الأحد، 29 مارس 2026

الرئيسية عودة النفط من كركوك: بين أنابيب السياسة وضخ الاقتصاد

عودة النفط من كركوك: بين أنابيب السياسة وضخ الاقتصاد

استئناف تصدير نفط كركوك عبر جيهان بطاقة أولية 250 ألف برميل يوميا، مع خطط لزيادتها، وسط تحديات سياسية ولوجستية ونقاشات برلمانية حول تنويع المنافذ وتعزيز استقرار الاقتصاد الوطني العراقي.

 


دجلة الخير - تقرير خاص

بعد أسابيع من الترقب والتعقيدات السياسية والفنية، عادت الحياة لتدبّ من جديد في شرايين النفط شمالي العراق، مع استئناف ضخ وتصدير نفط كركوك عبر ميناء جيهان التركي، في خطوة وُصفت بأنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة ملفها النفطي في ظل التحديات المتشابكة.

في محطات الضخ الممتدة من حقول باي حسن إلى سارة لو، تبدو الصورة أكثر وضوحاً على الأرض: مضخات تعمل بكفاءة، أنابيب مؤمنة، وكوادر فنية تواصل الليل بالنهار لضمان انسيابية التدفق. تؤكد شركة نفط الشمال أن الطاقة التصديرية يمكن أن تصل إلى 500 ألف برميل يومياً، فيما بدأت العمليات فعلياً بطاقة أولية تقارب 250 ألف برميل يومياً، مع خطط لزيادتها تدريجياً.

يقول مسؤول محطة سارة لو، وميض إيدين، إن المحطة تعمل بست مضخات رئيسة، بطاقة تصل إلى 700 متر مكعب لكل مضخة في الساعة، مشيراً إلى خطط لزيادة عدد المضخات، في ظل جاهزية البنية التحتية وتأمينها من قبل شرطة الطاقة.

لكن خلف هذا المشهد الفني، تقف معادلة أكثر تعقيداً، حيث لا يمكن فصل عودة التصدير عن الاتفاق السياسي بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، والذي أعاد تفعيل أحد أهم المنافذ الاستراتيجية للعراق. هذا الاتفاق لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يمثل تحوّلاً في إدارة العلاقة النفطية بين المركز والإقليم، بعد سنوات من التوتر والتباين.

في المقابل، كان مجلس النواب يراقب المشهد من زاوية أخرى. ففي جلسة ساخنة، استضاف كبار مسؤولي وزارة النفط لمناقشة التحديات التي تواجه صادرات العراق، خاصة بعد التراجع الحاد الذي شهدته بسبب الظروف الأمنية وتعقيدات النقل والتأمين في الخليج.

وزير النفط حيان عبد الغني كشف عن أرقام تعكس حجم الأزمة: انخفاض الصادرات، عزوف الناقلات، وتوقف شبه تام لبعض المنافذ منذ مطلع آذار. لكنه أشار أيضاً إلى جانب إيجابي تمثل في زيادة تجهيز المصافي المحلية، ما أسهم في تحقيق شبه اكتفاء ذاتي من المنتجات النفطية.

ورغم استئناف التصدير عبر جيهان، فإن التحدي الأكبر ما زال قائماً: كيف يمكن للعراق تنويع منافذه التصديرية؟ هذا السؤال كان محور نقاش النواب، الذين دعوا إلى الإسراع في تنفيذ مشاريع استراتيجية، أبرزها أنبوب البصرة – حديثة، وخطوط التصدير عبر الأردن وسوريا، لتقليل الاعتماد على منفذ واحد. كما شدد المجلس على ضرورة فرض الإدارة الاتحادية على جميع عمليات الإنتاج والتصدير، بالتوازي مع الحفاظ على حقوق موظفي إقليم كردستان، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين السياسة والاقتصاد.

اليوم، ومع عودة النفط إلى التدفق عبر الشمال، يبدو العراق أمام فرصة جديدة لإعادة ترتيب أوراقه النفطية. فالتحديات التي عطّلت التصدير سابقاً لم تختفِ بالكامل، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن قدرة المؤسسات على التكيّف وإيجاد البدائل.

وبين صوت المضخات في سارة لو، ونقاشات البرلمان في بغداد، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها: النفط ليس مجرد مورد اقتصادي، بل معادلة سيادية تختبر تماسك الدولة وقدرتها على إدارة أزماتها.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.