الأحد، 29 مارس 2026

الرئيسية مستقبل العراق الجيو سياسي في ظل التخندق الإقليمي

مستقبل العراق الجيو سياسي في ظل التخندق الإقليمي

يتناول النص مستقبل العراق الجيوسياسي وسط استقطاب إقليمي حاد وتنافس قوى إقليمية، ويبرز تحديات السيادة وفرص تحوله إلى محور توازن عبر سياسة براغماتية وتعزيز الدولة واستقلال القرار وتنمية الموارد اقتصادياً

 


محمد البغدادي

يشهد مستقبل العراق الجيوسياسي تحولات عميقة في ظل بيئة إقليمية تتسم بالاستقطاب الحاد والتخندق بين محاور متنافسة. فالموقع الجغرافي للعراق يجعله عقدة اتصال بين إيران وتركيا والخليج العربي، كما يربط بين المشرق العربي والفضاء الآسيوي، الأمر الذي يجعل أي توتر إقليمي ينعكس مباشرة على توازناته الداخلية.

من الناحية الاستراتيجية، يتحرك العراق داخل مجال نفوذ متداخل بين قوى إقليمية كبرى. فإيران تنظر إلى العراق بوصفه عمقاً أمنياً وسياسياً يضمن لها امتداداً جغرافياً نحو المشرق، بينما تسعى تركيا إلى تثبيت حضورها عبر بوابة الأمن والاقتصاد، في المقابل تحاول دول الخليج إعادة دمج العراق في محيطه العربي عبر الاقتصاد والطاقة والاستثمار، وهو ما يضع بغداد في موقع توازن دقيق بين هذه القوى.

هذا التخندق الإقليمي لا يضع العراق فقط في موقع التنافس، بل يجعله أيضاً ساحة اختبار لمعادلات القوة في المنطقة. فكلما اشتد التوتر بين طهران وخصومها الإقليميين والدوليين، يصبح العراق مساحة لإدارة النفوذ غير المباشر، سواء عبر الفاعلين السياسيين أو عبر البنى الأمنية غير النظامية. وهذا ما يخلق ازدواجية في القرار الاستراتيجي للدولة العراقية، بين منطق الدولة الوطنية ومنطق توازنات المحاور.

غير أن هذه المعادلة تحمل في الوقت نفسه فرصة كامنة. فالعراق، بحكم موقعه وثقله السكاني وموارده النفطية، قادر نظرياً على التحول من ساحة صراع إلى محور توازن إقليمي. فإذا نجحت بغداد في بناء سياسة خارجية براغماتية قائمة على الحياد النسبي والانفتاح المتوازن على الجميع، يمكن أن يتحول العراق إلى جسر بين المحاور المتنافسة بدلاً من أن يكون خط تماس بينها.

لكن تحقيق هذا التحول يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس سيادية واضحة، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، إضافة إلى ترسيخ استقلال القرار السياسي عن تأثيرات القوى الخارجية. كما يحتاج العراق إلى تطوير قدراته الاقتصادية وتحويل موارده إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، لا مجرد موارد ريعية.

في ضوء ذلك يمكن القول إن مستقبل العراق الجيوسياسي سيتحدد وفق ثلاثة مسارات محتملة:

الأول، استمرار حالة التوازن الهش بين المحاور الإقليمية، حيث يبقى العراق منطقة نفوذ متداخلة.

الثاني، انزلاقه إلى اصطفاف إقليمي واضح إذا تصاعدت الاستقطابات في المنطقة.

الثالث، وهو الأكثر طموحاً، تحوله إلى دولة توازن إقليمي تلعب دور الوسيط بين القوى المتنافسة.

وبين هذه المسارات يظل العامل الحاسم هو قدرة النخب السياسية العراقية على تحويل الموقع الجغرافي من عبء استراتيجي إلى مصدر قوة، لأن الجغرافيا في حالة العراق ليست قدراً ثابتاً، بل إمكانية سياسية مفتوحة على أكثر من مستقبل.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.