السبت، 31 يناير 2026

الرئيسية السلطة التنفيذية الجديدة في العراق: حكومة مؤجَّلة تحت اختبار الداخل وضغوط الخارج

السلطة التنفيذية الجديدة في العراق: حكومة مؤجَّلة تحت اختبار الداخل وضغوط الخارج

يعكس تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية عمق أزمة تشكيل الحكومة العراقية، وسط انقسام داخلي وضغوط خارجية، ما ينذر بفراغ دستوري واختبار صعب لقدرة النظام السياسي على إنتاج تسوية مستقرة وطنية مستدامة.

 


السلطة التنفيذية الجديدة في العراق: حكومة مؤجَّلة تحت اختبار الداخل وضغوط الخارج

بغداد – تقرير خاص

يقف العراق عند مفترق سياسي أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، بعدما تقرّر، تأجيل جلسة مجلس النواب المخصّصة لانتخاب رئيس الجمهورية، لعدم اكتمال النصاب القانوني، في خطوة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت كاشفة لعمق الأزمة السياسية البنيوية التي تحكم مسار تشكيل السلطة التنفيذية.

وبحسب ما أعلنه رئيس مجلس النواب، فإن عدد الحضور لم يتجاوز 85 نائبًا، بالتزامن مع تسلّمه طلبات رسمية من الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لتأجيل الجلسة، بهدف إتاحة مزيد من الوقت للتفاهم بين الطرفين. وهو ما أعاد التأكيد على أن الاستحقاق الدستوري، الذي يفترض أن يكون إجراءً زمنيًا واضحًا، بات رهينة التوازنات السياسية والتجاذبات الحزبية، لا سيما داخل البيت الكوردي.

رغم الطابع البروتوكولي لمنصب رئيس الجمهورية، إلا أن تعثّر انتخابه هذه المرة يكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف على اسم المرشح، إذ يمثّل هذا المنصب البوابة الدستورية لتكليف رئيس الوزراء خلال مدة لا تتجاوز 15 يومًا. ومع اقتراب نهاية السقف الدستوري المحدد لانتخاب الرئيس، والممتد حتى ليل 28 كانون الثاني، تتزايد المخاوف من الدخول في منطقة رمادية دستوريًا، قد تستدعي تدخل مجلس القضاء الأعلى، وتفتح الباب أمام تأويلات سياسية وقانونية متضاربة.

ويعكس التأجيل الحالي، الذي تشير مصادر نيابية إلى أنه جاء بتفاهم غير معلن بين الأحزاب الكوردية والإطار التنسيقي، حالة العجز عن إنتاج تسوية سياسية ناضجة، سواء داخل المكون الكوردي أو على مستوى التفاهم الوطني الأشمل. فالتنافس الكردي – الكردي لم يعد شأناً داخليًا محصورًا، بل بات عامل تعطيل مباشر لمسار تشكيل الحكومة الاتحادية، وانعكاسًا لأزمة الثقة المتراكمة بين الشركاء السياسيين.

في السياق ذاته، يكتسب قرار الإطار التنسيقي اختيار مرشحه لرئاسة الوزراء بالأغلبية، بدل الإجماع، دلالة إضافية بعد هذا التطور، إذ يبدو أن منطق "كسر التوازنات" بات حاضرًا في أكثر من ساحة، ما ينذر بإمكانية تشكّل معارضة فاعلة من داخل المكونات نفسها، وليس فقط بين المكونات. وتبقى عودة نوري المالكي إلى واجهة المشهد عنصرًا إشكاليًا، أعاد استحضار ذاكرة سياسية مثقلة بالأزمات، وأثار قلق أطراف سنية وشيعية من إعادة إنتاج نماذج حكم سابقة لم تنجح في إدارة التنوع أو احتواء الأزمات.

خارجيًا، يأتي هذا التعثر في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وسط ضغوط أميركية متزايدة وتحذيرات من تشكيل حكومة تُصنّف على أنها منحازة لمحور بعينه. ومع تراجع موقع إيران إقليميًا، وتعرّض حلفائها لضربات متلاحقة، يزداد القلق من أن يتحوّل العراق إلى ساحة لإعادة التموضع أو تعويض الخسائر، في حال عجزت السلطة التنفيذية المقبلة عن ترسيخ سياسة توازن حقيقية.

أما داخليًا، فإن الحكومة المنتظرة، إن تشكّلت، ستواجه تركة ثقيلة من الأزمات الاقتصادية والخدمية، واعتمادًا شبه كامل على النفط، إلى جانب ملف الفصائل المسلحة وسلاحها خارج إطار الدولة، فضلًا عن التحديات الأمنية الإقليمية، وعلى رأسها ملف سجناء تنظيم "داعش" في السجون السورية، والضغوط الدولية المرتبطة به.

في المحصلة، لم يعد تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية حدثًا إجرائيًا عابرًا، بل تحوّل إلى مؤشر واضح على أن العراق لا يواجه فقط تأخيرًا في تشكيل حكومة، بل أزمة في إدارة الاستحقاقات نفسها. حكومة المرحلة المقبلة، إن كُتب لها أن ترى النور، لن تكون حكومة "بداية جديدة"، بل حكومة اختبار مضاعف: لاختبار قدرة النظام السياسي على احترام المدد الدستورية، وقدرة القوى السياسية على إنتاج تسويات مسؤولة، وقدرة العراق على تفادي الانزلاق إلى فراغ سياسي مفتوح، في لحظة إقليمية لا تحتمل الهشاشة.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح السلطة التنفيذية الجديدة في التحوّل من حكومة مؤجَّلة بالتفاهمات الهشّة إلى حكومة قرار فعلي، أم أن سياسة التأجيل ستظل الأداة الأسهل لإدارة أزمة لم تعد قابلة للإرجاء؟

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.