الأحد، 29 مارس 2026

الرئيسية لطفية الدليمي.. سيدة المعرفة التي جعلت الكتابة وطناً

لطفية الدليمي.. سيدة المعرفة التي جعلت الكتابة وطناً

الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي (1939–2026)، إحدى أبرز الأصوات الأدبية العربية المعاصرة. كتبت القصة والرواية والمقالة الفكرية، وأسهمت في الترجمة الثقافية، وامتازت أعمالها بعمق معرفي يمزج الأدب بالفلسفة والعلوم وأسئلة الإنسان.

 


دجلة الخير - تقرير خاص

لم يكن رحيل الكاتبة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي حدثاً عادياً في المشهد الثقافي العربي، بل كان غياباً لواحدة من أبرز الأصوات الأدبية التي كرّست حياتها للكلمة والمعرفة. فالدليمي، التي رحلت عن عالمنا عام 2026 عن عمر ناهز السابعة والثمانين، تركت وراءها تجربة إبداعية تمتد لأكثر من ستة عقود، توزعت بين القصة والرواية والترجمة والمقالة الفكرية.

منذ بداياتها الأولى في الكتابة، ظهرت الدليمي كصوت مختلف في السرد العراقي. فقد نشرت مجموعتها القصصية الأولى "ممر إلى أحزان الرجال" عام 1969، لتعلن دخولها إلى عالم الأدب بقوة، قبل أن تواصل مسيرتها بروايات وأعمال سردية متعددة كان من بينها "عالم النساء الوحيدات" وعدد من الروايات التي رسخت حضورها في الأدب العربي المعاصر.

ولدت لطفية الدليمي عام 1939 في العراق، في بيئة ثقافية كان للكتاب فيها حضور مبكر في حياتها. فقد ارتبطت طفولتها بمكتبة صغيرة في بستان كان يديره والدها، وهو مكان شكل البذرة الأولى لعلاقتها بالقراءة والمعرفة. وهناك، في ذلك المكان الذي جمع بين الطبيعة والكتاب، بدأت رحلتها مع الفكر والأدب، حيث كانت تقرأ منذ سنواتها المبكرة وتكتشف العالم عبر الصفحات.

تلك العلاقة المبكرة بين المعرفة والطبيعة ظلت حاضرة في كتابتها، إذ بدت أعمالها لاحقاً وكأنها محاولة دائمة لربط الإنسان بالعالم من حوله، وللتأمل في العلاقة بين التاريخ والوجود والذاكرة.

لم تكن الرواية لدى الدليمي مجرد سرد للأحداث أو بناء للشخصيات، بل كانت مساحة للتفكير والتأمل في أسئلة الوجود. فقد سعت في أعمالها إلى إدخال الفلسفة والعلم وأسئلة الحضارة إلى النص الأدبي، فبدت كتاباتها وكأنها حوار بين الأدب والمعرفة الإنسانية الواسعة.

ومن أبرز أعمالها الروائية "سيدات زحل" و"من يرث الفردوس"، وهي أعمال تقاطعت فيها مصائر الشخصيات مع التحولات العنيفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، حيث كانت المرأة في كتاباتها مركز التجربة الإنسانية، والكائن الذي يختبر التاريخ على مستوى الروح والجسد معاً.

إلى جانب إنتاجها السردي، أسهمت الدليمي في إثراء المكتبة العربية عبر عشرات الترجمات لأعمال فكرية وأدبية مهمة. ولم تكن الترجمة بالنسبة لها مجرد نقل للنصوص، بل كانت جسراً معرفياً يربط الثقافة العربية بأفق الفكر العالمي، إذ ترجمت أعمالاً لعدد من المفكرين والعلماء، وسعت من خلالها إلى مزج الأدب بالعلم والفلسفة.

كما عُرفت بكتاباتها الفكرية والنقدية، وباهتمامها بقضايا الحرية والمرأة والثقافة، وأسهمت في تأسيس مؤسسات ثقافية تُعنى بالمرأة مثل منتدى المرأة الثقافي في بغداد ومركز دراسات حرية المرأة.

بعد عام 2003 دخلت الدليمي تجربة المنفى التي عاشها كثير من المثقفين العراقيين، فغادرت بغداد التي بقيت حاضرة في نصوصها بوصفها ذاكرة كاملة للحياة والثقافة. بالنسبة لها، لم تكن بغداد مجرد مدينة، بل فضاءً روحياً يتشكل من اللغة والكتب والمقاهي وأصوات الناس.

وفي مدن المنفى، خاصة باريس ثم عمّان، ظلت تكتب عن تلك العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان، وعن الحنين الذي لا ينقطع إلى المدينة الأولى، حيث ظل الوطن حاضراً في كتاباتها كجرح وذاكرة في آن واحد.

كان المقربون من الدليمي يرون فيها كاتبة متفرغة تماماً للكلمة، لا تسعى إلى الأضواء بقدر ما تسعى إلى المعرفة. فقد عاشت حياتها وكأنها "راهبة في محراب الكتابة"، كما وصفها بعض أصدقائها، تكتب وتترجم وتقرأ بلا توقف، مؤمنة بأن المعرفة هي الطريق الأعمق لفهم العالم.

وقد تميزت شخصيتها بثقافة موسوعية جعلتها تتجاوز حدود الأدب إلى الفلسفة والعلوم والآثار، وهو ما انعكس بوضوح في أعمالها التي مزجت بين الخيال والمعرفة.

برحيل لطفية الدليمي يفقد الأدب العربي واحدة من أبرز كاتباته وأكثرهن عمقاً، لكن أعمالها تبقى شاهداً على مشروع ثقافي استثنائي حاول أن يمنح الرواية أفقاً معرفياً أوسع.

لقد كتبت عن المدن والمنفى والنساء والتاريخ، لكنها في جوهر كتابتها كانت تبحث عن سؤال إنساني واحد: كيف يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته وسط عالم مضطرب؟

ذلك السؤال الذي رافقها طوال حياتها، سيظل أيضاً مفتاح قراءة إرثها الأدبي، وإحدى العلامات المضيئة في تاريخ الثقافة العربية.

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.