الأحد، 26 أبريل 2026

الرئيسية مبادرة شبابية تؤكد أن الكلمة أقوى من القيود والظروف

مبادرة شبابية تؤكد أن الكلمة أقوى من القيود والظروف

مهرجان الناصرية تقرأ مبادرة شبابية حولت المنع إلى نجاح ثقافي، عززت دور الكتاب والحوار، وأثبتت قدرة المجتمع على دعم الثقافة وصناعة التغيير رغم التحديات الكبيرة

الناصرية تقرأ.. إنتصار الثقافة على المنع والتحديات


مبادرة شبابية تؤكد أن الكلمة أقوى من القيود والظروف

مجلة دجلة الخير - سلوان اليوسف

في مدينةٍ اعتادت أن تكون حاضنةً للكلمة ومهدًا للفعل الثقافي، أسدل مهرجان “الناصرية تقرأ” الستار على دورته الأولى مساء الجمعة 17 نيسان، بعد أن نجح في تحويل التحديات إلى فرصة، والمنع إلى حافز، ليقدم نموذجًا حيًا على قدرة المبادرات الشبابية المستقلة على صناعة أثرٍ حقيقي في المجتمع. المهرجان، الذي شهد توزيع ما يقارب عشرة آلاف كتاب على جمهور واسع، غالبيته من الشباب، لم يكن مجرد حدث عابر في روزنامة الأنشطة الثقافية، بل شكل محطة فارقة في مسار الحياة الثقافية في محافظة ذي قار، خاصة بعد أن حظي بترحيب شعبي واسع وتعاون من الحكومة المحلية، عقب مرحلة صعبة من المنع والتأجيل وتوقيف بعض المنظمين.

هذا التحول من التضييق إلى النجاح لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة إصرار جماعي وإيمان راسخ بدور الثقافة كقوة تغيير، وهو ما عبّر عنه عدد من الناشطين المدنيين الذين شاركوا في المهرجان، حيث قدموا رؤى عميقة حول دلالات هذه التجربة وما تحمله من رسائل للمجتمع والجهات الرسمية على حد سواء.

الناشط المدني كريم محسن يرى أن ما جرى في ذي قار لا يمكن اختزاله بفعالية ثقافية عابرة، بل هو تعبير حي عن إرادة ثقافية تتشكل رغم كل التحديات، مشيرًا إلى أن تجربة "الناصرية تقرأ"، بما مرت به من منع وتوقيف، كشفت حقيقة جوهرية مفادها أن الثقافة في المجتمع ليست ترفًا، بل حاجة ملحّة ووسيلة من وسائل "المقاومة الناعمة" في مواجهة الانغلاق. ويؤكد أن هذه التجربة عمّقت الإيمان بقدرة الكلمة على فتح ما تغلقه الأبواب، وأن ما يمنح هذه المبادرة قدرتها على الصمود هو إيمان الناس بها، وبساطتها التي تنبع من الشارع لا من المؤسسات، حيث يتحول الكتاب إلى جسر إنساني يصعب كسره.

ويضيف أن المهرجان تجاوز فكرة القراءة بوصفها نشاطًا فرديًا، ليصبح مساحة للتلاقي والحوار، يلتقي فيها المختلفون على قاسم إنساني مشترك، وهو ما يشكل، برأيه، أحد أهم إنجازاته. كما يوجه رسالة واضحة إلى الجهات الرسمية بضرورة دعم مثل هذه المبادرات بدل تقييدها، مؤكدًا أن الثقافة ليست خصمًا لأحد، بل رافعة للمجتمع بأكمله، فيما يحمّل المجتمع مسؤولية مشتركة في استمرار هذه المبادرات، مستعيدًا المقولة الشعبية "اليد الواحدة لا تصفق"، للدلالة على أهمية العمل الجماعي.

من جهته، يذهب الناشط ماجد جبار إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن المحطات الصعبة التي واجهها المهرجان لم تكن مجرد عقبات، بل مثلت "اختبارًا حقيقيًا" للفعل الثقافي، إذ رسخت القناعة بأن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل ضرورة وجودية ووسيلة للتحرر الفكري. ويرى أن منع المهرجان أو التضييق عليه لم يكن دليل ضعف، بل مؤشر على تأثيره، فالثقافة، كما يقول، حين تُمنع، فهذا يعني أنها قادرة على إحداث تغيير، وحين يُحارب القائمون عليها، فهذا يعني أنهم يطرحون أفكارًا تكسر حالة الركود.

ويشير جبار إلى أن الضغوط التي تعرض لها المهرجان ساهمت في إعادة تعريفه، إذ تحول من سوق لتبادل الكتب إلى منصة للمقاومة السلمية بالكلمة والوعي، وفضاء لصناعة جيل يمتلك أدوات النقد والتحليل، لا يكتفي بتلقي الأفكار الجاهزة. ويرى أن سر صمود "الناصرية تقرأ" يكمن في هويته الشعبية، إذ لم ينطلق من مؤسسات رسمية، بل من الشارع ومن أحلام الشباب المتطوعين، ما منحه استقلالية ومرونة في مواجهة التحديات.

ويعدد جبار عناصر هذا الصمود، من بينها الإيمان بالقضية، حيث يرى المتطوعون والجمهور في المهرجان متنفسًا نقيًا بعيدًا عن الاستقطابات، إضافة إلى الدعم المجتمعي الذي يجعل كل فرد يشعر بأن المهرجان يمثله ويمثل هوية مدينته، فضلاً عن الاستقلالية التي تحرره من أي ارتهان سياسي أو تمويل مشروط. ويؤكد أن المهرجان تجاوز مفهوم القراءة التقليدية، ليصبح بمثابة "برلمان ثقافي مفتوح"، تُطرح فيه القضايا المختلفة، من الفن إلى السياسة إلى الاجتماع، في بيئة آمنة تعزز الحوار والسلم المجتمعي.

كما يوجه جبار رسائل مزدوجة، إذ يدعو الجهات الرسمية إلى النظر للمبادرات الشبابية كشريك في التنمية لا كتهديد، مؤكدًا أن الاستثمار في "العقل" هو الضمانة الحقيقية لمستقبل مستقر، فيما يوجه للمجتمع دعوة للتمسك بهذه المنصات الثقافية باعتبارها سلاحًا في مواجهة الجهل والتطرف والفساد. ويرى أن مستقبل هذه المبادرات، رغم التحديات، يبدو واعدًا في ظل تزايد "العطش الثقافي" لدى الشباب، مشيرًا إلى أن تجربة "الناصرية تقرأ" بدأت تنتقل إلى مدن أخرى، في مؤشر على حيويتها.

أما الناشط علي عبد المجيد، فيقدم قراءة مختلفة لتجربة المهرجان، معتبرًا أن ما تعرض له من اتهامات أو تضييق جاء في مجمله نتيجة سوء فهم، خاصة بعد أن بلغ المنظمون مراحل متقدمة من التحضير قبل أن يُفاجأوا بإلغاء التصاريح الأمنية وتوقيف بعض الشباب. لكنه يؤكد في المقابل أن الحملة التي أطلقها النشطاء لتوضيح الحقائق، إلى جانب تقديم الوثائق للجهات المعنية، ساهمت في خلق حالة دعم واسعة شملت مختلف شرائح المجتمع، بل وتجاوزت حدود المحافظة.

ويرى عبد المجيد أن هذا الدعم لم يكن مجرد تضامن عابر، بل شكل دافعًا حقيقيًا للاستمرار، وعزز القناعة بوجود حاضنة مجتمعية أوسع لمثل هذه المبادرات، وهو ما انعكس في الحضور الجماهيري الكبير الذي شهده المهرجان، بمشاركة آلاف الزوار من مختلف المحافظات، إضافة إلى حضور العائلات، في مشهد يعكس تحوّل المهرجان إلى فعالية مجتمعية جامعة.

ويؤكد أن هذا النجاح دفع اللجنة التنظيمية إلى اتخاذ قرار بتثبيت المهرجان كفعالية سنوية، مع خطط لتوسيع أنشطته لتشمل مختلف مناطق المحافظة، وتنظيم فعاليات ثقافية وفنية في الأقضية والنواحي، بالتنسيق مع المؤسسات التربوية ودور النشر والمكتبات. كما يشير إلى أن المهرجان لم يعد مجرد مناسبة لتوزيع الكتب، بل تحول إلى منبر ثقافي وفني وإنساني يعكس نبض المجتمع، ويعيد للمدينة مكانتها الثقافية.

وفي ما يتعلق بالرسائل الموجهة للجهات الرسمية، يشدد عبد المجيد على أهمية دعم المبادرات الثقافية ورعايتها، سواء من قبل الحكومة المحلية أو المركزية، لما لذلك من دور في إعادة الاعتبار للكتاب في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، إلى جانب ضرورة احتضان المواهب الثقافية وتوفير البيئة المناسبة لنموها. كما يؤكد أن المهرجان أتاح مساحة حرة للتعبير، احتضنت قضايا ثقافية وشعرية واجتماعية، وأسهمت في إيصال الرسالة بشكل أعمق وأكثر تأثيرًا.

تتقاطع هذه الآراء، على اختلاف زواياها، في نقطة مركزية واحدة، وهي أن "الناصرية تقرأ" لم يكن مجرد مهرجان، بل تجربة ثقافية واجتماعية متكاملة، أثبتت أن المبادرات المستقلة قادرة على تجاوز القيود، متى ما توفرت لها الإرادة والدعم المجتمعي. كما تؤكد أن الثقافة، في سياقها الحقيقي، ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل أداة لبناء الوعي وتعزيز الحوار وترسيخ قيم المواطنة.

وفي ظل واقع مليء بالتحديات، يبدو أن هذه التجربة تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه، ليس فقط في ذي قار، بل في مختلف المحافظات، خاصة مع الحاجة المتزايدة إلى فضاءات آمنة للحوار والتعبير، تعيد للثقافة دورها الحيوي في المجتمع. كما تطرح في الوقت ذاته أسئلة مهمة حول طبيعة العلاقة بين المبادرات الشبابية والمؤسسات الرسمية، وكيف يمكن تحويل هذه العلاقة من حالة توتر إلى شراكة حقيقية تقوم على الدعم والتكامل.

وفي المحصلة، فإن مهرجان "الناصرية تقرأ" لا يختتم دورته الأولى بوصفه حدثًا ناجحًا فحسب، بل يفتح أفقًا جديدًا أمام العمل الثقافي المستقل، ويؤكد أن الرهان على الشباب والمجتمع لا يزال رهانًا رابحًا. وبينما تستعد هذه المبادرة لدورات قادمة، يبقى التحدي الأكبر في الحفاظ على هذا الزخم، وتحويله إلى مشروع مستدام يعزز حضور الثقافة في الحياة اليومية، ويجعل من الكتاب والكلمة مساحة دائمة للقاء والتغيير.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.