يناقش التقرير استئناف تصدير نفط كركوك عبر جيهان وتأثيره الاقتصادي والسياسي
وأهمية تنويع المنافذ وضمان الاستقرار وتحقيق توازن وطني مستدام
د. حسين محمد الفيحان –
بغداد
بعد إتفاق بغداد وأربيل على تصدير النفط العراقي من حقول كركوك عبر أنابيب
الإقليم الى فيشخابور ثم ميناء جيهان التركي، والتي بدأت قبل أسبوعين هذا الإتفاق ورغم
الحرب الجارية على إيران التي أدت إلى إغلاق الأخيرة لمضيق هرمز، جاء عقب إجتماعات
وجلسات برلمانية خصصت لمعالجة هذا الملف حيث رفض الإقليم التصدير في البداية.
بدأ الإتفاق بتصدير 250 ألف برميل نفط يومياً على أن تزداد تدريجياً،
حيث بين متابعون على أهمية هذه الخطوة في ظل الحرب مؤكدين أن النفط يمثل المورد الأساسي
للعراق.
المتابع للشأن السياسي الأكاديمي "الدكتور علي شمخي" تحدث لـ(دجلة
الخير) قائلاً: أن العراق بلد أقتصاده ريعيّ، ولقد تفاجأ الجميع في بداية الأمر من
رفض الإقليم للتصدير من أنابيب النفط التي تمر بأراضيه الى خط جيهان التركي، لأن ذلك
يؤثر على كل العراق، مشيراً أنه ومهما كانت تكلفة التصدير للبرميل ويومياً فهي خطوة
مهمة لأن حقول كركوك تعد من أقدم وأكبر الحقول في العراق بضمها مكامن وحقول رئيسية
مثل: باي حسن، جونبور، وخباز، وهي حقول واجهت خلال السنوات الماضية تحديات فنية وأمنية
انعكست على مستويات الإنتاج.
هذا التصدير أنهى فترة طويلة من التوقف وبحسب البيانات الأولية التي أكدت
أن عملية الضخ بدأت بطاقة أولية وصلت إلى 250 ألف برميل في اليوم الواحد، على أن تزداد
تدريجياً ليمثل شرياناً حيوياً جديداً للموازنة العامة لسنة 2026، ويعكس حاجة ملحة
في تصفير الأزمات بين بغداد واربيل، مع ضمان تدفق الصادرات النفطية من دون عوائق فنية
أو قانونية مستقبلاً.
المحلل الإقتصادي والمتخصص بالشأن المحلي "الدكتور حليم عبد الأمير
العزام" أشار في تصريح لـ(دجلة الخير)، قائلاً: يعتبر مسار كركوك - جيهان، طوق
نجاة مالي للحكومة العراقية التي تواجه شللاً في موانيء البصرة، حيث تأمين العملة الصعبة
عبر البوابة التركية يمنع اي انهيارات إقتصادية داخلية، إضافة إلى أنه يمكن قراءة هذا
الاستئناف على أنه يعكس توافقا سياساً_براغماتياً بين بغداد وأربيل وأنقرة، لتغليب
المصالح الإقتصادية على التوترات السياسية والميدانية.
ميدانيا وبعد أسابيع من الترقب والتعقيدات السياسية والفنية، عادت الحياة
لتدبّ من جديد في شرايين النفط شمالي العراق، مع استئناف ضخ وتصدير نفط كركوك عبر ميناء
جيهان التركي، في خطوة وُصفت بأنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة ملفها النفطي
في ظل التحديات المتشابكة.
في محطات الضخ الممتدة من حقول باي حسن إلى سارة لو، تبدو الصورة أكثر
وضوحاً على الأرض: مضخات تعمل بكفاءة، أنابيب مؤمنة، وكوادر فنية تواصل الليل بالنهار
لضمان انسيابية التدفق. تؤكد شركة نفط الشمال أن الطاقة التصديرية يمكن أن تصل إلى
500 ألف برميل يومياً، فيما بدأت العمليات فعلياً بطاقة أولية تقارب 250 ألف برميل
يومياً، مع خطط لزيادتها تدريجياً.
وبحسب بيان وزارة النفط، قال مسؤول محطة سارة لو، وميض إيدين، إن المحطة
تعمل بست مضخات رئيسة، بطاقة تصل إلى 700 متر مكعب لكل مضخة في الساعة، مشيراً إلى
خطط لزيادة عدد المضخات، في ظل جاهزية البنية التحتية وتأمينها من قبل شرطة الطاقة.
وبالتوازي مع هذا الاستئناف تكثف وزارة النفط العمل على صيانة وإعادة
تشغيل خط الأنابيب القديم الرابط بين حقول كركوك وتركيا مباشرةً، هذه الحقول تهدف لتفعيل
مسار تصديري موازي بعيداً عن منظومة الإقليم مما يمنح الحكومة الإتحادية مرونة أكبر
على التحكم في السياسات النفطية الاستراتيجية.
لكن خلف هذا المشهد الفني، تقف معادلة أكثر تعقيداً، حيث لا يمكن فصل
عودة التصدير عن الاتفاق السياسي بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، والذي
أعاد تفعيل أحد أهم المنافذ الاستراتيجية للعراق. هذا الاتفاق لم يكن مجرد إجراء إداري،
بل يمثل تحوّلاً في إدارة العلاقة النفطية بين المركز والإقليم، بعد سنوات من التوتر
والتباين.
في المقابل، كان مجلس النواب يراقب المشهد من زاوية أخرى. ففي جلسة ساخنة،
استضاف كبار مسؤولي وزارة النفط لمناقشة التحديات التي تواجه صادرات العراق، خاصة بعد
التراجع الحاد الذي شهدته بسبب الظروف الأمنية وتعقيدات النقل والتأمين في الخليج.
وزير النفط حيان عبد الغني كشف عن أرقام تعكس حجم الأزمة: انخفاض الصادرات،
عزوف الناقلات، وتوقف شبه تام لبعض المنافذ منذ مطلع آذار. لكنه أشار أيضاً إلى جانب
إيجابي تمثل في زيادة تجهيز المصافي المحلية، ما أسهم في تحقيق شبه اكتفاء ذاتي من
المنتجات النفطية.
ورغم استئناف التصدير عبر جيهان، فإن التحدي الأكبر ما زال قائماً: كيف
يمكن للعراق تنويع منافذه التصديرية؟ هذا السؤال كان محور نقاش النواب، الذين دعوا
إلى الإسراع في تنفيذ مشاريع استراتيجية، أبرزها أنبوب البصرة – حديثة، وخطوط التصدير
عبر الأردن وسوريا، لتقليل الاعتماد على منفذ واحد. كما شدد المجلس على ضرورة فرض الإدارة
الاتحادية على جميع عمليات الإنتاج والتصدير، بالتوازي مع الحفاظ على حقوق موظفي إقليم
كردستان، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السياسة والاقتصاد.
اليوم، ومع عودة النفط إلى التدفق عبر الشمال، يبدو العراق أمام فرصة
جديدة لإعادة ترتيب أوراقه النفطية. فالتحديات التي عطّلت التصدير سابقاً لم تختفِ
بالكامل، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن قدرة المؤسسات على التكيّف وإيجاد البدائل.
وبين صوت المضخات في سارة لو، ونقاشات البرلمان في بغداد، تتشكل ملامح
مرحلة جديدة، عنوانها: النفط ليس مجرد مورد اقتصادي، بل معادلة سيادية تختبر تماسك
الدولة وقدرتها على إدارة أزماتها.
وعلى الصعيد الدولي قوبل الاستئناف العراقي لتصدير النفط هذا بترحيب واسع،
حيث ساهمت أنباء إعادة التصدير في تهدئة نسبية لأسعار النفط عالمياً، التي شهدت تقلبات
حادة مؤخراً مما يعزز دور العراق كلاعب مهم بتزويد الأسواق العالمية في الطاقة وسط
الأزمات.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية تبقى التحديات مرتبطة بالوضع الأمني في المنطقة فنجاح هذا الإتفاق يرتكز على إستقرار الخطوط الناقلة وحمايتها من التوترات العسكرية الجارية مما يجعل ملف النفط مرتبط بشكل وثيق بمدى قدرة الدولة على تحييد قطاع الطاقة عن الصراعات السياسية والميدانية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق