كريستين لاغارد تحذّر من مفترق طرق اقتصادي عالمي، بسبب التفكك الجيوسياسي، وتسارع الذكاء الاصطناعي، وتغيّر المناخ، مؤكدة ضرورة سياسات تعاونية طويلة الأمد لضمان الاستقرار والنمو المستدام.
الاقتصاد
العالمي أمام مفترق طرق جديد
كريستين لاغارد تحذّر من مخاطر الجغرافيا السياسية والذكاء الاصطناعي وتغيّر المناخ
في وقتٍ تشهد
فيه بعض المؤشرات الاقتصادية العالمية، ولا سيما في منطقة اليورو، تحسّناً يفوق
التوقعات، أطلقت كريستين لاغارد تحذيراً لافتاً من جملة مخاطر بنيوية متصاعدة
تهدّد استقرار الاقتصاد العالمي على المدى المتوسط والطويل.
جاء ذلك خلال
مشاركتها في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أكدت رئيسة
البنك المركزي الأوروبي أن العالم يواجه مرحلة جديدة تتداخل فيها التحديات
الجيوسياسية والتكنولوجية والمناخية، بما يفرض إعادة التفكير في نماذج النمو
والسياسات الاقتصادية التقليدية.
وترى لاغارد
أن الخطر الأول يتمثل في التفكك الجيوسياسي، وما يرافقه من تراجع في الثقة العامة
بالاقتصاد العالمي. فتصاعد النزاعات، وتزايد الاستقطاب بين القوى الكبرى، وانحسار
التعاون متعدد الأطراف، جميعها عوامل تُضعف بيئة الاستثمار وتربك سلاسل الإمداد
وتحدّ من قدرة الاقتصادات على تحقيق نمو مستدام. وتحذّر من أن فقدان الثقة لا يقل
خطورة عن الأزمات المالية نفسها، إذ يؤثر مباشرة في قرارات المستهلكين
والمستثمرين، ويزيد من هشاشة الأسواق أمام الصدمات المفاجئة.
أما التحدي
الثاني، بحسب لاغارد، فيكمن في الوتيرة المتسارعة للتحول الرقمي، ولا سيما ذلك
المدفوع بالذكاء الاصطناعي. فهذه التكنولوجيا لا تعيد تشكيل قطاع بعينه، بل تُحدث
تحولات جذرية تطال معظم القطاعات الاقتصادية، من الصناعة والخدمات إلى أسواق العمل
والأنظمة المالية. ورغم الفرص الكبيرة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لرفع
الإنتاجية وتحفيز الابتكار، فإن سرعة هذا التحول تطرح تساؤلات جدّية حول الجاهزية
التنظيمية، والفجوات المهارية، وعدالة توزيع المكاسب الاقتصادية، وهو ما يستدعي
سياسات استباقية توازن بين الابتكار والحماية الاجتماعية.
وفي البعد
الثالث، شددت لاغارد على أن تغيّر المناخ لا يزال يشكل تهديداً قائماً، حتى وإن
تراجع حضوره في صدارة الاهتمام العالمي خلال الفترة الأخيرة. وأكدت أن هذا الخطر
"لم يتوقف"، بل يواصل مساره، مخلّفاً آثاراً اقتصادية مباشرة، من الجفاف
وتراجع الإنتاج الزراعي، إلى الكوارث الطبيعية التي تستنزف الموارد العامة.
وترى أن
مواجهة هذا التحدي تتطلب تمويلاً جدياً لمرحلة التحول البيئي، بما يقلل من كلفة
التغير المناخي على الاقتصادات، ويحول السياسات البيئية من عبء مالي إلى فرصة
للنمو الأخضر وخلق الوظائف.
وفي خلفية هذه
التحديات، تبرز، وفق لاغارد، مخاوف أمنية متزايدة، سواء على المستوى العسكري أو في
الفضاء السيبراني. فالهجمات الإلكترونية، وتسييس التكنولوجيا، وتنامي المخاطر غير
التقليدية، باتت تشكل عاملاً ضاغطاً على الاستقرار الاقتصادي العالمي، وتتطلب
تنسيقاً دولياً يتجاوز الحلول الوطنية الضيقة.
وتأتي هذه
التصريحات في إطار انعقاد اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، الذي انطلق
تحت شعار "روح الحوار"، بمشاركة نحو 3,000 قائد وخبير من مختلف أنحاء
العالم. ويسعى المنتدى إلى بحث خمسة تحديات عالمية كبرى، من بينها تعزيز التعاون
الدولي، وإطلاق مصادر جديدة للنمو، وتوظيف الابتكار على نطاق واسع وبمسؤولية.
وفي ظل عالم
سريع التحول، تعكس رسالة لاغارد إدراكاً متزايداً بأن التفاؤل الاقتصادي، مهما كان
مبرراً، لا يغني عن مواجهة المخاطر الكامنة بسياسات شاملة، ورؤية طويلة الأمد،
تقوم على التعاون الدولي، والحوكمة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا
معاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق