80% من ديون العراق على ثلاث
مراحل. وبحسب البيانات الرسمية، تم تخفيض ديون العراق لدى دول النادي من 38.9
مليار دولار إلى نحو 7.8 مليار دولار فقط. هذا الاتفاق، إلى جانب تسويات أخرى مع
دائنين من خارج نادي باريس، أدى إلى تقليص كبير في عبء الدين الخارجي، وفتح المجال
أمام العراق للعودة إلى الأسواق المالية الدولية.
في عام 2014،
ألغت الولايات المتحدة الحصانة القانونية الخاصة التي كانت تتمتع بها أموال صندوق
تنمية العراق، ما كان يُفترض أن يمثل نهاية مرحلة "الحماية
الاستثنائية". لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا. فبحسب تقارير EITI، استمرت عائدات
النفط العراقي تُودع في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وإن ضمن
ترتيبات جديدة يديرها البنك المركزي العراقي نيابة عن وزارة المالية. كما تُظهر
البيانات الرسمية للبنك المركزي وجود ودائع واحتياطيات لدى البنك ذاته، ما يشير
إلى استمرار العلاقة المصرفية مع النظام المالي الأميركي.
رغم شطب جزء
كبير من الديون بعد 2003، إلا أن الدين العام للعراق عاد للارتفاع خلال السنوات
اللاحقة، خاصة بعد 2014، نتيجة الحرب ضد تنظيم داعش، وتراجع أسعار النفط. وبحسب
صندوق النقد الدولي، بلغ الدين العام للعراق نحو 44% من الناتج المحلي الإجمالي في
عام 2023. لكن الفارق هذه المرة أن الجزء الأكبر من الدين أصبح داخليًا، ما يعكس
تحولًا في بنية الدين، من اعتماد على القروض الخارجية إلى تمويل داخلي للعجز.
يثير استمرار
إدارة عائدات النفط عبر حسابات خارجية تساؤلات حول السيادة المالية للعراق. فبينما
يرى البعض أن هذا الترتيب يمثل امتدادًا لمرحلة ما بعد 2003، ويحدّ من استقلال
القرار المالي، يرى آخرون أنه ضرورة عملية ضمن النظام المالي العالمي.
في الواقع، لا
يمكن فصل هذا الملف عن طبيعة الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بشكل كبير على النفط،
ويعمل ضمن نظام دولي تهيمن عليه العملة الأميركية. وبالتالي، فإن وجود الحسابات في
نيويورك قد يكون انعكاسًا لهذا الواقع، بقدر ما هو امتداد لترتيبات سابقة.
بعد أكثر من
عشرين عامًا على إنشاء صندوق تنمية العراق، لا تزال عائدات النفط تُدار ضمن منظومة
دولية، وإن بصيغ مختلفة. وبينما نجح العراق في تخفيف عبء ديونه الخارجية، فإنه ما
زال يواجه تحديات في إدارة موارده المالية، وتحقيق توازن بين الشفافية والسيادة.
يبقى السؤال
مفتوحًا: هل حان الوقت لإعادة النظر في هذه الترتيبات؟ أم أن استمرارها يمثل
خيارًا واقعيًا في ظل الاقتصاد العالمي الحالي؟
*****
أزمة الدولار تهز السوق العراقية
تداعيات
القرار الأميركي تربك الاقتصاد وتقلق المواطنين
مجلة دجلة
الخير – علي تحسين الحياني
تتصاعد موجة
القلق في الشارع العراقي على نحو غير مسبوق، بعد قرار الولايات المتحدة إيقاف شحنة
نقدية تُقدَّر بنحو نصف مليار دولار كانت متجهة إلى بغداد، بالتزامن مع تعليق جزئي
للتعاون الأمني، في خطوة يرى مراقبون أنها تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية معقدة.
القرار، الذي
جاء في توقيت حساس، انعكس سريعاً على الأسواق المحلية، حيث بدأت مؤشرات الانكماش
بالظهور، مصحوبة بارتفاع تدريجي في أسعار السلع، وتراجع واضح في القدرة الشرائية
للمواطنين، فضلاً عن شح السيولة النقدية، خاصة بالدولار.
في جولة
ميدانية شملت عدداً من المحافظات، بدت الأسواق أقل حيوية من المعتاد، بينما يخيّم
الحذر على سلوك المواطنين الذين باتوا أكثر ميلاً للاحتفاظ بما لديهم من أموال بدل
إنفاقها. ويقول المواطن علاء فاضل إن "الحديث عن توقف تدفق الدولار أحدث صدمة
نفسية قبل أن يكون أزمة اقتصادية، إذ بدأنا نلاحظ انكماشاً في حركة البيع والشراء،
بالتزامن مع ارتفاع الأسعار بشكل يومي".
ولا يختلف حال
علي مرتضى، الذي يصف المشهد بقلق بالغ، قائلاً: "لا أحد ينفق اليوم، ولا أحد
يعمل كما في السابق. حتى أبسط احتياجاتنا باتت صعبة المنال. أصبحنا نخفي ما نملكه
من مال خوفاً من القادم، فالدولار يرتفع، والقدرة على الشراء تتراجع يوماً بعد آخر".
أما التجار،
فهم يقفون في واجهة الأزمة، إذ يتحملون انعكاساتها المباشرة. صادق القرشي، أحد
تجار المواد الغذائية، يوضح أن التقلبات السريعة في سعر الصرف تضعهم أمام خسائر
متوقعة، قائلاً: "ما أشتريه اليوم بسعر معين قد يتضاعف غداً. هذا يعني خسارة
مؤكدة، ليس لي فقط، بل لكل السوق. حتى من يمتلك المال أصبح عاجزاً عن الشراء بسبب
عدم استقرار الأسعار".
مصادر مطلعة
كشفت أن القرار الأميركي يندرج ضمن ضغوط سياسية تمارسها واشنطن على بغداد، على
خلفية تصرفات جماعات مسلحة مرتبطة بإيران، والتي كثفت هجماتها في الفترة الأخيرة
باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، مستهدفة مواقع أميركية ودولاً مجاورة.
وبحسب
المعلومات، فإن الإجراء يقتصر على الشحنات النقدية الورقية بالدولار، التي تتراوح
قيمتها بين 450 و500 مليون دولار، والتي يتم نقلها جواً إلى العراق بشكل دوري. في
المقابل، لم تتأثر التحويلات الإلكترونية المستخدمة في عمليات الاستيراد والتجارة،
وهو ما يخفف جزئياً من حدة التأثير، لكنه لا يلغي تداعياته على السوق المحلية.
ويرى خبراء
اقتصاديون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تعميق الأزمة، خاصة إذا ترافق مع
مضاربات في السوق أو فقدان الثقة بالسياسات النقدية. كما يحذرون من أن تراجع
السيولة بالدولار سيؤثر بشكل مباشر على المواطنين الذين يعتمدون عليه في السفر أو
العلاج أو الدراسة خارج البلاد.
في ظل هذه
المعطيات، يبقى الشارع العراقي مترقباً لأي تطورات قد تعيد الاستقرار إلى السوق،
وسط دعوات للحكومة لاتخاذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة، وضمان استقرار سعر الصرف،
وحماية الفئات الأكثر تضرراً.
وبين الضغوط
السياسية والتداعيات الاقتصادية، يجد المواطن العراقي نفسه مرة أخرى في مواجهة
تحديات معيشية معقدة، تتطلب حلولاً سريعة وفعّالة، قبل أن تتفاقم الأزمة وتتحول
إلى واقع يصعب احتواؤه.
*****
الخروج عن حالة الاستثناء
حيدر سعيد
لم يهنأ
العراق، منذ لحظة الغزو الأميركي للبلاد وإسقاط نظام صدام حسين، بمدد استقرار
طويلة، تتيح للدولة أن تنزع حالة الاضطراب التي شابتها منذ تلك اللحظة. ولعله كان
طبيعيًا أن تشهد الدولةُ مثل هذا الاضطراب، في حالة اقتلاع نظام (بل قل: دولة)
بالكامل، وتأسيس نظام جديد.
لم يكن من
اتخذ قرارَ إسقاط النظام، ولا الفاعلون السياسيون الذي انخرطوا في العملية، يعدمون
خططًا لبناء النظام الجديد، غير أن الخطط لوحدها لم تكن كافية لأن تعمل في مجتمع
ربما لم يكن مهيئًا لها أو منسجمًا معها، فهذا المجتمع عُزل عن التحليل والفهم
الأكاديمي لنحو ثلاثة عقود، وقد عاش دكتاتورية، ونظامًا توتاليتاريًا، وحروبًا
طاحنة، وحصارًا، غيّرت وجهه على نحو جذري، وكانت خططُ ما قبل الغزو - من ثم -
مصمّمة للحظة ماضوية من هذا المجتمع، أو مقتبسة من نماذج عالمية.
ولم يكن هذا
هو الخلل الوحيد الذي أفضى إلى عزلة هذه الخطط، بل كذلك ما أثبتته التجاربُ
العالمية من أن الانتقال الناجح قد لا يكون مضمونًا في بلدان تشهد فراغًا باقتلاع
بناها السياسية بالكامل، وقد تكون استمراريةُ بنى الدولة، بأي شكل من الأشكال،
عاملًا مهمًا في إحداث انتقال ناجح.
نعم، قد يكون
من العسير، في حالة دولة صدّام (كما في حالات أخرى عدة عبر العالم)، التمييز بين
الدولة والنظام. وفي كل الأحوال، أصبح عراقُ ما بعد صدام عظةً يتعظ منها العالم
(أو أي طرف نافذ فيه)، وهو يريد أن يقرر إسقاطَ نظام وإحداث انتقال بعده. درسُ
العراق حاضر في كل الملفات الشبيهة، في فنزويلا وإيران، القريبين منا، على سبيل
المثال.
أفضى اقتلاعُ
النظام إلى نزاعات، على الموقف منه، وأي جزء منه يمكن أن يكون مقبولًا ويُدمج في
النظام الجديد، وعلى اقتلاع النخبة القديمة وإحلال أخرى محلها، وتطييف هذا النزاع،
والانتقال من دولة شديدة المركزية إلى دولة لامركزية، والدور الإقليمي والخارجي
الذي لم يساعد في توفير بيئة صحية تتنفس فيها تجربة العراق ما بعد صدّام.
شهد العراق
مددًا قصيرة جدًا من الاستقرار، منها المدة القصيرة التي أعقبت هزيمةَ تنظيم
القاعدة وضرب الميليشيات في العام 2008، وانتهت انفراجتُها وآمالُها مع أزمة تشكيل
الحكومة في العام 2010، وما تلاها من تداعيات، انتهت بسيطرة تنظيم داعش على ثلث
مساحة البلاد، بما فيها المدينة الثانية فيها، الموصل، في صيف العام 2014.
وما بعد تحرر
البلاد من داعش، أواخرَ العام 2017، بدا أن ثمة أجواء انفتاح جديدة تشهدها البلاد،
إذ حدث استقرار أمني، لنقل إنه نسبي، غير أن الأكيد أن البلاد لم تشهد مثيلًا له
منذ العام 2003.
وقد وفّر أفقُ
الاستقرار هذا مؤشرات جيدة، تقدمها الوثائق بالأرقام، في اتساع الطبقة الوسطى، وفي
حركة إعمار البنية التحتية، وفي انحسار نسبة الفقر، وما إلى ذلك.
الاستقرار،
بلا شك، هو أحد العوامل الأساسية وراء ذلك، غير أن الاستقرار ليس معطى أمنيًا فقط.
الاستقرار، بمعناه الشامل، أكثر بكثير من كونه مجرد استقرار أمني. ومؤشراتُ
الإنجاز، التي ذكرتُ آنفًا أنها تحققت، وإن جزئيًا، هي نتاج استقرار أمني.
للاستقرار
ركنان أساسيان، ينضافان إلى البعد الأمني فيه، ليعزّزاه، وليشكل الثلاثة كلًّا
متكاملًا:
•
البعد السياسي، فالاستقرار السياسي (الذي يُعرَّف في الدراسات الأكاديمية بأنه
انتظام تدفق التبادلات السياسية) أساسي في تحقيق الاستقرار العام،
•
وينضاف إليه أن يكون الاستقرار (ببعديه الأمني والسياسي) تصوّرًا ومفهومًا conception، أي مشروعًا، وثمة
أرادة سياسية لتحقيقه، فلا يتحقق لمجرد أن توازنات قوى معينة فرضته في لحظة محددة،
من دون أن تكون ثمة إرادة لذلك.
وفي تقديري،
يفتقد العراق إلى هذين البعدين من الاستقرار، فقد عاشت البلادُ، في سنوات ما بعد
التحرر من داعش، اضطرابًا سياسيًا كبيرًا، شهدت فيها أكبرَ حركة احتجاج مدني
(تشرين، خريف 2019)، أعقبتها استقالةُ حكومة على خلفية مذبحة، ثم تشكيل حكومة
نفّذت انتخابات مبكرة، أقصي الفائز فيها عن تشكيل الحكومة، ليعتزل ركن أساسي في
المجتمع السياسي العراقي، وليقتحم محتجون منه مبنى المؤسسة التشريعية، وتلا ذلك
إقالة رئيس مجلس النواب، وفي خلال هذا كله، كان ثمة سجال كبير على سلاح ميليشياوي
نافذ ومواز لسلاح الدولة، فضلًا عن الاضطراب المستمر وغير المسبوق في العلاقة
المضطربة بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان.
لا أحتاج إلى
المزيد من العناء للإتيان ببراهين على أن البلاد لم تشهد استقرارًا سياسيًا منذ
التحرر من داعش، بل شهدت حركة متناقضة (استقرار أمني، يواجهه اضطراب سياسي).
وهذا، في
تقديري، نتاج الافتقاد إلى إرادة لتحقيق الاستقرار، بمعناه الشامل، الافتقاد إلى
رؤية للمضي في مسار سياسي يحقق استقرارًا مستدامًا.
وبحسب قراءتي
وفهمي للتطور السياسي في العراق، قاد هذا الافتقاد إلى ترسيخ حزمة من المظاهر،
التي باتت تطبع النظامَ السياسي، والتي - بحسب ما أقدّر - لا يجري الحديث عنها
(إلا على نحو عرضي)، بقدر ما ينشغل منتجو الخطاب عن النظام السياسي العراقي بظواهر
ثانوية، أو أقل مركزية.
وهذه المظاهر
لا تستمر فقط في تغييب الاستقرار السياسي، بل تجعل الاستقرارَ الأمني نفسَه هشًّا.
سأذكر، هنا،
ستة من هذه المظاهر:
•
بات واضحًا، أكثر فأكثر، أن ما يطبع علاقة الدولة بالمجتمع هو ما يُسمّى في العلوم
الاجتماعية "الزبائنية"، أي أن تعقِدَ الأطرافُ السياسية النافذة في
الدولة صفقةً مع المجتمع والمواطنين، تشتري فيها ولاءهم وتصادر خياراتهم السياسية،
لتقدّم لهم - في مقابل ذلك - حزمة أشياء، بعضها مادي عيني، وبعضها عبارة عن خدمات،
تدخل أصلًا في صلب مهماتها ومسؤولياتها العامة. وقد كان من نتائج هذه الزبائنية
سياسات التوظيف العالية، التي بلغت من الأعلى في العالم، وأنتجت قطاعًا عامًا
مترهلًا وغير ذي نفع، سوى عبئه الكبير على اقتصاد البلاد. وهنا، ينبغي القول إن
هذه الزبائنية قد تكون سمة للبلدان التي تسود فيها أنظمة هجينة"Hybrid Regimes" (تخلط بين عناصر سلطوية وعناصر ديمقراطية)،
تشهد تنافسًا بين الأطراف السياسية، ما ينعش السياسات الزبائنية في إطار التنافس
الحزبي، وكذلك، قد تكون الزبائنيةُ سمةً تنتعش في البلدان التي تشهد حالة انتقالية
(ومشروعًا) نحو بناء نظام سلطوي متكامل.
•
وبسبب أن الزبائنية تدخل في التنافس الحزبي، وبسبب أن المواطنات والمواطنين
العراقيين لا يملكون قدرات وصول متماثلة (أو متكافئة) لمصادر الريع، الذي تتحكم به
الطبقةُ الحاكمة، أنتجت هذه الحال تفاوتات طبقية غير مسبوقة عبر أكثر من نصف قرن
من تاريخ العراق.
•
ولأن "التنمية" باتت جزءًا من السياسة الزبائنية، بات
"الارتجال" هو ما يسيطر على وضع خطط التنمية، لا التخطيط الاستراتيجي
طويل الأمد، فلا نعرف لمَ التركيز على هذه العناصر في التنمية دون غيرها (هذا
فضلًا عن كون التنمية خاضعة لفهم جزئي، على نحو ما سأوضّح لاحقًا)، لأن غاية
"التنمية" الأولى، هنا، شراء الولاء السياسي، وهو الأمر الذي ينبغي أن
يتحقق ويتجسد (لمن يفهم "التنمية" بهذا الشكل، ويريد أن يقطف ثمار هذا
الفهم بسرعة) في التعبير عن هذا الولاء، في التصويت الانتخابي وسواه من سلوك، ولا
يتحمل انتظارًا طويل الأمد للنتائج.
•
هذه الزبائنية، التي كانت جزءًا من حالة تنافس حزبي داخل نظام هجين، ساعدها، أو
كان يوازيها أن المجتمع العراقي لم يعد مجتمعًا واحدًا، بل هو مجموعة
"مكونات"، والزبائنيةُ هي زبائنية مجزّأة، على الشعب
"المجزَّأ"، كما على الأحزاب. ويمكن القول إن الانتهاء إلى الحالة
"المكوناتية" (أي تجزئة الشعب) هو نتاج ديناميكية تبنّى فيها العراق (أو
فُرض عليه) نظام توافقي، بعد أن نقل الأميركان تعريفه - إثر الغزو - من كونه دولة
- أمة، إلى أن تكون الدولةُ فيه إطارًا جامعًا لمجموعة من الهويات الإثنية
والدينية والطائفية، ويُفترض في النظام التوافقي أن يؤمّن شراكةَ هذه المجموعات في
مؤسسة السلطة واتخاذ القرار. غير أن النخبة السياسية العراقية لم تنجح (لأسباب عدة
لا مجال لاستعراضها هنا) في بناء نظام توافقي حقيقي، لتتحول الترتيباتُ التوافقية
إلى إجراءات شكلية، لا تؤمّن شراكة حقيقية في السلطة واتخاذ القرار. وبسبب فشل
التوافقية، التي نفخت الهوياتِ الإثنية على حساب الهوية الوطنية، وعزّزت الانتماءَ
للهوية الأولى، لا للثانية، وبسبب السياسات الطائفية، التي بدأت تتراكم سنواتٍ
قليلة ما بعد سقوط الدكتاتورية، وأنتجت تغالبًا إثنيًا وطائفيًا، أنتج العراقُ -
بديلًا للنظام التوافقي - نظامًا مكوناتيًا، تتفاوت فيه موازينُ القوى، وقوة
ونافذية الوصول إلى مصدر القرار بين نخب المجموعات الإثنية. هذه السمة، التي طبعت
حقبةَ ما بعد التحرر من داعش، ضيّعت على البلاد المعطى الإيجابي الوحيد الذي
وفّرته تجربة داعش المرّة، وهو تشكيل حصانة (وإن وقتية) من الطائفية، ليعود خطابُ
التغالب (بل التنابز) الطائفي هو الغالب، بدلًا من خطاب مواجهة الطائفية وما
تخلّفه من كراهيات. ما يهمني من هذا التشخيص لا توصيف الحالة الطائفية في العراق
في السنوات الأخيرة (ونحن بحاجة إلى المزيد من العمل لفهمها وفهم دوافعها ومصادرها
وأسبابها)، بل لتقرير أن العراق يفتقد مشروعًا وطنيًا جامعًا، يقوم على الهوية
الوطنية الجامعة، مشروعًا إطارُه ونطاقه العراق، لا الطوائف. ومرة أخرى، لا أريد
أن أقرّر، هنا، افتقادَ المشروع الوطني فقط، بقدر ما أريد أن أقرّر أن هذه الحالة
هي أحد العوامل الرئيسة للافتقاد إلى استقرار سياسي، وهي الكاشفة عن غياب الرؤية
والإرادة لتحقيقها.
•
أنتجت حالةُ عدم الاستقرار السياسي، في السنوات التي أعقبت التحرر من داعش، والتي
كان من أهم مظاهرها حركةُ الاحتجاج المدني الواسعة في خريف 2019، وما تلاها من
تداعيات، والتي كانت أكبر هزة يتعرض للنظام السياسي العراقي منذ 2003، أنتجت - في
وعي النخبة الحاكمة - مسارًا لإنتاج نظام سلطوي، بوصف السلطوية هي البديل اللازم
لحالة عدم الاستقرار السياسي (على نحو ما كانت نشأة السلطوية في تجارب عدة عبر
العالم). وقد عزّز هذا "المسارَ العراقي" نحو السلطوية أن الأخيرة باتت
أنموذجًا تعتنقه الأنظمةُ السياسية في العالم العربي (أو جزء كبير منها) ما بعد
انتكاسة ثورات العام 2011. ولا أشك لحظة بأن ما يجري عربيًا جعل صورةَ المسار نحو
السلطوية في ذهن النخبة العراقية الحاكمة أكثر وضوحًا. ويتجسّد هذا المسارُ في
مساعي إغلاق المجال العمومي، وذلك بإغلاق الفضاءات المدنية المتاحة، من عمل مدني
وسياسي ومساحات لحرية التعبير، بفهم أن هذه الفضاءات كانت أحد العوامل الأساسية
التي أنتجت تشرين. وقد أثبتت تقارير ومقالات عدة أن وضع حرية التعبير، في السنوات
الثلاث الأخيرة، هو الأسوأ منذ 2003.
•
ومن ثم، بتنا أمام حركة متناقضة أخرى طبعت السنوات الأخيرة، إلى جانب الحركة
المتناقضة التي تحدثت عنها آنفًا بين الاستقرار الأمني، من جهة، والاضطراب السياسي
من جهة أخرى. وتتمثل هذه الحركة بين مشروع التنمية النامي، الذي بات يجري الحديث
عنه بشكل بروباغاندي في الخطاب السياسي العراقي الرسمي (وإن كان له بعض التجسّدات
الفعلية على الأرض) وبين المساعي المنهجية لإغلاق المجال العمومي، بكل ما تحمله من
مظاهر وتداعيات على الحريات المدنية والسياسية في البلاد. ويكشف هذا عن أن مفهوم
"التنمية" المطروح على طاولة صانع القرار في العراق مفهوم جزئي، لا
يتعدى الإعمار المادي، وهو يطابق تمامًا مفهوم "التنمية" الذي كان
يتبناه صدام حسين، والذي استطاع أن يحقق من خلاله المشاريعَ الصناعية ومشاريع
البنية التحتية، التي قد تكون الكبرى في تاريخ الدولة العراقية، مفيدًا من عائدات
النفط، ما بعد تأميمه (1972 - 1973). وهذا يعني أن هذا المفهوم لـ
"التنمية" لا يشمل (بل يغفل) التنميةَ السياسية، التي باتت ركنًا
جوهريًا في فهم "التنمية" في الأدبيات العالمية المختصة. والأكثر من
ذلك، أن هذه الحال تعبّر عن صفقة بات يتبناها النظام السياسي العراقي: التنمية (بهذا
المفهوم المختزل) مقابل الحريات المدنية والسياسية. وإذا أردنا أن نضع الأمر في
السياق الإقليمي فيمكن القول إن هذه الصفقة هي جزء من توجه عام يتبناه العديد من
النظم السياسية العربية الماضية في المسار السلطوي، والتي يتفاعل معها النظام
السياسي العراقي، تأثرًا وتأثيرًا.
هذه المظاهر،
في تقديري، هي عناصر جوهرية فيما انتهى إليه النظامُ السياسي العراقي في السنوات
الأخيرة، وليست مظاهر عابرة، وهي وليدة أن السياسة في عراق ما بعد 2003 (بل عملية
بناء الدولة نفسها) أديرت بمنطق إدارة الأزمة وإدارة النزاع، ما خلق مجرد تكتيكات
سياسية، لا مشروعًا واعيًا لبناء استقرار مستدام.
وما يمكن أن
يتمخض عن هذه التكتيكات من بنى، تبدو أنها صالحة لأن تكون بنى طويلة الأمد، من
قبيل الغلبة الطائفية والإثنية، والسلطوية، والزبائنية، هي - في الحقيقة –
"ألغام" في جسد النظام السياسي، تنفجر مع أي متغير سياقي يتيح لها ذلك،
فلا المجتمعُ الذي تذوق الحريات المدنية والسياسية سيقبل بأن يقايضه أحد عليها،
ولا الزبائنيةُ دائمة في اقتصاد ريعي متقلب، ولا ما تفرزه من اختلالات في العدالة
الاجتماعية سيمنع الفئات المتضررة من أن تسعى إلى العدالة بأي ثمن، ولا طموح
الهوية العراقية، الذي أُطلق في لحظات احتدام، سيقبل بأن يختزلها "نظام"
لهويات متنازعة، تتفاوت فيه المواطنة العراقية.
وانفجارُ هذه
الألغام لن يكون سلميًا بالضرورة. وهناك، على قارعة الطريق دائمًا، العديد من
الأغلفة الإيديولوجية التي يمكن أن تتقنّع بها أية حركة في هذا المجال.
ولذلك، ما
يحتاجه النظام السياسي العراقي، ونحن أمام منعطف جديد له بتشكيل حكومة جديدة، هو
أن يقرّر مغادرةَ "حالة الاستثناء" (بتعبير الفيلسوف الإيطالي جيورجيو
أغامبن)، التي عاشها عبر أكثر من عقدين، وما شابها من سياسات تغالب، وارتجال،
ويتبنى مشروع استقرار دائم.
الكلام
المتقدم، بلا شك، مجرد مبادئ.
وفي حال كانت
لصانع القرار العراقي قناعة وإرادة لأن يمضي بمسار مختلف عن المسار الذي مضى فيه
في العقدين الماضيين، سيمكن الحديث عن الكثير والكثير من التفاصيل.
*****
الانتقال الصعب 2003.. كيف أعاقت التوازنات ولادة مشروع وطني؟
محمد البغدادي
منذ سقوط نظام
صدام حسين عام 2003، واجه العراق لحظة تاريخية كان يُفترض أن تؤسس لولادة نظام
سياسي جديد أكثر عدلاً وتمثيلاً. غير أن مسار التحول لم يُفضِ إلى “بديل” مستقر
يضمن حقوق العراقيين بشكل متوازن، بل دخلت البلاد في حالة من التعثر المزمن. لفهم
ذلك بإنصاف، لا بد من قراءة المشهد بعيداً عن التبسيط أو الإدانة المطلقة.
انتقال معقد
لا فراغ مطلق
لم يكن العراق
أمام صفحة بيضاء، بل أمام دولة منهكة بحروب طويلة، وعقوبات، وبنية مؤسساتية مركزية
هشّة. انهيار الدولة السريع خلق فراغاً أمنياً وإدارياً كبيراً، ما جعل الأولوية
لدى القوى الصاعدة هي “إدارة الانهيار” أكثر من بناء بديل متكامل.
تعددية سياسية
بلا عقد جامع
القوى التي
تسلّمت المشهد لم تكن كتلة واحدة، بل أطياف متباينة في الرؤية والخبرة. بعضها حمل
مشروعاً سياسياً جزئياً، لكنه لم يكن كافياً لبناء دولة جامعة. غياب التوافق على
تعريف الدولة (مدنية/دينية، مركزية/لا مركزية) عطّل تشكّل بديل واضح، لكنه في
الوقت نفسه عكس واقعاً مجتمعياً متنوعاً لا يمكن تجاوزه بسهولة.
المحاصصة كحل
مرحلي تحوّل إلى عائق دائم
نظام تقاسم
السلطة بين المكونات جاء كآلية لطمأنة الجميع ومنع الإقصاء، لكنه مع الوقت ترسّخ
كنمط حكم دائم. هذه الصيغة وفّرت تمثيلاً نسبياً، لكنها أضعفت الكفاءة والمساءلة،
وأعاقت نشوء معارضة وطنية عابرة للهويات.
تأثير الخارج
وحدود الداخل
لا يمكن إغفال
دور الولايات المتحدة في تشكيل الإطار السياسي الأولي، ولا نفوذ إيران لاحقاً في
دعم قوى بعينها. لكن في المقابل، لم تكن القوى العراقية مجرد أدوات؛ بل اتخذت
خياراتها ضمن توازنات معقدة، أحياناً بدافع حماية الذات وأحياناً بدافع تعظيم
النفوذ.
الأمن كأولوية
على حساب الإصلاح
سنوات العنف
والصراع الطائفي، ثم مواجهة الإرهاب، جعلت الملف الأمني يتقدم على الإصلاح السياسي
والاقتصادي. هذا الترتيب مفهوم في سياق الخطر الوجودي، لكنه أرجأ بناء مؤسسات
راسخة وقواعد حكم رشيد.
فرص ضائعة
مقابل مكتسبات لا تُنكر
من الإنصاف
الإشارة إلى أن العراق شهد انتخابات دورية، وتداولاً نسبياً للسلطة، ومساحة
إعلامية أوسع من السابق. لكنها مكاسب لم تُستثمر بالكامل بسبب الفساد وضعف الإدارة
وتغوّل الأحزاب داخل الدولة.
الحراك الشعبي
وإشكالية التحوّل إلى بديل
الاحتجاجات،
خصوصاً منذ 2019، عبّرت عن وعي شعبي متقدم يطالب بدولة مواطنة. غير أن تحويل هذا
الزخم إلى قوة سياسية منظمة واجه عقبات, غياب القيادة الموحدة، ضعف الموارد، وضغط
البيئة السياسية القائمة.
الاقتصاد
الريعي كقيد بنيوي
اعتماد الدولة
على النفط عزّز نمطاً ريعياً يجعل السيطرة على السلطة طريقاً للثروة. هذا الواقع
يُضعف الحوافز للإصلاح ويقوّي شبكات الزبائنية، ما يعرقل أي بديل قائم على الإنتاج
والمساءلة.
خلاصة منصفة
تعثر البديل
السياسي في العراق ليس نتيجة عامل واحد أو فشل جهة بعينها، بل حصيلة تفاعل بين إرث
ثقيل، انتقال متسارع، تصميم مؤسسي إشكالي، تدخلات خارجية، وخيارات داخلية متفاوتة.
ومع ذلك، لا يزال الأفق مفتوحاً فوجود وعي مجتمعي متنامٍ، وخبرة سياسية تراكمت عبر
السنوات، يمكن أن يشكّلا قاعدة لبديل أكثر نضجاً—إذا ما توفرت إرادة لإصلاح قواعد
اللعبة نفسها، لا الاكتفاء بتغيير اللاعبين.
جعل العراق
بلداً قوياً ليس مسألة وصفة سريعة، بل مسار طويل يتطلب إصلاحات متوازنة في السياسة
والاقتصاد والأمن والمجتمع. القوة هنا تعني دولة قادرة، عادلة، ذات سيادة، وتمنح
مواطنيها فرصاً متكافئة.
العراق يحتاج
إلى تحييد نفسه عن صراعات المحاور، وبناء علاقات متوازنة مع الجميع، بما يحفظ
سيادته بين قوى مثل إيران والولايات المتحدة، دون الانجرار إلى التبعية. حصر
السلاح بيد الدولة، ودمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات رسمية منضبطة، مع عقيدة وطنية
موحدة. الاستثمار في الإنسان التعليم
والصحة تحديث المناهج وربطها بسوق العمل دعم الجامعات والبحث العلمي تحسين النظام
الصحي
الدولة القوية
تبدأ بمواطن قادر ومتعلم. تمكين الشباب وتحويل الاحتجاج إلى سياسة, فتح المجال
أمام قوى جديدة للدخول إلى العملية السياسية عبر قوانين انتخابات عادلة، ودعم
الأحزاب الناشئة، وتحويل الزخم الشعبي إلى برامج قابلة للحكم. عقد اجتماعي جديد ,
الاتفاق على قواعد مشتركة بين الدولة والمجتمع الحقوق مقابل الواجبات، والسلطة
مقابل المساءلة. هذا العقد هو الأساس لأي استقرار طويل الأمد.
قوة العراق لا
تأتي من مورد واحد أو قرار واحد، بل من إعادة بناء “قواعد اللعبة”: دولة مؤسسات،
اقتصاد متنوع، سيادة قانون، وسياسة خارجية متوازنة. التحدي ليس في معرفة ما يجب
فعله، بل في امتلاك الإرادة لتطبيقه بشكل تدريجي وثابت.
معضلة
التأسيس… الاستقرار بلا فعالية
نجح العراق
نسبياً في تثبيت إطار سياسي يمنع الانهيار الكامل، عبر آليات التوافق وتقاسم
السلطة. هذه الصيغة وفّرت تمثيلاً لمكونات المجتمع وخفّفت من مخاطر الإقصاء، لكنها
في المقابل أضعفت مركز القرار، وقيّدت قدرة الدولة على الحسم والتنفيذ. هكذا نشأت
مفارقة: نظام مستقر شكلياً، لكنه محدود الفاعلية.
الدولة القوية
تفترض احتكاراً مشروعاً للسلطة والقانون. في الحالة العراقية، تداخلت الدولة مع
الأحزاب، فتراجعت الحدود بين العام والخاص، وأصبحت مؤسسات الدولة امتداداً لنفوذ
سياسي. هذا لا يلغي مسؤولية الأحزاب، لكنه يعكس أيضاً غياب قواعد صارمة تفصل بين
“الحكم” و“الدولة”.
إن العراق
يمتلك واحداً من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم، لكن هذا المورد تحوّل إلى
عامل إضعاف مؤسسي. الاقتصاد الريعي يُنتج دولة توزيعية أكثر منها إنتاجية، ويخلق
علاقة زبائنية بين السلطة والمجتمع. القوة الحقيقية لا تأتي من حجم الموارد، بل من
تنوعها وقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة وفرص عمل.
لا يمكن قراءة
المشهد العراقي بمعزل عن تأثيرات الولايات المتحدة وإيران، وغيرهما من القوى
الإقليمية. لكن هذا التأثير، على أهميته، لا يفسر وحده حالة الضعف. فالدول القوية
تُعيد تعريف علاقاتها الخارجية وفق مصالحها، لا وفق ضغوط الآخرين. المشكلة في
العراق ليست وجود تدخلات فحسب، بل هشاشة الداخل في إدارتها.
رغم كل
التحديات، أظهر المجتمع العراقي قدرة متكررة على إعادة إنتاج الحيوية السياسية،
سواء عبر الانتخابات أو الاحتجاجات. هذا الوعي المتنامي يمثل رصيداً استراتيجياً،
لكنه لم يتحول بعد إلى قوة مؤسسية منظمة قادرة على إحداث التغيير من داخل النظام.
العراق لا
يفتقر إلى مقومات القوة، بل إلى آلية توظيفها. التحدي الحقيقي ليس في غياب الموارد
أو الإمكانات، بل في بنية النظام السياسي وطريقة إدارة الدولة. الانتقال من “دولة
التوازنات” إلى “دولة الفاعلية” يتطلب إصلاحاً تدريجياً عميقاً، يعيد تعريف
العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل التنوع من مصدر انقسام إلى مصدر قوة.
*****
الديمقراطية بين وجهها المشرق ووجهها المظلم في العراق
هاشمية
السعداوي
تُعدّ الديمقراطية
في أصلها من أرقى النظم السياسية، لأنها تقوم على مبدأ مشاركة الشعب في اختيار من
يحكمه، وتمنح المواطن حق التعبير والمحاسبة والتغيير عبر صناديق الاقتراع بدل
العنف والانقلابات. لكنها، كما لكل فكرة عظيمة، قد تحمل وجهًا مظلمًا حين تُمارَس
في بيئة مشوّهة تفتقر إلى الوعي الوطني وتغلب عليها الانتماءات الضيقة.
في العراق،
وبعد سنوات طويلة من التجربة الديمقراطية، ظهر بوضوح أن المشكلة ليست في
الديمقراطية نفسها، بل في الطريقة التي طُبّقت بها. فقد تحوّل التصويت في كثير من
الأحيان من اختيار البرامج والكفاءات إلى اختيار الطائفة والقومية والانتماء
المسبق؛ فالشيعي يصوّت للشيعي، والسني للسني، والكردي للكردي، لا لأن هذا هو
الأصلح، بل لأن الهوية أصبحت أقوى من فكرة الوطن.
وهنا تظهر
مغالطة خطيرة، وهي أن الكثرة العددية لا تعني دائمًا صحة القرار. فالأغلبية حين
تُقاد بالعاطفة أو الخوف أو التحشيد الطائفي، قد تنتج سلطة ضعيفة أو فاسدة، لكنها
تبقى “شرعية” لأنها جاءت عبر صناديق الاقتراع. وهكذا تصبح الديمقراطية غطاءً
لإعادة إنتاج الأزمة بدل حلّها.
ومن أخطر
نتائج هذا الواقع نظام المحاصصة، الذي جعل المناصب العليا تُوزّع كحصص بين القوى
السياسية، لا كمسؤوليات وطنية. فأصبح منصب رئيس الوزراء، مثلًا، يُنظر إليه بوصفه
“حصة” للإطار الشيعي، وليس منصبًا وطنيًا يجب أن يشغله الأكفأ والأقدر على إدارة
الدولة.
اليوم، وبعد
مرور أشهر طويلة على الانتخابات، لا تزال البلاد تعاني من التأخير في تشكيل
الحكومة، ومن غياب الموازنة وتعطل مؤسسات الدولة، بينما المواطن وحده يدفع الثمن
من أمنه ورزقه ومستقبله. الصراع لم يعد من أجل بناء دولة، بل من أجل من يحصل على
المنصب ومن يسيطر على القرار.
وفي خضم هذا
المشهد، قد يظهر مرشح مدني كفوء، يحظى بقبول شعبي واسع، ويحمل مشروع دولة حقيقيًا،
لكن نظام المحاصصة غالبًا ما يستبعده لأنه لا ينتمي إلى المنظومة الحزبية نفسها،
أو لأنه لا يحمل غطاءً طائفيًا يرضي مراكز النفوذ. وهنا يشعر الناس أن الديمقراطية
لم تعد وسيلة للتغيير، بل أداة لحماية نفس الطبقة السياسية.
من هنا بدأ
البعض يتحدث عن فكرة “الديكتاتورية المشرقة”، أي سلطة قوية عادلة تفرض القانون
وتمنع الفوضى، معتبرين أنها قد تكون أفضل من ديمقراطية مشوّهة لا تنتج إلا
الأزمات. فالناس لا تبحث عن اسم النظام بقدر ما تبحث عن العدالة والاستقرار
والكرامة.
لكن الحقيقة
أن الديكتاتورية، مهما بدت مشرقة في بدايتها، تحمل خطر التحول إلى استبداد مطلق
إذا غابت الرقابة والمحاسبة. لذلك فإن الحل لا يكمن في استبدال الديمقراطية
بالاستبداد، بل في بناء ديمقراطية ناضجة تقوم على المواطنة لا الطائفة، وعلى
الكفاءة لا الولاء، وعلى القانون لا الصفقات.
إن العراق لا
يحتاج إلى انتخابات فقط، بل إلى وعي مجتمعي يرفض تقديس الطائفة على حساب الوطن،
ويؤمن بأن الدولة أكبر من الحزب والمذهب. فالديمقراطية بلا وعي قد تتحول إلى نقمة،
أما الديمقراطية القائمة على المواطنة والعدالة فهي وحدها القادرة على بناء وطن
يستحقه العراقيون.
*****
لبنان على
حافة الاحتمالات الكبرى: بين شبح الحرب وأزمات الداخل
مجلة دجلة
الخير – محمد الجراح
يعيش لبنان
واحدة من أكثر مراحله تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع الأزمات السياسية
والأمنية والاقتصادية مع تصاعد التوترات الإقليمية، ما يضع البلاد أمام سيناريوهات
مفتوحة، تتراوح بين احتواء هشّ للأزمة أو الانزلاق نحو مواجهة واسعة.
في هذا
السياق، تكشف تصريحات متباينة لضيوف برنامج "الحق يقال"، الذي يقدمه
الإعلامي عدنان الطائي، حجم الانقسام في قراءة المشهد اللبناني، لا سيما في ظل
استمرار التوتر على الحدود الجنوبية.
الدبلوماسي
الإيراني السابق، عباس خامه يار، يرى أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة شديدة
الحساسية، مشيراً إلى أن "الحرب إذا اندلعت مجدداً ستتسع وتتحول إلى حرب
شاملة تضم مختلف الحلفاء". ويؤكد أن طهران لم تحسم بعد شكل مشاركتها في أي
تصعيد محتمل، لكنها، بحسب تعبيره، "اتخذت خطوات استراتيجية تعكس دعمها
للبنان"، في إشارة إلى مواقف إقليمية مرتبطة بمضيق هرمز.
ويذهب خامه
يار أبعد من ذلك، معتبراً أن "الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من سوريا ولبنان
يشكل بداية لمشروع أوسع للسيطرة على المنطقة"، مشدداً على أن إيران
"تمثل الدرع الواقي لشعوب المنطقة في مواجهة هذا المشروع".
في المقابل،
يقدّم رئيس تحرير موقع "جنوبية" اللبناني، علي الأمين، قراءة مختلفة
تماماً، إذ يرى أن الواقع الميداني في جنوب لبنان يشير إلى توسّع ملموس في السيطرة
الإسرائيلية، لافتاً إلى أن "الكيان يحتل اليوم نحو 8 بالمائة من الأراضي
اللبنانية، بعد أن كان وجوده يقتصر على خمس نقاط فقط".
ويحمّل الأمين
"حرب الإسناد" التي خاضها حزب الله مؤخراً مسؤولية تداعيات إنسانية
واجتماعية خطيرة، أبرزها "اقتلاع السكان الشيعة من القرى الحدودية"، ما
يعمّق من هشاشة النسيج الاجتماعي ويزيد من الضغوط الداخلية.
وعلى الصعيد
السياسي، يؤكد الأمين أن "نحو 70 بالمائة من اللبنانيين لا يريدون
الحرب"، معتبراً أنه "لا يحق لأي طرف، بما في ذلك حزب الله، احتكار قرار
السلم والحرب"، في ظل غياب توافق وطني جامع.
اقتصادياً،
تنعكس هذه التوترات بشكل مباشر على واقع البلاد المنهك أصلاً. فاستمرار التصعيد
يهدد ما تبقى من مقومات الاستقرار، ويؤخر أي فرص للتعافي المالي، في وقت يعاني فيه
اللبنانيون من انهيار العملة، وتراجع الخدمات، وارتفاع معدلات الفقر.
كما أن اتساع
رقعة النزاع المحتمل يضع لبنان في قلب معادلة إقليمية معقدة، قد تؤدي إلى تعطيل
الممرات التجارية، وزيادة الضغوط على قطاعي الطاقة والاستيراد، ما يفاقم الأزمة
المعيشية.
وبين
التحذيرات من حرب شاملة، والدعوات إلى تحييد لبنان عن صراعات المحاور، يبقى السؤال
مفتوحاً: هل يتمكن اللبنانيون من تجنّب الانزلاق إلى مواجهة كبرى، أم أن البلاد
ستجد نفسها مرة أخرى ساحة لصراعات الآخرين؟
في ظل هذه
المعطيات، يبدو أن لبنان يقف على حافة مرحلة مفصلية، حيث تتداخل حسابات الداخل مع
رهانات الخارج، فيما يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف في معادلة تتجاوز حدوده
وإمكاناته.
*****
جنوب لبنان.. مدينة منكوبة وفق القانون الدولي الإنساني
علي التميمي –
باحث قانوني
تُطلَق تسمية
«المدن المنكوبة» في إطار القانون الدولي الإنساني على المدن التي تعجز الحكومات
عن الوصول إليها لتقديم الخدمات الأساسية، كالتعليم والرعاية الصحية والخدمات
المعيشية، فضلًا عن الغذاء والمياه، أي تلك التي تنقطع عنها أذرع السلطة بشكل
فعّال.
وتنقسم المدن
المنكوبة إلى نوعين: مدن تتعرض لكوارث طبيعية كالزلازل، وأخرى تتضرر نتيجة الحروب
والعمليات المسلحة وأعمال الإرهاب.
وعندما تعلن
دولة ما منطقةً منكوبة، فإن ذلك يرتّب عليها التزامات قانونية، من أبرزها
الاستعانة بالمنظمات الدولية، وطلب المساعدة من الدول الأخرى للحصول على الدعمين
المالي والمادي. كما يشمل هذا الإعلان حالات الأوضاع غير الطبيعية، مثل التهجير
الجماعي، وانتشار الخوف من الموت، وتفاقم الأضرار المعنوية، بما يضع السكان أمام
تهديدات غير محددة المصدر.
وقد شهد
العالم حوادث مشابهة، منها زلزال مدينة الأصنام في الجزائر، وكذلك ما تعرضت له مدن
في تركيا وسوريا، فضلًا عن أعمال العنف التي ارتكبها تنظيم «داعش»، وما يجري
حاليًا في غزة.
وتؤكد عدة
اتفاقيات دولية على مفهوم المدن المنكوبة، من بينها اتفاقيتا لاهاي وجنيف الرابعة،
إضافة إلى ميثاق الأمم المتحدة. إذ نصّت المادة (99) من ميثاق الأمم المتحدة على
إمكانية قيام رئيس الدولة المنكوبة بإشعار مجلس الأمن، والأمين العام للأمم
المتحدة، لطرح المسألة على الدول الأعضاء بغية تقديم المساعدة.
كما أشارت
المادتان (15) و(61) من البروتوكول الإضافي لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1977 إلى
هذا الإطار، مع اعتماد معايير لتحديد درجة الخسائر التي تبرر وصف المدينة
بالمنكوبة، حيث تُقدَّر عادة بنسبة تتجاوز 25% من حجم الأضرار، سواء كانت مادية أم
معنوية.
وفي هذا
السياق، استقرّ العرف الدولي على ضرورة تقديم المساعدات الإنسانية بمعزل عن
الاعتبارات والعلاقات السياسية بين الدول، بما يضمن حماية المدنيين وتخفيف
معاناتهم.
*****
صدمة الحرب..
اقتصاد الشرق الأوسط على حافة المجهول
مجلة دجلة
الخير – وكالات
في لحظة
إقليمية مشبعة بالقلق والترقب، لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة
عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي يضرب عمق المنطقة ويعيد رسم ملامح
مستقبلها. هكذا يصف خبراء صندوق النقد الدولي المشهد، مؤكدين أن ما يحدث اليوم
يمثل "صدمة غير مسبوقة" لاقتصادات لطالما سعت إلى التوازن بين الاستقرار
والنمو.
في مقابلة
خاصة مع وكالة فرانس برس، يوضح مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق
النقد الدولي جهاد أزعور أن تداعيات النزاع تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة، لتصل
إلى صلب النشاط الاقتصادي في المنطقة. فمع تصاعد التوتر بين إيران من جهة،
والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، باتت أسواق الطاقة، التي تُعد شريان
الحياة لدول الخليج، تحت ضغط غير مسبوق.
الأرقام تعكس
حجم الصدمة. فقد تم خفض توقعات النمو الاقتصادي لدول المنطقة إلى النصف تقريبًا
مقارنة بالتقديرات السابقة، لتستقر عند حدود 2% فقط بحلول عام 2026. هذه الأرقام
لا تُقرأ بمعزل عن الواقع، إذ تشير إلى تباطؤ حاد في اقتصادات تعتمد بشكل كبير على
تصدير النفط والغاز، وهي موارد تعرضت بدورها لهزات مباشرة نتيجة الصراع.
أحد أبرز
مظاهر هذه الأزمة يتمثل في اضطراب إمدادات الطاقة. فالهجمات المتبادلة والإغلاقات
الوقائية أدت إلى فقدان طاقة إنتاجية تُقدّر بأكثر من عشرة ملايين برميل نفط
يوميًا، إضافة إلى نحو 500 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. هذا الانخفاض لا
ينعكس فقط على عائدات الدول المنتجة، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية، مهددًا
بارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط التضخمية.
قطر، التي تعد
من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، تقف في قلب هذه العاصفة. فبحسب
تقديرات صندوق النقد، سجلت أكبر تراجع في توقعات النمو، مع انكماش متوقع يصل إلى
8.6% خلال العام الجاري. ورغم أن التوقعات تشير إلى احتمال التعافي بحلول عام
2027، إلا أن ذلك يبقى مرهونًا بفرضية تسوية سريعة للنزاع، وهي فرضية تبدو بعيدة
المنال في ظل تعقيدات المشهد السياسي.
ولا تقتصر
التأثيرات على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى مثل النقل الجوي
والسياحة والتجارة، وهي مجالات راهنت عليها دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة
لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط. ومع تصاعد التوترات، تراجعت حركة
السفر، وتقلصت الاستثمارات، وبدأت رؤوس الأموال في البحث عن ملاذات أكثر أمانًا.
ورغم هذه
الصورة القاتمة، يشير أزعور إلى أن "الوضع لا يزال تحت السيطرة"،
مستندًا إلى قدرة بعض الدول على امتصاص الصدمات بفضل احتياطاتها المالية الكبيرة.
إلا أن هذه القدرة ليست متساوية بين جميع الدول، إذ تواجه الاقتصادات الأقل مرونة
تحديات أكبر في مواجهة التراجع الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وخروج
بعض رؤوس الأموال.
في المقابل،
تبدو دول مثل السعودية والإمارات وعُمان أكثر قدرة على الحفاظ على نمو إيجابي، وإن
كان بوتيرة أبطأ. ويعزى ذلك إلى تنوع نسبي في مصادر الدخل، إضافة إلى سياسات مالية
أكثر مرونة. ومع ذلك، تبقى هذه الدول عرضة لتقلبات المشهد الإقليمي، ما يجعل
مستقبلها الاقتصادي مرتبطًا بشكل وثيق بمآلات الصراع.
أما خارج
دائرة الدول النفطية، فإن تداعيات الحرب تتخذ أبعادًا أكثر تعقيدًا. ففي دول مثل
مصر والأردن ولبنان، التي تعتمد بشكل كبير على تحويلات العاملين في الخليج، يشكل
أي تراجع في هذه التحويلات تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي. وتشير التقديرات
إلى أن هذه التحويلات تمثل ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض هذه
الدول.
لبنان، الذي
يعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة، يواجه صدمة "مباشرة" نتيجة استمرار
المواجهات بين حزب الله وإسرائيل. فبعد تسجيل نمو متواضع بلغ 4% في عام 2025، عاد
الاقتصاد اللبناني إلى دائرة الغموض، من دون وجود توقعات واضحة للعام الحالي. ومع
تضرر البنية التحتية واستمرار العمليات العسكرية في الجنوب، تبدو آفاق التعافي
بعيدة المنال.
ولا تقف
التداعيات عند هذا الحد، إذ يحذر خبراء من أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى تفاقم
الأوضاع الإنسانية في الدول الأكثر هشاشة، مثل السودان واليمن، نتيجة ارتفاع أسعار
الطاقة والغذاء. كما أن زيادة معدلات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة قد تعمق أزمات
الديون في دول تعاني أصلًا من ضغوط مالية.
في النهاية،
يبدو أن العامل الحاسم في تحديد مستقبل اقتصادات المنطقة هو "الزمن".
فكلما طال أمد النزاع، زادت كلفته الاقتصادية، وتعمقت آثاره السلبية. وبينما يترقب
الجميع مخرجًا سياسيًا يعيد الاستقرار، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الاقتصاد،
كعادته، هو أول من يدفع الثمن.. وآخر من يتعافى.
*****
حرائق الحرب تشعل أسعار الطاقة عالميا
من الخليج إلى
العالم أزمة طاقة تضرب الاقتصاد والحياة اليومية
مجلة دجلة
الخير – وكالات
في صباحٍ
رمادي يلفّ مياه الخليج، كانت السماء فوق مضيق هرمز مثقلة بالدخان، وكأنها تعكس
ثقل العالم بأسره. لم يكن المشهد مجرد تصاعد لألسنة اللهب من منشآت نفطية هنا
وهناك، بل كان إعلانًا صامتًا عن أزمة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتطرق أبواب كل بيت
على هذا الكوكب.
من طهران إلى
رأس تنورة، ومن منصات النفط إلى شاشات التداول في لندن، تتشابك الخيوط في قصة
واحدة: كيف يمكن لحربٍ إقليمية أن تُربك شرايين الطاقة العالمية، وترفع أسعار
النفط، فتنعكس مباشرة على حياة الناس اليومية.
يُعد مضيق
هرمز أكثر من مجرد ممر مائي؛ إنه شريان الحياة لثلث تجارة النفط العالمية تقريبًا.
ومع تصاعد التوترات العسكرية وإغلاق المضيق فعليًا، توقفت ناقلات النفط عن العبور،
أو كادت، لتُحتجز ملايين البراميل في قلب الخليج.
هذا الانقطاع
المفاجئ في الإمدادات خلق حالة من الذعر في الأسواق، حيث لم يعد السؤال: كم يبلغ
سعر النفط اليوم؟ بل هل سيصل النفط أصلًا؟
في إحدى محطات
الوقود بلوس أنجلوس، يقف سائق شاحنة يتفحص شاشة المضخة بقلق، حيث تجاوز سعر الوقود
مستويات غير مسبوقة. هذا المشهد البسيط يلخص سلسلة معقدة من الأحداث: حرب في الشرق
الأوسط، تعطّل الإمدادات، انخفاض المعروض، ارتفاع الأسعار، ضغط مباشر على
المستهلك.
فالنفط ليس
مجرد وقود للسيارات، بل يدخل في كل شيء تقريبًا: من الطائرات إلى البلاستيك، ومن
الأسمدة إلى الطرق التي نسير عليها. ومع كل ارتفاع في سعره، ترتفع معه تكاليف
الحياة.
لم تتوقف
التأثيرات عند حدود الوقود. فمع تعطّل إمدادات الغاز الطبيعي أيضًا، بدأت الصناعات
الثقيلة تشعر بالاختناق، وارتفعت أسعار المواد الغذائية نتيجة نقص الأسمدة، ما
أعاد إلى الأذهان أزمات اقتصادية عالمية سابقة.
وتشير تقديرات
إلى أن استمرار النزاع قد يعيد العالم إلى سيناريو شبيه بأزمات النفط في سبعينيات
القرن الماضي، حيث التضخم المرتفع والركود الاقتصادي يسيران جنبًا إلى جنب.
في واشنطن،
يلوّح المسؤولون بإمكانية انتهاء الازمة قريبًا، وهو ما ينعكس فورًا على الأسواق
بانخفاض الأسعار. لكن في المقابل، أي تصعيد جديد أو خطاب متوتر يعيد القلق، فتقفز
الأسعار مجددًا. إنها لعبة حساسة بين السياسة والاقتصاد، حيث لا تتحرك الأسواق
بالأحداث فقط، بل بالتوقعات أيضًا.
بينما تعتمد
بعض الدول على احتياطيات استراتيجية ضخمة، تجد دول أخرى نفسها في موقف هش، لا تملك
سوى أسابيع قليلة من الإمدادات. ومع استمرار الأزمة، بدأت الحكومات تفكر في
إجراءات غير تقليدية: تقليل ساعات العمل، تشجيع العمل عن بُعد، وحتى الحد من
الاستهلاك.
ربما تبدو
الحرب بعيدة جغرافيًا عن كثيرين، لكنها في الحقيقة قريبة جدًا من تفاصيل حياتهم
اليومية: في فاتورة الكهرباء، في سعر الخبز، في تذكرة الطائرة، وحتى في كلفة
الطريق الذي يسلكونه كل صباح.
وهكذا، بينما
تتصاعد ألسنة اللهب في منشأة نفطية على ضفاف الخليج، تمتد آثارها بهدوء إلى كل
زاوية من زوايا العالم، لتذكّرنا بأن الاقتصاد العالمي ليس إلا شبكة مترابطة..
يكفي أن تهتز حلقة واحدة فيها، ليشعر الجميع بالارتجاج.
*****
توتر غير مسبوق بين الفاتيكان وإدارة ترامب
خلافات حول
الحرب والهجرة تكشف صراع القيم والسياسة الدولية
مجلة دجلة
الخير – وكالات
في مشهد نادر
في العلاقات بين السلطة الدينية والقرار السياسي، برزت ملامح توتر غير مألوف بين
بابا الفاتيكان لاون الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث تجاوزت
التصريحات المتبادلة حدود التحفظ التقليدي الذي يميز خطاب الكرسي الرسولي تجاه
قادة العالم. فقد اختار البابا، في سياق مواقفه المناهضة للحروب والداعية إلى
السلام، أن يعبّر بوضوح عن رفضه للتصعيد العسكري، لا سيما في ما يتعلق بالحرب على
إيران، وهو ما اعتبره خطاباً يهدد الاستقرار الإنساني والحضاري، مؤكداً أن الكنيسة
معنية بالدفاع عن الحياة وكرامة الإنسان قبل أي اعتبارات سياسية.
في المقابل،
لم يتردد ترامب في توجيه انتقادات مباشرة للبابا، متهماً إياه بتبني مواقف وصفها
بالضعيفة في مواجهة التحديات الأمنية، وبالانحياز إلى رؤى ليبرالية في السياسة
الخارجية، وهو خطاب غير معتاد في تاريخ العلاقة بين البيت الأبيض والفاتيكان، حيث
درجت هذه العلاقة على قدر من التوازن والاحترام المتبادل حتى في ظل الخلافات. إلا
أن هذا التوتر يعكس تحولات أعمق تتصل بطبيعة الصراع بين منظومتين: الأولى تستند
إلى مرجعية أخلاقية وإنسانية عابرة للحدود، والثانية تحكمها اعتبارات الأمن القومي
والمصالح الاستراتيجية.
ورغم حدة
التصريحات، حافظ البابا على نبرة هادئة، مؤكداً أنه لا يسعى إلى الدخول في سجال
سياسي، بل يلتزم برسالة الكنيسة في الدعوة إلى السلام ورفض العنف، مشدداً على أن
دوره ليس سياسياً بقدر ما هو أخلاقي وروحي. هذا الموقف يعكس استمرارية لنهج سلفه
في التركيز على قضايا العدالة الاجتماعية، والهجرة، وحقوق الإنسان، وهي ملفات
لطالما شكلت نقطة تقاطع حساسة مع السياسات الأمريكية، خاصة في عهد ترامب.
ويكتسب هذا
الخلاف أهمية إضافية بالنظر إلى الثقل الكاثوليكي داخل الولايات المتحدة، حيث يشكل
الكاثوليك نسبة كبيرة من المجتمع، ولهم حضور مؤثر في الحياة السياسية، بما في ذلك
داخل الإدارة الأمريكية نفسها. غير أن هذا الثقل لا يعكس بالضرورة وحدة في
المواقف، إذ تكشف المعطيات عن انقسام واضح داخل القاعدة الكاثوليكية بين تيارات
محافظة تدعم سياسات ترامب، وأخرى ترى في مواقف الكنيسة تعبيراً عن التزام أخلاقي
لا يمكن التنازل عنه.
وفي هذا
السياق، برز ملف الهجرة كأحد أبرز محاور الخلاف، حيث انتقد البابا السياسات
المتشددة تجاه المهاجرين، معتبراً أنها تتعارض مع القيم الإنسانية والمسيحية،
بينما ترى الإدارة الأمريكية أن هذه السياسات ضرورية لحماية الحدود والنظام
الداخلي. هذا التباين لا يقتصر على مستوى الخطاب، بل يمتد إلى داخل المؤسسات
الدينية نفسها، حيث شهدت مواقف الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة تدخلاً غير
مسبوق دفاعاً عن حقوق المهاجرين، ما يعكس عمق الانقسام بين الرؤية الدينية والنهج
السياسي.
في المحصلة،
لا يمكن النظر إلى هذا التوتر بوصفه مجرد خلاف عابر بين شخصيتين، بل هو تجلٍ لصراع
أوسع بين خطابين: خطاب يسعى إلى إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية في عالم مضطرب،
وآخر يركز على أولويات القوة والسيادة. وبين هذين المسارين، تبقى العلاقة بين
الفاتيكان وواشنطن مرشحة لمزيد من التعقيد، في ظل عالم تتداخل فيه السياسة بالدين،
وتتقاطع فيه المصالح مع المبادئ.
*****
الاتحاد
الأوروبي يحقق مع إكس
تحقيق أوروبي
واسع حول محتوى الذكاء الاصطناعي الجنسي
مجلة دجلة
الخير – وكالات
في خطوة تعكس
تصاعد القلق العالمي من تداعيات الذكاء الاصطناعي، فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقًا
رسميًا بحق منصة إكس، المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك، على خلفية استخدام برنامج
الدردشة الآلي "غروك" في إنتاج محتوى بصري مثير للجدل، يتضمن صورًا
مُعدّلة ذات طابع جنسي لنساء وقاصرين، ما أثار موجة انتقادات واسعة من جهات
تنظيمية وحقوقية على حد سواء.
ويأتي هذا
التحقيق في سياق أوسع من التشدد الأوروبي تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث تسعى
بروكسل إلى فرض معايير صارمة على المحتوى الرقمي، خصوصًا ما يتعلق بحماية الفئات
الأكثر هشاشة. وتشير المعطيات الأولية إلى أن "غروك"، المدعوم بتقنيات
الذكاء الاصطناعي التوليدي، أتاح إمكانية التلاعب بالصور الشخصية عبر أوامر نصية
بسيطة، ما أدى إلى إنتاج صور غير لائقة دون موافقة أصحابها، في ظاهرة باتت تُعرف
بـ"التعرّي الرقمي".
وفي هذا
الإطار، شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أن أوروبا
"لن تتسامح مع سلوكيات لا يمكن تصورها"، مؤكدة أن حماية الأطفال وحقوق
الأفراد ليست مجالًا للتجربة أو الاستغلال التجاري. كما أوضحت مفوضة التكنولوجيا
هينا فيركونين أن التحقيق يهدف إلى التحقق من مدى التزام "إكس" بقواعد
قانون الخدمات الرقمية، الذي يُلزم المنصات الكبرى باتخاذ إجراءات فعالة للحد من
انتشار المحتوى غير القانوني.
وتُظهر
تقديرات صادرة عن جهات رقابية مستقلة أن البرنامج قد أنتج خلال فترة قصيرة ملايين
الصور ذات الإيحاءات الجنسية، ما زاد من حدة المخاوف بشأن الاستخدام غير المنضبط
للتقنيات الحديثة. وفي موازاة ذلك، اتخذت بعض الدول خطوات أكثر صرامة، إذ قامت
إندونيسيا بحجب الأداة مؤقتًا، في سابقة تعكس اتساع نطاق القلق الدولي من هذه
التطبيقات.
ولم يكن هذا
التطور معزولًا عن سياق تنظيمي أوسع، فقد سبق للاتحاد الأوروبي أن فرض غرامة مالية
كبيرة على منصة "إكس" بسبب انتهاكها قواعد المحتوى، في إطار تطبيق قانون
الخدمات الرقمية، الذي يُعد أحد أبرز التشريعات الحديثة لتنظيم الفضاء الرقمي.
وتؤكد بروكسل أن هذه الإجراءات لا تستهدف شركات بعينها، بل تهدف إلى حماية القيم
الديمقراطية وضمان بيئة رقمية أكثر أمانًا للمستخدمين.
في المقابل،
ترى بعض الأطراف، لا سيما في الولايات المتحدة، أن التشدد الأوروبي قد ينعكس سلبًا
على شركات التكنولوجيا الأمريكية، معتبرة أن هذه السياسات قد تُستخدم كأداة ضغط
اقتصادي وتنظيمي. إلا أن الاتحاد الأوروبي يصر على أن معاييره تستند إلى اعتبارات
قانونية وأخلاقية بحتة، وأنها قد تشكل نموذجًا عالميًا يُحتذى به في تنظيم الذكاء
الاصطناعي.
وبين تصاعد
الابتكار التكنولوجي وتسارع وتيرة التشريعات، يبرز هذا التحقيق كحلقة جديدة في
صراع مفتوح بين حرية التطوير الرقمي ومتطلبات الحماية المجتمعية، في وقت باتت فيه
الحدود بين الواقع والافتراض أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
*****
مشروبات الطاقة خطر صامت يهدد صحة المراهقين
تحذيرات طبية
متزايدة من آثارها الجسدية والنفسية طويلة الأمد
مجلة دجلة
الخير – أنس الشمري
في زحمة
الحياة اليومية وتسارع إيقاعها، لم تعد مشروبات الطاقة مجرد خيار عابر على رفوف
المتاجر، بل تحوّلت إلى رفيق دائم في حقائب كثير من الأطفال والمراهقين. علبٌ
ملوّنة تحمل وعوداً بالنشاط والتركيز، لكنها في المقابل تثير قلقاً متزايداً لدى
الأطباء وأولياء الأمور على حد سواء.
تشير دراسات
حديثة إلى أن نحو ثلث المراهقين، الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً، يستهلكون
مشروبات الطاقة بشكل منتظم. هذا الرقم لا يُقرأ بوصفه مؤشراً استهلاكياً فحسب، بل
بوصفه جرس إنذار صحي يدقّ في وجه مجتمع قد لا يدرك تماماً حجم التأثيرات الكامنة
وراء هذه العادة المتنامية.
يقول مختصون
إن الإغراء الأساسي لهذه المشروبات يكمن في قدرتها على منح شعور سريع بالنشاط
والانتباه، وهو ما يجذب فئة عمرية تعيش ضغوط الدراسة والسهر والتواصل الرقمي
المستمر. غير أن هذا "النشاط المؤقت" يخفي وراءه تركيبة معقّدة من
الكافيين والسكريات والمنبهات، قد تكون آثارها أكثر حدّة على أجسام ما تزال في طور
النمو.
فالأطفال
والمراهقون، بحكم صغر حجم أجسامهم وعدم اكتمال نمو أدمغتهم، أكثر عرضة للتأثر
بمكونات هذه المشروبات. ويحذر الأطباء من أن الكافيين، العنصر الأبرز فيها، قد
يقود إلى اضطرابات في النوم، وارتفاع مستويات القلق والتوتر، بل وقد يمتد تأثيره
إلى سلوكيات أكثر تعقيداً مثل العدوانية أو الاكتئاب.
ولا تتوقف
المخاطر عند هذا الحد، إذ قد تظهر مضاعفات أكثر خطورة في حال الإفراط في
الاستهلاك. من اضطراب ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، إلى الجفاف وتسارع التنفس،
وصولاً في بعض الحالات النادرة إلى نوبات تشنج، وهي مؤشرات تدفع المختصين إلى
المطالبة بضبط استهلاك هذه المنتجات أو الحد منها بشكل واضح.
في هذا
السياق، توصي الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بتجنب مشروبات الطاقة بشكل كامل
لدى الأطفال والمراهقين، مشيرة إلى عدم وجود حد آمن محدد لاستهلاك الكافيين في هذه
المرحلة العمرية. بينما تذهب توصيات طبية أخرى إلى وضع سقف تقريبي لا يتجاوز 100
ملغ يومياً لمن تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً، مع التشديد على أن الأفضل هو
الامتناع عنها تماماً.
وعلى الرغم من
الخلط الشائع بين مشروبات الطاقة والمشروبات الرياضية، يوضح الخبراء أن الأخيرة لا
تحتوي على الكافيين، لكنها تبقى غنية بالسكر، ما يجعلها خياراً غير مناسب
للاستهلاك اليومي. فالإفراط في السكريات يرتبط بدوره بمشكلات صحية مثل السمنة
وتسوس الأسنان، وهي تحديات لا تقل خطورة على صحة الأجيال الناشئة.
أمام هذا
المشهد، يعود الأطباء إلى التوصية الأبسط والأكثر أماناً: الماء. فهو الخيار
الأفضل لترطيب الجسم في معظم الحالات، إلى جانب بدائل صحية مثل العصائر الطبيعية
المخففة أو الحليب. كما يؤكدون أهمية تقليل استهلاك المشروبات السكرية عموماً،
باعتبارها من أبرز العوامل المساهمة في زيادة الوزن لدى الأطفال.
وبين إغراء
العلبة اللامعة وتحذيرات الطب، تبقى المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع، في
توعية الصغار بخياراتهم اليومية. فالقضية لم تعد مجرد مشروب، بل نمط حياة قد يرسم
ملامح صحة جيل كامل في المستقبل.
*****
الفرات في الشعر العراقي من رمز حضاري إلى بنية دلالية
عنواناً لجلسة
عامرة لنادي الشعر في اتحاد أدباء العراق
غسان عادل
أقام نادي
الشعر في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، اليوم السبت 18 نيسان
2026،جلسةً بعنوان(على ضفاف الفرات/أصوات شعرية من كربلاء والأنبار)شارك فيها
الشاعران جمال آل مخيف وشاكر الخياط مع ورقة نقدية بعنوان(الفرات بوصفه بنية
دلالية في القصيدة العراقية الحديثة)قدّمها الناقد د.حيدر فاضل، بحضور جمعٍ من الأدباء والمثقفين.
وقال مدير
الجلسة الشاعر حماد الشايع،نجتمع في هذا اللقاء لنصغي إلى صوتين شعريين قادمين من
بيئتين تختزنان ذاكرةً ثرية وتجربةً عميقة؛ من كربلاء، حيث الروح مثقلة بالدلالة،
ومن الأنبار،حيث الأفق مفتوح على أسئلةٍ لا تنتهي،وبين هذين الصوتين، تتشكل مساحة
للحوار،لا بين نصّين فحسب،بل بين رؤيتين للحياة، وطريقتين في التقاط المعنى.
وافتتح جمال
آل مخيف باب القراءات بقصيدةٍ حملت عنوان (في ذمة الستين)أعقبه الشاعر شاكر الخياط
بحديثٍ عن الفرات في مدينة هيت،مبيناً أنه حديثٌ لا ينتهي لما ينطوي عليه من جمال
وفضاء وإلهام للشعراء،معضِّداً ذلك بقصيدةٍ حملت عنوان (لك من جفون العين).
وبيّن فاضل في
ورقته النقدية،أن نهر الفرات يُعدّ من أشهر أنهار المعمورة، وهو حاضرٌ في ذاكرة
أغلب الديانات وشعوب العالم،وقد احتضن إلى جانب دجلة أقدم الحضارات الإنسانية.
وأشار حيدر،إلى
أن أهميته وتجلياته انعكست بصورةٍ مباشرة على تجارب الشعراء،ولا سيما الصوفيين
منهم،إذ تحوّل في النصوص الشعرية من مجرّد عنصرٍ طبيعي إلى بنيةٍ دلالية تتجسد
فيها أبعاد فكرية ونفسية وثقافية واجتماعية.
ولفت،إلى أن
نهر الفرات ظلّ حاضراً في مختلف المراحل التاريخية للشعر العربي،إذ تجلّى في الشعر
الجاهلي بوصفه رمزًا للحياة والخصب،واستمر حضوره في صدر الإسلام، ليغدو في العصر
العباسي عنصرا جمالياً وثقافياً،كما واصل حضوره في تجارب شعراء الحداثة في الوطن
العربي، حيث تحوّل إلى رمزٍ مفتوح على التأويل.
وعاد آل مخيف
ليؤكد إن الفرات في تجربته الشعرية لا يُختزل في كونه مجرّد ماء،بل يتبدّى ككائنٍ
حيّ تتعدّد وجوهه ودلالاته،فهو صديقٌ حميم في لحظات الألفة والصفاء،وقد يغدو، في
وجهٍ آخر، قاسياً حين يتحوّل إلى سببٍ للفقد حين يغرق فيه أحد،وأن الصور التي
تتشكّل في قصائده ليست إلا إيحاءاتٍ يبعثها النهر.
من جانبه،جسّد
الخياط رؤيته للفرات عبر قصيدةٍ حملت عنوان(من أين سأبدأ مأساتي)عبّر فيها عن
علاقة مشحونة بالوجع والذاكرة.
*****
الناصرية تقرأ.. إنتصار الثقافة على المنع والتحديات
مبادرة شبابية
تؤكد أن الكلمة أقوى من القيود والظروف
مجلة دجلة
الخير - سلوان اليوسف
في مدينةٍ
اعتادت أن تكون حاضنةً للكلمة ومهدًا للفعل الثقافي، أسدل مهرجان “الناصرية تقرأ”
الستار على دورته الأولى مساء الجمعة 17 نيسان، بعد أن نجح في تحويل التحديات إلى
فرصة، والمنع إلى حافز، ليقدم نموذجًا حيًا على قدرة المبادرات الشبابية المستقلة
على صناعة أثرٍ حقيقي في المجتمع. المهرجان، الذي شهد توزيع ما يقارب عشرة آلاف
كتاب على جمهور واسع، غالبيته من الشباب، لم يكن مجرد حدث عابر في روزنامة الأنشطة
الثقافية، بل شكل محطة فارقة في مسار الحياة الثقافية في محافظة ذي قار، خاصة بعد
أن حظي بترحيب شعبي واسع وتعاون من الحكومة المحلية، عقب مرحلة صعبة من المنع
والتأجيل وتوقيف بعض المنظمين.
هذا التحول من
التضييق إلى النجاح لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة إصرار جماعي وإيمان راسخ بدور
الثقافة كقوة تغيير، وهو ما عبّر عنه عدد من الناشطين المدنيين الذين شاركوا في
المهرجان، حيث قدموا رؤى عميقة حول دلالات هذه التجربة وما تحمله من رسائل للمجتمع
والجهات الرسمية على حد سواء.
الناشط المدني
كريم محسن يرى أن ما جرى في ذي قار لا يمكن اختزاله بفعالية ثقافية عابرة، بل هو
تعبير حي عن إرادة ثقافية تتشكل رغم كل التحديات، مشيرًا إلى أن تجربة
"الناصرية تقرأ"، بما مرت به من منع وتوقيف، كشفت حقيقة جوهرية مفادها
أن الثقافة في المجتمع ليست ترفًا، بل حاجة ملحّة ووسيلة من وسائل "المقاومة
الناعمة" في مواجهة الانغلاق. ويؤكد أن هذه التجربة عمّقت الإيمان بقدرة
الكلمة على فتح ما تغلقه الأبواب، وأن ما يمنح هذه المبادرة قدرتها على الصمود هو
إيمان الناس بها، وبساطتها التي تنبع من الشارع لا من المؤسسات، حيث يتحول الكتاب
إلى جسر إنساني يصعب كسره.
ويضيف أن
المهرجان تجاوز فكرة القراءة بوصفها نشاطًا فرديًا، ليصبح مساحة للتلاقي والحوار،
يلتقي فيها المختلفون على قاسم إنساني مشترك، وهو ما يشكل، برأيه، أحد أهم
إنجازاته. كما يوجه رسالة واضحة إلى الجهات الرسمية بضرورة دعم مثل هذه المبادرات
بدل تقييدها، مؤكدًا أن الثقافة ليست خصمًا لأحد، بل رافعة للمجتمع بأكمله، فيما
يحمّل المجتمع مسؤولية مشتركة في استمرار هذه المبادرات، مستعيدًا المقولة الشعبية
"اليد الواحدة لا تصفق"، للدلالة على أهمية العمل الجماعي.
من جهته، يذهب
الناشط ماجد جبار إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن المحطات الصعبة التي واجهها
المهرجان لم تكن مجرد عقبات، بل مثلت "اختبارًا حقيقيًا" للفعل الثقافي،
إذ رسخت القناعة بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل ضرورة وجودية ووسيلة للتحرر
الفكري. ويرى أن منع المهرجان أو التضييق عليه لم يكن دليل ضعف، بل مؤشر على
تأثيره، فالثقافة، كما يقول، حين تُمنع، فهذا يعني أنها قادرة على إحداث تغيير،
وحين يُحارب القائمون عليها، فهذا يعني أنهم يطرحون أفكارًا تكسر حالة الركود.
ويشير جبار
إلى أن الضغوط التي تعرض لها المهرجان ساهمت في إعادة تعريفه، إذ تحول من سوق
لتبادل الكتب إلى منصة للمقاومة السلمية بالكلمة والوعي، وفضاء لصناعة جيل يمتلك
أدوات النقد والتحليل، لا يكتفي بتلقي الأفكار الجاهزة. ويرى أن سر صمود
"الناصرية تقرأ" يكمن في هويته الشعبية، إذ لم ينطلق من مؤسسات رسمية،
بل من الشارع ومن أحلام الشباب المتطوعين، ما منحه استقلالية ومرونة في مواجهة
التحديات.
ويعدد جبار
عناصر هذا الصمود، من بينها الإيمان بالقضية، حيث يرى المتطوعون والجمهور في
المهرجان متنفسًا نقيًا بعيدًا عن الاستقطابات، إضافة إلى الدعم المجتمعي الذي
يجعل كل فرد يشعر بأن المهرجان يمثله ويمثل هوية مدينته، فضلاً عن الاستقلالية
التي تحرره من أي ارتهان سياسي أو تمويل مشروط. ويؤكد أن المهرجان تجاوز مفهوم
القراءة التقليدية، ليصبح بمثابة "برلمان ثقافي مفتوح"، تُطرح فيه
القضايا المختلفة، من الفن إلى السياسة إلى الاجتماع، في بيئة آمنة تعزز الحوار
والسلم المجتمعي.
كما يوجه جبار
رسائل مزدوجة، إذ يدعو الجهات الرسمية إلى النظر للمبادرات الشبابية كشريك في
التنمية لا كتهديد، مؤكدًا أن الاستثمار في "العقل" هو الضمانة الحقيقية
لمستقبل مستقر، فيما يوجه للمجتمع دعوة للتمسك بهذه المنصات الثقافية باعتبارها
سلاحًا في مواجهة الجهل والتطرف والفساد. ويرى أن مستقبل هذه المبادرات، رغم
التحديات، يبدو واعدًا في ظل تزايد "العطش الثقافي" لدى الشباب، مشيرًا
إلى أن تجربة "الناصرية تقرأ" بدأت تنتقل إلى مدن أخرى، في مؤشر على
حيويتها.
أما الناشط
علي عبد المجيد، فيقدم قراءة مختلفة لتجربة المهرجان، معتبرًا أن ما تعرض له من
اتهامات أو تضييق جاء في مجمله نتيجة سوء فهم، خاصة بعد أن بلغ المنظمون مراحل
متقدمة من التحضير قبل أن يُفاجأوا بإلغاء التصاريح الأمنية وتوقيف بعض الشباب.
لكنه يؤكد في المقابل أن الحملة التي أطلقها النشطاء لتوضيح الحقائق، إلى جانب
تقديم الوثائق للجهات المعنية، ساهمت في خلق حالة دعم واسعة شملت مختلف شرائح
المجتمع، بل وتجاوزت حدود المحافظة.
ويرى عبد
المجيد أن هذا الدعم لم يكن مجرد تضامن عابر، بل شكل دافعًا حقيقيًا للاستمرار،
وعزز القناعة بوجود حاضنة مجتمعية أوسع لمثل هذه المبادرات، وهو ما انعكس في
الحضور الجماهيري الكبير الذي شهده المهرجان، بمشاركة آلاف الزوار من مختلف
المحافظات، إضافة إلى حضور العائلات، في مشهد يعكس تحوّل المهرجان إلى فعالية
مجتمعية جامعة.
ويؤكد أن هذا
النجاح دفع اللجنة التنظيمية إلى اتخاذ قرار بتثبيت المهرجان كفعالية سنوية، مع
خطط لتوسيع أنشطته لتشمل مختلف مناطق المحافظة، وتنظيم فعاليات ثقافية وفنية في
الأقضية والنواحي، بالتنسيق مع المؤسسات التربوية ودور النشر والمكتبات. كما يشير
إلى أن المهرجان لم يعد مجرد مناسبة لتوزيع الكتب، بل تحول إلى منبر ثقافي وفني
وإنساني يعكس نبض المجتمع، ويعيد للمدينة مكانتها الثقافية.
وفي ما يتعلق
بالرسائل الموجهة للجهات الرسمية، يشدد عبد المجيد على أهمية دعم المبادرات
الثقافية ورعايتها، سواء من قبل الحكومة المحلية أو المركزية، لما لذلك من دور في
إعادة الاعتبار للكتاب في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، إلى جانب ضرورة احتضان
المواهب الثقافية وتوفير البيئة المناسبة لنموها. كما يؤكد أن المهرجان أتاح مساحة
حرة للتعبير، احتضنت قضايا ثقافية وشعرية واجتماعية، وأسهمت في إيصال الرسالة بشكل
أعمق وأكثر تأثيرًا.
تتقاطع هذه
الآراء، على اختلاف زواياها، في نقطة مركزية واحدة، وهي أن "الناصرية
تقرأ" لم يكن مجرد مهرجان، بل تجربة ثقافية واجتماعية متكاملة، أثبتت أن
المبادرات المستقلة قادرة على تجاوز القيود، متى ما توفرت لها الإرادة والدعم
المجتمعي. كما تؤكد أن الثقافة، في سياقها الحقيقي، ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل أداة
لبناء الوعي وتعزيز الحوار وترسيخ قيم المواطنة.
وفي ظل واقع
مليء بالتحديات، يبدو أن هذه التجربة تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه، ليس فقط في
ذي قار، بل في مختلف المحافظات، خاصة مع الحاجة المتزايدة إلى فضاءات آمنة للحوار
والتعبير، تعيد للثقافة دورها الحيوي في المجتمع. كما تطرح في الوقت ذاته أسئلة
مهمة حول طبيعة العلاقة بين المبادرات الشبابية والمؤسسات الرسمية، وكيف يمكن
تحويل هذه العلاقة من حالة توتر إلى شراكة حقيقية تقوم على الدعم والتكامل.
وفي المحصلة،
فإن مهرجان "الناصرية تقرأ" لا يختتم دورته الأولى بوصفه حدثًا ناجحًا
فحسب، بل يفتح أفقًا جديدًا أمام العمل الثقافي المستقل، ويؤكد أن الرهان على
الشباب والمجتمع لا يزال رهانًا رابحًا. وبينما تستعد هذه المبادرة لدورات قادمة،
يبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على هذا الزخم، وتحويله إلى مشروع مستدام يعزز حضور
الثقافة في الحياة اليومية، ويجعل من الكتاب والكلمة مساحة دائمة للقاء والتغيير.
*****
الأهوار تستعيد أنفاسها.. والماء يعيد رسم ملامح الحياة في ميسان
مجلة دجلة الخير – حيدر الحسني – ميسان
عودة
الإطلاقات المائية تتقاطع مع مبادرات محلية لإنعاش السياحة ودعم سبل العيش في
واحدة من أهم البيئات العراقية
تعود الحياة
تدريجياً إلى أهوار ميسان مع تحسن الإطلاقات المائية، في مشهد طال انتظاره من قبل
سكان المنطقة الذين ارتبطت معيشتهم لعقود بهذا الامتداد المائي الفريد. فمع كل
ارتفاع لمنسوب المياه، لا تستعيد الأهوار صورتها الطبيعية فحسب، بل تعود معها
ملامح دورة اقتصادية واجتماعية كاملة، تعتمد على الصيد وتربية الجاموس والسياحة
البيئية، في واحدة من أكثر مناطق العراق حساسية وأهمية.
هذا التحسن لم
يأتِ بمعزل عن حراك محلي متنامٍ، إذ بدأت مبادرات ميدانية لإعادة تأهيل الممرات
المائية وتهيئة الأهوار لاستقبال الزوار. وفي هذا السياق، أطلق الناشط البيئي أحمد
صالح نعمة، برفقة عدد من المتطوعين، حملة لتنظيف الممرات داخل أهوار ميسان من
القصب والبردي، وفتح مسارات مائية تسهّل حركة الزوارق. ووفقاً لتصريحاته، فإن
الحملة التي انطلقت في 11 نيسان 2026 تمكنت من إنجاز نحو 60% من أعمال التنظيف، مع
خطط لإكمالها بالكامل خلال الأيام المقبلة.
وتعكس هذه
الجهود إدراكاً محلياً متزايداً بأن الأهوار ليست مجرد بيئة طبيعية، بل تمثل ركيزة
اقتصادية واجتماعية متكاملة. فبالنسبة لسكانها، تعد الأهوار مصدراً رئيسياً للدخل،
سواء من خلال صيد الأسماك أو تربية الجاموس، فضلاً عن كونها محطة مهمة للطيور
المهاجرة، ما يمنحها قيمة بيئية عالمية.
لكن، ورغم هذه
المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات قائمة. إذ يشير عنوان أحد التقارير المصورة
إلى "البنى التحتية التي يحتاجها سكان الأهوار"، وهو توصيف دقيق لحجم
الفجوة بين الإمكانات الطبيعية الكبيرة للمنطقة، ومستوى الخدمات المقدمة لسكانها.
فالسياحة، التي يُعوّل عليها كأحد محركات التنمية، لا يمكن أن تزدهر من دون توفير
طرق مناسبة، وخدمات أساسية، ومرافق تضمن تجربة آمنة ومريحة للزوار، وفي الوقت نفسه
تحسن من جودة حياة السكان المحليين.
ويؤكد مختصون
أن أي مشروع لإنعاش الأهوار يجب أن يقوم على مبدأ التوازن بين حماية البيئة وتنمية
الاقتصاد المحلي. فالإفراط في استغلال الموارد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، في حين أن
الإهمال يهدد بفقدان هذا الإرث الطبيعي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية حكومية
واضحة تضمن استدامة الإطلاقات المائية، وتدعم المبادرات المحلية، وتستثمر في
البنية التحتية بشكل مدروس.
وفي ظل
التغيرات المناخية التي أثرت بشكل مباشر على الموارد المائية في العراق، تكتسب
الأهوار أهمية مضاعفة بوصفها نظاماً بيئياً هشاً يتطلب إدارة دقيقة. ففترات الجفاف
السابقة لم تؤثر فقط على المشهد الطبيعي، بل دفعت العديد من العائلات إلى الهجرة،
وهددت استمرارية أنماط الحياة التقليدية التي تميز هذه المنطقة.
اليوم، ومع
عودة المياه، تلوح فرصة جديدة لإعادة إحياء هذا الإرث، لكن نجاح هذه الفرصة مرهون
بقدرة الجهات المعنية على تحويل التحسن الحالي إلى مسار مستدام. فالمبادرات
الفردية، على أهميتها، لا يمكن أن تحل محل التخطيط المؤسسي طويل الأمد.
وبينما يواصل
المتطوعون فتح الممرات المائية استعداداً لموسم سياحي واعد، يبقى الرهان الأكبر
على تحويل الأهوار إلى نموذج ناجح للتنمية المستدامة، يجمع بين حماية البيئة
وتحسين مستوى المعيشة. فالأهوار ليست مجرد مساحة مائية، بل هي قصة إنسان ومكان،
تتجدد فصولها مع كل عودة للماء.
إن ما يحدث
اليوم في أهوار ميسان قد يكون بداية لتحول أوسع، يعيد لهذه المنطقة مكانتها التي
تستحقها، ليس فقط كمورد اقتصادي، بل كجزء حي من هوية العراق وتاريخه. وإذا ما
تضافرت الجهود بين السكان والحكومة والمنظمات الداعمة، فإن الأهوار قادرة على أن
تنهض من جديد، وتتحول من منطقة تعاني التهميش إلى نموذج يحتذى به في إدارة الموارد
الطبيعية.
*****
الشاعر عبد
الوهاب البياتي.. سيرة منفى يكتب الوطن
مجلة دجلة
الخير – خاص
في اليوم
الثالث آب عام 1999، غاب الجسد وبقي الصوت. لم يكن عبد الوهاب البياتي شاعرًا
عابرًا في تاريخ الأدب العربي، بل كان سيرةً كاملةً لوطنٍ يتنقّل بين المنافي،
ويكتب نفسه كلّ مرةٍ من جديد.
وُلد البياتي
في 19 كانون الأول عام 1926 في بغداد، المدينة التي ستظلّ لاحقًا جرحه المفتوح
وحنينه الأبدي. منذ طفولته، بدا مختلفًا، كأنّه يُصغي إلى أصواتٍ لا يسمعها
الآخرون. وحين التحق بكلية الآداب وتخرّج سنة 1950 في اللغة العربية، لم يكن يحمل
شهادةً فقط، بل كان يحمل مشروع شاعرٍ يرى في الكلمة خلاصًا.
عمل مدرّسًا
لسنواتٍ قليلة، لكنّ المهنة لم تستطع احتواء روحه القلقة. سرعان ما انجذب إلى
الصحافة، فكتب في مجلة "الثقافة الجديدة"، غير أنّ صوته الجريء لم يمرّ
بسلام؛ أُغلقت المجلة، وفُصل من عمله، وتعرّض للاعتقال. هناك، بدأ المنفى الأول،
لا بوصفه مكانًا، بل قدرًا.
خرج من
العراق، متنقّلًا بين الكويت والبحرين، ثم القاهرة، قبل أن تحمله رحلته إلى
الاتحاد السوفياتي، حيث عاش بين 1959 و1964، وعمل أستاذًا في جامعة موسكو وباحثًا
في "معهد شعوب آسيا". كانت تلك السنوات بوابةً على عالمٍ أوسع، فتعرّف
إلى شعراء كبار، وبدأت تجربته تتشكّل في أفقٍ عالمي.
لكنّ الضربة
الأقسى جاءت عام 1963، حين سُحبت منه الجنسية العراقية. لم يعد المنفى خيارًا، بل
صار هوية. عاد إلى القاهرة عام 1964، وأقام فيها حتى 1970، يكتب ويصوغ تجربته التي
تمزج بين الثورة والحلم، بين الذاكرة والخيال.
لم يكن
البياتي وحده في هذا الطريق. فقد كان واحدًا من أربعة أسّسوا لمدرسة الشعر الحر في
العراق، إلى جانب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. غير أنّ صوته تميّز بقدرته على
تحويل التجربة الشخصية إلى رؤية إنسانية شاملة، تتجاوز الحدود واللغات.
في
الثمانينيات، عاش مرحلةً جديدة في مدريد، يمكن تسميتها بالمرحلة الإسبانية، حيث
صار حضوره الثقافي لافتًا، وتُرجمت أعماله إلى الإسبانية، واحتفى به الوسط الأدبي
رسميًا وشعبيًا. هناك، بدا كأنّه يعثر على وطنٍ مؤقّت في اللغة، وعلى عزاءٍ في
الاعتراف العالمي.
غير أنّ
المنافي لا تنتهي. في 1991، وبعد فاجعة وفاة ابنته نادية، انتقل إلى الأردن، ثم
إلى الولايات المتحدة لفترة قصيرة، قبل أن يعود إلى عمّان، ويستقر أخيرًا في دمشق،
حيث سيقضي سنواته الأخيرة. في دمشق، لم يكن شاعرًا فقط، بل شاهدًا على قرنٍ كامل
من التحوّلات، يحمل ذاكرة مدنٍ كثيرة، وقلبًا لا يزال معلّقًا ببغداد.
تميّز شعر
البياتي بنزوعه إلى العالمية، وبانفتاحه على التجارب الإنسانية الكبرى. ارتبط
بعلاقات فكرية وإنسانية مع شعراء عالميين مثل ناظم حكمت ورفائيل ألبرتي ويفتشنكو،
واستلهم من التراث الصوفي والأسطوري رموزه وصوره، فصار شعره مزيجًا من الحداثة
والجذور.
أما دواوينه،
فهي محطاتٌ في رحلة عمره: من "ملائكة وشياطين" (1950) إلى "أباريق
مهشمة" (1955)، و"أشعار في المنفى" (1957)، و"النار
والكلمات" (1964)، وصولًا إلى "بستان عائشة" (1989) و"كتاب
المراثي" (1995)، وانتهاءً بـ"ينابيع الشمس" (1999)، التي بدت
كأنّها وصيته الشعرية الأخيرة.
رحل البياتي
في الثالث من آب 1999 في دمشق، عن ثلاثة وسبعين عامًا، لكنّه لم يغادر حقًا. ظلّ
حاضرًا في قصائده، في صوته الذي يردّد أن الشعر ضرورة، وأن الشاعر ليمنح الآخرين
معنى للحياة.
بعد مئة عام
على ميلاده، لا نقرأ البياتي بوصفه شاعرًا فحسب، بل بوصفه سيرة إنسانٍ عاش منفيًا،
وحوّل المنفى إلى قصيدة، والوطن إلى حلمٍ لا ينطفئ. هكذا يبقى، لا في الكتب وحدها،
بل في الذاكرة العربية، صوتًا لا يموت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق