الأحد، 26 أبريل 2026

الرئيسية الديمقراطية بين وجهها المشرق ووجهها المظلم في العراق

الديمقراطية بين وجهها المشرق ووجهها المظلم في العراق

الديمقراطية في العراق تحمل وجهين مشرق يحقق المشاركة ومظلم بسبب الطائفية والمحاصصة وسوء التطبيق والحل بناء وعي ومواطنة وعدالة بدل الاستبداد أو التشويه السياسي الحالي



الديمقراطية بين وجهها المشرق ووجهها المظلم في العراق

هاشمية السعداوي

تُعدّ الديمقراطية في أصلها من أرقى النظم السياسية، لأنها تقوم على مبدأ مشاركة الشعب في اختيار من يحكمه، وتمنح المواطن حق التعبير والمحاسبة والتغيير عبر صناديق الاقتراع بدل العنف والانقلابات. لكنها، كما لكل فكرة عظيمة، قد تحمل وجهًا مظلمًا حين تُمارَس في بيئة مشوّهة تفتقر إلى الوعي الوطني وتغلب عليها الانتماءات الضيقة.

في العراق، وبعد سنوات طويلة من التجربة الديمقراطية، ظهر بوضوح أن المشكلة ليست في الديمقراطية نفسها، بل في الطريقة التي طُبّقت بها. فقد تحوّل التصويت في كثير من الأحيان من اختيار البرامج والكفاءات إلى اختيار الطائفة والقومية والانتماء المسبق؛ فالشيعي يصوّت للشيعي، والسني للسني، والكردي للكردي، لا لأن هذا هو الأصلح، بل لأن الهوية أصبحت أقوى من فكرة الوطن.

وهنا تظهر مغالطة خطيرة، وهي أن الكثرة العددية لا تعني دائمًا صحة القرار. فالأغلبية حين تُقاد بالعاطفة أو الخوف أو التحشيد الطائفي، قد تنتج سلطة ضعيفة أو فاسدة، لكنها تبقى “شرعية” لأنها جاءت عبر صناديق الاقتراع. وهكذا تصبح الديمقراطية غطاءً لإعادة إنتاج الأزمة بدل حلّها.

ومن أخطر نتائج هذا الواقع نظام المحاصصة، الذي جعل المناصب العليا تُوزّع كحصص بين القوى السياسية، لا كمسؤوليات وطنية. فأصبح منصب رئيس الوزراء، مثلًا، يُنظر إليه بوصفه “حصة” للإطار الشيعي، وليس منصبًا وطنيًا يجب أن يشغله الأكفأ والأقدر على إدارة الدولة.

اليوم، وبعد مرور أشهر طويلة على الانتخابات، لا تزال البلاد تعاني من التأخير في تشكيل الحكومة، ومن غياب الموازنة وتعطل مؤسسات الدولة، بينما المواطن وحده يدفع الثمن من أمنه ورزقه ومستقبله. الصراع لم يعد من أجل بناء دولة، بل من أجل من يحصل على المنصب ومن يسيطر على القرار.

وفي خضم هذا المشهد، قد يظهر مرشح مدني كفوء، يحظى بقبول شعبي واسع، ويحمل مشروع دولة حقيقيًا، لكن نظام المحاصصة غالبًا ما يستبعده لأنه لا ينتمي إلى المنظومة الحزبية نفسها، أو لأنه لا يحمل غطاءً طائفيًا يرضي مراكز النفوذ. وهنا يشعر الناس أن الديمقراطية لم تعد وسيلة للتغيير، بل أداة لحماية نفس الطبقة السياسية.

من هنا بدأ البعض يتحدث عن فكرة “الديكتاتورية المشرقة”، أي سلطة قوية عادلة تفرض القانون وتمنع الفوضى، معتبرين أنها قد تكون أفضل من ديمقراطية مشوّهة لا تنتج إلا الأزمات. فالناس لا تبحث عن اسم النظام بقدر ما تبحث عن العدالة والاستقرار والكرامة.

لكن الحقيقة أن الديكتاتورية، مهما بدت مشرقة في بدايتها، تحمل خطر التحول إلى استبداد مطلق إذا غابت الرقابة والمحاسبة. لذلك فإن الحل لا يكمن في استبدال الديمقراطية بالاستبداد، بل في بناء ديمقراطية ناضجة تقوم على المواطنة لا الطائفة، وعلى الكفاءة لا الولاء، وعلى القانون لا الصفقات.

إن العراق لا يحتاج إلى انتخابات فقط، بل إلى وعي مجتمعي يرفض تقديس الطائفة على حساب الوطن، ويؤمن بأن الدولة أكبر من الحزب والمذهب. فالديمقراطية بلا وعي قد تتحول إلى نقمة، أما الديمقراطية القائمة على المواطنة والعدالة فهي وحدها القادرة على بناء وطن يستحقه العراقيون.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.