يتناول المقال
تفاعلات الجدل الدستوري في العراق وانعكاساته السياسية، مع تصاعد الحراك النيابي
لانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء وسط انقسامات داخلية وضغوط إقليمية،
واختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي.
بين الدستور
والسياسة.. اختبار جديد لبنية النظام في العراق
انتخاب
الرئاسات بين التوافق والانقسام في ظل ضغوط الداخل والخارج
دجلة الخير –
تقرير خاص
لم يكن الجدل
الدستوري الأخير بشأن آليات إعلان حالة الحرب في العراق حدثاً عابراً في سياق
النقاش القانوني، بل تحوّل سريعاً إلى نقطة ارتكاز لإعادة فتح ملفات سياسية مؤجلة،
وفي مقدمتها استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء. فالمقال الذي
أعاد التذكير بضوابط القرار السيادي وحدوده، أطلق موجة واسعة من التفاعلات داخل
الأوساط السياسية والإعلامية، وفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة النظام
السياسي وقدرته على إدارة التوازن بين النص الدستوري والواقع العملي.
في خضم هذه
التفاعلات، برزت تحركات برلمانية متسارعة، تمثلت في الحديث عن جمع عدد كبير من
تواقيع النواب لعقد جلسة حاسمة تهدف إلى إنهاء حالة التعطيل التي رافقت استكمال
تشكيل السلطة التنفيذية. هذه التحركات، وإن بدت منسجمة مع المسار الدستوري، إلا
أنها تعكس في جوهرها صراعاً سياسياً محتدماً بين قوى تسعى إلى تسريع الحسم، وأخرى
تتحفظ على طبيعة التفاهمات التي تجري خلف الكواليس.
وتشير تسريبات
متداولة في الأوساط السياسية إلى وجود سيناريوهات متعددة لحسم ملف رئاسة
الجمهورية، تمهيداً للانتقال إلى تكليف رئيس الوزراء، ضمن تفاهمات غير معلنة بين
أطراف مختلفة. وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام محلية عن نواب في مجلس النواب
تأكيدهم أن "الإسراع في عقد الجلسة يأتي استجابة لضغوط سياسية ورغبة في إنهاء
حالة الفراغ"، فيما حذر آخرون من أن "أي اتفاق لا يقوم على توافق واسع
قد يفتح الباب أمام أزمة جديدة بدل حل الأزمة الحالية".
من جهة أخرى،
عبّر مراقبون سياسيون عن قلقهم من توصيف بعض التحركات الجارية بأنها "انقلاب
ناعم تحت سقف البرلمان"، معتبرين أن هذا التوصيف يعكس حجم انعدام الثقة بين
القوى السياسية، أكثر مما يعكس حقيقة الإجراءات الدستورية. ويرى محللون أن المشكلة
لا تكمن في عقد الجلسة بحد ذاتها، بل في طبيعة التفاهمات التي تسبقها، وما إذا
كانت ستؤدي إلى إنتاج سلطة مستقرة أم إلى إعادة تدوير الأزمات.
في هذا
الإطار، يلفت عدد من الباحثين في الشأن العراقي إلى أن النظام السياسي، القائم على
التوازنات والتوافقات، يواجه اختباراً حقيقياً في هذه المرحلة، خصوصاً مع تصاعد
التحديات الأمنية الإقليمية وتداخلها مع الوضع الداخلي. فالعراق لا يتحرك في فراغ،
بل يتأثر بشكل مباشر بالصراعات المحيطة به، وهو ما يجعل أي استحقاق سياسي داخلي
عرضة لتقاطعات إقليمية ودولية معقدة.
كما أن
استمرار الجدل حول دور القوى المسلحة خارج إطار الدولة يضيف بعداً آخر للأزمة، إذ
يرى محللون أن تعدد مراكز القرار الأمني ينعكس سلباً على العملية السياسية، ويضعف
من قدرة المؤسسات الرسمية على فرض إرادتها. وفي هذا السياق، أكد أحد الخبراء
الأمنيين في تصريح صحفي أن "أي عملية سياسية لا تستند إلى احتكار الدولة
للسلاح ستبقى عرضة للاهتزاز، مهما بدت متماسكة في ظاهرها".
سياسياً،
تتباين مواقف القوى الفاعلة بين من يرى ضرورة المضي سريعاً في استكمال الاستحقاقات
الدستورية لتفادي مزيد من التعطيل، وبين من يطالب بضمانات سياسية واضحة تسبق أي
جلسة حاسمة. هذا التباين يعكس عمق الانقسام داخل المشهد السياسي، ويطرح تساؤلات
حول إمكانية الوصول إلى تسوية وطنية شاملة.
وفي ظل هذه
المعطيات، يبرز دور مجلس النواب كميدان أساسي لحسم الصراع السياسي، لكن هذا الدور
يبقى مرهوناً بقدرة القوى السياسية على إدارة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية. إذ إن
أي انحراف عن هذه الأطر قد يؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر، وربما إلى فقدان الثقة
بالمؤسسات.
ويقف العراق
أمام لحظة مفصلية تتجاوز مجرد انتخاب رئيس للجمهورية أو تكليف رئيس للوزراء،
لتلامس جوهر العملية السياسية برمتها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الأسماء التي
ستتولى هذه المناصب، بل في الكيفية التي يتم بها اختيارها، ومدى التزامها بروح
الدستور ومبدأ التوافق الوطني. وبين الضغوط المتصاعدة والتجاذبات المستمرة، يبقى
السؤال الأهم: هل تنجح القوى السياسية في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء
النظام على أسس أكثر استقراراً، أم أنها ستضيف فصلاً جديداً إلى سلسلة الأزمات
التي رافقت التجربة السياسية في العراق؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق