الأحد، 26 أبريل 2026

الرئيسية الشاعر عبد الوهاب البياتي.. سيرة منفى يكتب الوطن

الشاعر عبد الوهاب البياتي.. سيرة منفى يكتب الوطن

الشاعر عبد الوهاب البياتي سيرة منفى وصوت حداثي، تنقل بين العواصم، أسهم بتأسيس الشعر الحر، ومزج التراث بالصوفية، وظل رمزًا إنسانيًا عالميًا حتى رحيله.

 


الشاعر عبد الوهاب البياتي.. سيرة منفى يكتب الوطن

مجلة دجلة الخير – خاص

في اليوم الثالث آب عام 1999، غاب الجسد وبقي الصوت. لم يكن عبد الوهاب البياتي شاعرًا عابرًا في تاريخ الأدب العربي، بل كان سيرةً كاملةً لوطنٍ يتنقّل بين المنافي، ويكتب نفسه كلّ مرةٍ من جديد.

وُلد البياتي في 19 كانون الأول عام 1926 في بغداد، المدينة التي ستظلّ لاحقًا جرحه المفتوح وحنينه الأبدي. منذ طفولته، بدا مختلفًا، كأنّه يُصغي إلى أصواتٍ لا يسمعها الآخرون. وحين التحق بكلية الآداب وتخرّج سنة 1950 في اللغة العربية، لم يكن يحمل شهادةً فقط، بل كان يحمل مشروع شاعرٍ يرى في الكلمة خلاصًا.

عمل مدرّسًا لسنواتٍ قليلة، لكنّ المهنة لم تستطع احتواء روحه القلقة. سرعان ما انجذب إلى الصحافة، فكتب في مجلة "الثقافة الجديدة"، غير أنّ صوته الجريء لم يمرّ بسلام؛ أُغلقت المجلة، وفُصل من عمله، وتعرّض للاعتقال. هناك، بدأ المنفى الأول، لا بوصفه مكانًا، بل قدرًا.

خرج من العراق، متنقّلًا بين الكويت والبحرين، ثم القاهرة، قبل أن تحمله رحلته إلى الاتحاد السوفياتي، حيث عاش بين 1959 و1964، وعمل أستاذًا في جامعة موسكو وباحثًا في "معهد شعوب آسيا". كانت تلك السنوات بوابةً على عالمٍ أوسع، فتعرّف إلى شعراء كبار، وبدأت تجربته تتشكّل في أفقٍ عالمي.

لكنّ الضربة الأقسى جاءت عام 1963، حين سُحبت منه الجنسية العراقية. لم يعد المنفى خيارًا، بل صار هوية. عاد إلى القاهرة عام 1964، وأقام فيها حتى 1970، يكتب ويصوغ تجربته التي تمزج بين الثورة والحلم، بين الذاكرة والخيال.

لم يكن البياتي وحده في هذا الطريق. فقد كان واحدًا من أربعة أسّسوا لمدرسة الشعر الحر في العراق، إلى جانب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. غير أنّ صوته تميّز بقدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى رؤية إنسانية شاملة، تتجاوز الحدود واللغات.

في الثمانينيات، عاش مرحلةً جديدة في مدريد، يمكن تسميتها بالمرحلة الإسبانية، حيث صار حضوره الثقافي لافتًا، وتُرجمت أعماله إلى الإسبانية، واحتفى به الوسط الأدبي رسميًا وشعبيًا. هناك، بدا كأنّه يعثر على وطنٍ مؤقّت في اللغة، وعلى عزاءٍ في الاعتراف العالمي.

غير أنّ المنافي لا تنتهي. في 1991، وبعد فاجعة وفاة ابنته نادية، انتقل إلى الأردن، ثم إلى الولايات المتحدة لفترة قصيرة، قبل أن يعود إلى عمّان، ويستقر أخيرًا في دمشق، حيث سيقضي سنواته الأخيرة. في دمشق، لم يكن شاعرًا فقط، بل شاهدًا على قرنٍ كامل من التحوّلات، يحمل ذاكرة مدنٍ كثيرة، وقلبًا لا يزال معلّقًا ببغداد.

تميّز شعر البياتي بنزوعه إلى العالمية، وبانفتاحه على التجارب الإنسانية الكبرى. ارتبط بعلاقات فكرية وإنسانية مع شعراء عالميين مثل ناظم حكمت ورفائيل ألبرتي ويفتشنكو، واستلهم من التراث الصوفي والأسطوري رموزه وصوره، فصار شعره مزيجًا من الحداثة والجذور.

أما دواوينه، فهي محطاتٌ في رحلة عمره: من "ملائكة وشياطين" (1950) إلى "أباريق مهشمة" (1955)، و"أشعار في المنفى" (1957)، و"النار والكلمات" (1964)، وصولًا إلى "بستان عائشة" (1989) و"كتاب المراثي" (1995)، وانتهاءً بـ"ينابيع الشمس" (1999)، التي بدت كأنّها وصيته الشعرية الأخيرة.

رحل البياتي في الثالث من آب 1999 في دمشق، عن ثلاثة وسبعين عامًا، لكنّه لم يغادر حقًا. ظلّ حاضرًا في قصائده، في صوته الذي يردّد أن الشعر ضرورة، وأن الشاعر ليمنح الآخرين معنى للحياة.

بعد مئة عام على ميلاده، لا نقرأ البياتي بوصفه شاعرًا فحسب، بل بوصفه سيرة إنسانٍ عاش منفيًا، وحوّل المنفى إلى قصيدة، والوطن إلى حلمٍ لا ينطفئ. هكذا يبقى، لا في الكتب وحدها، بل في الذاكرة العربية، صوتًا لا يموت.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.