لويس روفائيل
ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم، قاد الكنيسة أكثر
من ثلاثة عشر عاماً، مدافعاً عن حقوق المسيحيين ووحدة الكنيسة، ومواكباً تحديات
العراق الروحية والوطنية.
دجلة الخير - تقرير خاص
في خطوة لافتة
أنهت أكثر من ثلاثة عشر عاماً من القيادة الروحية والإدارية، أعلن البطريرك
الكلداني الكاثوليكي في العراق والعالم، الكاردينال لويس روفائيل ساكو، تقديم
استقالته من منصبه، في قرار وصفه بأنه اتخذه بإرادته الحرة، رغبة في التفرغ للصلاة
والكتابة والخدمة الروحية.
الاستقالة
التي قُدمت صباح التاسع من آذار 2026 إلى البابا لاون الرابع عشر، جاءت تتويجاً
لمسيرة كنسية طويلة امتدت لعقود، وشكّلت خلالها شخصية ساكو أحد أبرز الوجوه
الدينية المسيحية في العراق. وقد أعلن قبول الاستقالة رسمياً في العاشر من آذار،
فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة الكلدانية.
ساكو أوضح في
بيان صادر عن إعلام البطريركية أنه كان يفكر في تقديم الاستقالة منذ بلوغه الخامسة
والسبعين قبل عامين، وهو السن الكنسي الذي يتيح لرؤساء الكنائس تقديم استقالاتهم.
غير أن البابا الراحل فرنسيس شجعه حينها على الاستمرار في قيادة الكنيسة
الكلدانية، في ظل الظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد.
ويؤكد ساكو أن
قراره الحالي لم يكن نتيجة ضغط أو طلب من أي جهة، قائلاً: "لا أحد طلب مني
ذلك، إنما طلبت الاستقالة بكامل حريتي".
قاد البطريرك
المستقيل الكنيسة الكلدانية في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ العراق
الحديث. فقد شهدت سنوات خدمته تحولات سياسية وأمنية كبيرة، كان لها أثر مباشر في
واقع المسيحيين العراقيين، ولا سيما بعد موجات الهجرة والتهجير التي تعرضوا لها
خلال العقدين الأخيرين.
وخلال هذه
المرحلة، حرص ساكو على الدفاع عن حقوق المسيحيين في الداخل والخارج، والعمل على
الحفاظ على وحدة مؤسسات الكنيسة الكلدانية، في وقت كانت فيه المجتمعات المسيحية
تواجه تحديات تتعلق بالوجود والهوية والاستقرار.
ويرى مراقبون
أن البطريرك لعب دوراً بارزاً في إبقاء صوت المسيحيين العراقيين حاضراً في
النقاشات الوطنية، سواء في بغداد أو على المستوى الدولي.
ينتمي ساكو
إلى جيل من رجال الدين الذين عايشوا تحولات العراق الحديثة بكل تعقيداتها. فقد خدم
في عدد من المدن العراقية، من بينها الموصل وكركوك وبغداد، قبل أن يتولى سدة
البطريركية الكلدانية عام 2013.
ويصف الأعوام
الثلاثة عشر التي قضاها بطريركاً بأنها كانت سنوات "رعاية محبة ومتابعة
وازدهار"، مشيراً إلى أنه يختتم هذه المرحلة ممتناً لكل من رافقه في مسيرته
الكهنوتية. كما خص بالشكر معاونيه في البطريركية، ومن بينهم المطران باسيليوس
يلدو، إضافة إلى العاملين في البطريركية وكهنة بغداد، مؤكداً أنه سيذكرهم دائماً
في صلاته.
وفي رسالته
الوداعية، عبّر ساكو عن أمله بأن تقود الكنيسة الكلدانية في المرحلة المقبلة شخصية
تتمتع بالفكر اللاهوتي العميق والحكمة والقدرة على الحوار والانفتاح. كما شدد على
احترامه للقيادة الجديدة التي ستنتخب مستقبلاً، مؤكداً أنه لن يتدخل في عملها أو
في إدارة شؤون الكنيسة بعد مغادرته المنصب.
وفي لفتة
إنسانية لافتة، كشف البطريرك المستقيل عن تفاصيل بسيطة من حياته الشخصية، مؤكداً
أنه لا يملك داراً أو سيارة، وأن مدخراته لا تتجاوز نحو أربعين مليون دينار عراقي،
وخمسة آلاف دولار، وخمسة آلاف يورو جمعها من رواتبه خلال اثنين وخمسين عاماً من
الخدمة الكهنوتية، إضافة إلى حصته من بيع منزل عائلته في الموصل.
غير أن ما
يعدّه رصيده الحقيقي، كما يقول، ليس المال أو الممتلكات، بل مسيرته في الخدمة
الروحية، إلى جانب خمسة وأربعين كتاباً أصدرها خلال سنوات عمله الفكري واللاهوتي.
برحيل ساكو عن
منصب البطريرك، تطوي الكنيسة الكلدانية صفحة مهمة من تاريخها الحديث، صفحة ارتبطت
بسنوات من التحولات العميقة في العراق والمنطقة.
لكن الرجل
الذي اختار الانسحاب بهدوء يؤكد أن خدمته لم تنتهِ بعد، فمرحلة ما بعد البطريركية
ستكون، كما يقول، وقتاً للتأمل والكتابة والصلاة، وهي مهام يرى فيها استمراراً
لرسالته الروحية التي بدأت قبل أكثر من نصف قرن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق