مجلة دجلة
الخير
مجلة شهرية
عامة، تُدار من قبل نخبة من الصحافيين المتطوعين، وتسعى إلى تقديم محتوى إعلامي
مهني يقوم على المصداقية والدقة في نقل الحقيقة.
تلتزم المجلة
بأخلاقيات المهنة الصحافية وفق مواثيق العمل الصحافي العالمية، وتضع احترام القارئ
وحقه في المعرفة في مقدمة أولوياتها.
تتمتع دجلة
الخير باستقلالية تامة، ولا تنتمي إلى أي جهة سياسية أو حزب، ما يمنحها حرية الطرح
وموضوعية التناول.
تهدف المجلة
إلى دعم القيم الإنسانية والحريات العامة، وترفض التطرف بجميع أشكاله، وتعمل على
تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والانفتاح في المجتمع.
هيئة التحرير
د. محمد حسين
الفيحان
علي تحسين
الحياني
انس الشمري
محمد بغدادي
نوري حمدان
للتواصل معنا
mdkpress@gmail.com
الافتتاحية
العراق بين
نار الإقليم.. وامتحان القرار
لم يعد العراق
هذا الشهر يقف عند مفترق طرق تقليدي، بل عند لحظة إقليمية مشتعلة تتجاوز حدود
الخرائط السياسية المعتادة. فبين تصاعد المواجهة الأميركية – الإسرائيلية مع
إيران، واغتيال المرشد الإيراني بما يحمله من تحولات عميقة في توازنات المنطقة،
يعود العراق إلى موقعه الحساس: ليس مجرد جارٍ متأثر، بل ساحة اختبار لقدرته على
حماية قراره في زمن الاضطراب.
في هذا العدد
من دجلة الخير، لا نتعامل مع الأحداث بوصفها عناوين منفصلة، بل نقرأها كتحول في
المشهد العام. من طاولة المفاوضات النووية التي كانت تسير بخطى محسوبة، إلى مشهد
النار الذي أعاد تعريف قواعد الاشتباك، ومن ارتباك الإقليم إلى انسداد الداخل
الدستوري، تتشابك الخيوط في لوحة واحدة عنوانها: من يملك القرار حين تتزاحم
الضغوط؟
الانسداد
الدستوري في بغداد لم يعد شأناً سياسياً داخلياً معزولاً، بل أصبح جزءاً من معادلة
أوسع. فكلما اشتد الصراع الإقليمي، تقلص هامش المناورة أمام الدولة العراقية.
وكلما تعثرت التسوية الداخلية، ازدادت قابلية الداخل للتأثر برياح الخارج. هنا، لا
يكون السؤال فقط من يشكل الحكومة، بل أي موقع سيختاره العراق لنفسه في خريطة تتبدل
ملامحها تحت ضغط القوة.
ترسيم الحدود،
اتفاقيات الطاقة، توازن العلاقات، إدارة السلاح، حماية الاقتصاد، وصون كرامة
المواطن.. لم تعد ملفات تقنية، بل أصبحت اختبارات سيادة حقيقية. فالسيادة لا تُقاس
بالشعارات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها من دون أن تُستدرج إلى معارك
الآخرين، أو تُختزل إلى ساحة رسائل متبادلة.
وفي الداخل،
يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلات الكبار. حين يتحول الراتب إلى قلق يومي،
وحين يصبح الاستقرار الاقتصادي رهناً بحسابات السياسة، تنتقل الأزمة من قاعات
التفاوض إلى تفاصيل الحياة. هنا تحديداً، يُختبر معنى الدولة: هل هي إدارة مصالح
عليا فقط، أم حماية يومية لكرامة الناس؟
هذا العدد لا
يرفع نبرة، ولا يصطفّ في محور، لكنه يصرّ على قراءة اللحظة كاملة. فالعراق اليوم
ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام اختبار تعريف: هل يستطيع أن يعيد إنتاج معادلته
الوطنية بعيداً عن استقطابات الإقليم؟ وهل يملك شجاعة تحويل التحدي إلى فرصة لبناء
دولة قرار لا دولة توازن هش؟
في دجلة
الخير، نؤمن أن الكلمة ليست صدىً للحدث، بل محاولة لفهمه. وأن صناعة الرأي العام
تبدأ بقراءة هادئة، لا بانفعال عابر. لأن الأوطان لا تُدار تحت ضغط النار، بل
تُبنى حين ينضج القرار.. ويستقل.
من جنيف إلى
حافة الانفجار:
المفاوضات
الأميركية الإيرانية بعد التحول العسكري وتداعيات اغتيال المرشد
لم تعد
المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران مساراً سياسياً تقنياً يُدار تحت سقف
الدبلوماسية الهادئة كما بدت عليه في جولاتها الأخيرة بين مسقط وجنيف، بل تحولت،
بفعل العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية الأخيرة، إلى ملف مفتوح على
احتمالات تتجاوز الإطار النووي نحو إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي. وإذا كانت
الجولة الثالثة في جنيف قد وُصفت رسمياً بأنها أحرزت "تقدماً ملحوظاً"،
فإن هذا التوصيف بات اليوم أقرب إلى تسجيل موقف سياسي منه إلى توصيفٍ لواقعٍ
مستقر، بعد أن دخل العامل العسكري على خط التوازنات الحساسة.
قبل التصعيد
الأخير، كانت المفاوضات تسير في مسار تدريجي حذر، تتقدم شكلياً بخطوات محسوبة فيما
تبقى الفجوات الجوهرية حاضرة في صلب التفاهمات. طهران تمسكت برفع العقوبات وإلغاء
قرارات مجلس الأمن المرتبطة بملفها النووي بوصف ذلك شرطاً تأسيسياً لأي اتفاق
مستدام، ورفضت إدراج نقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج أراضيها ضمن
الترتيبات المطروحة، معتبرة أن هذه الورقة تمثل عنصراً سيادياً وأداة توازن في
مواجهة الضغوط. في المقابل، ركزت واشنطن على منع بلوغ عتبة السلاح النووي،
والتشديد على سقف التخصيب وآليات الرقابة والتحقق طويل الأمد، وسط إشارات غير
معلنة إلى خيبة أمل أميركية من مستوى المرونة الإيرانية في الجولة الثالثة.
غير أن
العمليات العسكرية الأخيرة، وما رافقها من استهدافات نوعية، نقلت الملف من مساحة
إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة تعريفها. فقد أحدثت الضربات الأميركية – الإسرائيلية
تحولاً في طبيعة التفاوض ذاته، إذ لم يعد النقاش يدور حول تفاصيل تقنية وآليات
تنفيذ، بل حول مدى بقاء المسار التفاوضي قائماً من الأساس. ومع تصاعد التوتر، برزت
تداعيات غير مسبوقة تمثلت في مقتل المرشد الإيراني، في تطور شكّل صدمة داخلية
عميقة في البنية السياسية لإيران، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية دقيقة تمسّ صميم
النظام.
إن اغتيال
المرشد، بوصفه رأس الهرم السياسي والديني وصاحب الكلمة الفصل في الملفات
الاستراتيجية، لا يمثل حدثاً رمزياً فحسب، بل يحمل تداعيات مباشرة على مسار
التفاوض وعلى طبيعة القرار الإيراني في المرحلة المقبلة. فمن جهة، قد يدفع هذا
التطور إلى تشدد داخلي وتغليب خطاب الردع والانتقام، بما يعزز نفوذ التيارات
الرافضة لأي تنازل تفاوضي. ومن جهة أخرى، قد ترى مؤسسات الدولة أن احتواء التصعيد
عبر مسار تفاوضي مضبوط يمثل ضرورة لمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا تملك طهران
ترف خوضها في لحظة انتقال قيادي حساسة.
في هذا
السياق، تبدو الحسابات الأميركية أكثر تعقيداً. فواشنطن التي كانت تسعى إلى اتفاق
مرحلي يمنع الانفجار، تجد نفسها اليوم أمام مشهد يتداخل فيه البعد النووي مع
معادلات الردع الإقليمي، ومع احتمال أن يتحول مقتل المرشد إلى عنصر تعبئة داخلية
يعيد توحيد الصف الإيراني تحت عنوان "السيادة المستهدفة". كما أن
الانخراط الإسرائيلي المباشر في العمليات يعكس محاولة لفرض سقف أمني جديد يمنع أي
اتفاق لا يراعي المخاوف الإسرائيلية، ويعيد ضبط ميزان القوة قبل العودة إلى
الطاولة.
السيناريو
الأكثر ترجيحاً في المدى القريب لا يشير إلى انهيار كامل للمسار التفاوضي بقدر ما
يوحي بمرحلة تجميد مشوب بالتصعيد غير المباشر. فقد تلجأ طهران إلى إعادة ترتيب
بيتها الداخلي أولاً، ثم إدارة رد محسوب يحفظ توازن الردع من دون الذهاب إلى
مواجهة شاملة، فيما قد تفضل واشنطن إبقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة لتفادي
انفجار واسع. أما احتمال الانزلاق إلى صدام إقليمي مباشر، فرغم بقائه وارداً، إلا
أن كلفته المرتفعة على جميع الأطراف تجعله خياراً غير مرغوب فيه إلا في حال حدوث
خطأ استراتيجي أو رد غير محسوب.
إن الانتقال
من أجواء جنيف التفاوضية إلى مناخ التصعيد العسكري يعكس هشاشة التوازن الذي كان
يحكم العلاقة بين الطرفين. فالمعادلة التي قامت على "تقدم بطيء في الشكل
وتصلب محسوب في الجوهر" لم تعد قائمة بالصيغة ذاتها بعد اغتيال المرشد، إذ
باتت القرارات المقبلة محكومة بمزيج من الحسابات الاستراتيجية والاعتبارات الرمزية
والضغوط الداخلية. وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الجولة الثالثة قد أحرزت
تقدماً، بل ما إذا كانت المنطقة قادرة على استعادة منطق التفاوض قبل أن تفرض
الوقائع الميدانية مساراً بديلاً يُرسم تحت ضغط النار لا على طاولة الدبلوماسية.
*****
بغداد بين
ضغوط الخارج وارتباك الداخل: اختبار السيادة في لحظة الانسداد الدستوري
يقف العراق
مجدداً أمام منعطف سياسي دقيق، تتقاطع فيه تعقيدات الانسداد الدستوري مع تصاعد
التوتر الإقليمي، لتعود إلى الواجهة معضلة القرار الوطني وحدود تأثير الخارج في
تشكيل ملامح السلطة في بغداد. فالتطورات الأخيرة، التي بدأت بإشارات سياسية
أميركية رافضة لترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وترافقت مع حراك
دبلوماسي مكثف، كشفت هشاشة التوازنات داخل "الإطار التنسيقي"، وأعادت
طرح السؤال المحوري: من يمتلك حق ترجيح كفة رئاسة الحكومة في هذه المرحلة الحساسة؟
لم تكن
المواقف الأميركية المعلنة تجاه بعض الأسماء المطروحة لتشكيل الحكومة حدثاً
عابراً، بل تحولت إلى عنصر ضغط مباشر أربك حسابات التحالفات الشيعية، وفتح الباب
أمام سيناريوهات متعددة، أبرزها احتمال تراجع المالكي لصالح تجديد الولاية لمحمد
شياع السوداني بشروط سياسية مختلفة. وبين هذين الخيارين، تتحرك القوى السنية
والكردية ضمن هامش محدود تحكمه اعتبارات التوازن الإقليمي وضمانات الاستقرار
الداخلي.
منذ
الانتخابات الأخيرة، تعهدت قوى الإطار التنسيقي بتشكيل حكومة سريعة، إلا أن
الخلافات سرعان ما ظهرت إلى العلن، وتحولت إلى تجاذبات غير مسبوقة داخل البيت
السياسي الواحد. المالكي، الذي رأى في اللحظة الراهنة فرصة للعودة إلى رئاسة
الوزراء، يواجه معادلة إقليمية مختلفة عمّا كانت عليه في دورات سابقة، حيث بات
الموقف الأميركي أكثر وضوحاً في التحفظ على الشخصيات التي تُصنف ضمن الدائرة
الأقرب إلى طهران، خصوصاً في ظل احتدام التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
في المقابل،
يُنظر إلى السوداني من قبل أطراف دولية باعتباره شخصية أكثر قدرة على إدارة توازن
العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وضبط إيقاع الاحتكاك مع واشنطن، في مرحلة
تتسم بحساسية أمنية عالية. غير أن هذا التوصيف لا يلغي حقيقة أن أي مرشح سيبقى
أسير معادلة داخلية معقدة، تحكمها حسابات النفوذ، وتوازنات القوى داخل البرلمان،
ومواقف الفاعلين الإقليميين.
تتداول
الأوساط السياسية مسارين محتملين: إما انسحاب تدريجي للدعم من المالكي لإقناعه
بالتراجع حفاظاً على موقعه الرمزي داخل التحالف، أو المضي بتكليفه رسمياً استناداً
إلى المادة 76 من الدستور، مع ترك مهلة التشكيل تتحول إلى مخرج قانوني إذا تعذر
تمرير الحكومة. في كلا السيناريوهين، يبدو أن الأزمة لا تتعلق باسم بعينه بقدر ما
تعكس عمق الانقسام داخل التحالف الحاكم.
في هذا
السياق، تبرز إشكالية السيادة بوصفها جوهر المأزق الراهن. فالتدخلات الخارجية،
سواء عبر التصريحات السياسية أو عبر أدوات الضغط المالي والأمني، تجد بيئة قابلة
للتأثر في ظل غياب تسوية وطنية جامعة. وبينما تشدد واشنطن على ضرورة ضبط ملف
الفصائل المسلحة ومنع انزلاق العراق إلى محور صدامي، ترى قوى داخل الإطار أن أي
مقاربة خارجية لهذا الملف تمس جوهر الاستقلال الوطني. وهنا يتجدد السؤال المزمن:
هل يمكن بناء دولة ذات قرار أمني موحد في ظل ازدواجية السلاح وتداخل الولاءات؟
إن الأزمة
الحالية لا تنفصل عن السياق الإقليمي المتوتر. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي،
يتأثر مباشرة بأي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. وكلما ارتفعت حدة المواجهة
بين الطرفين، تقلص هامش المناورة أمام بغداد، وازدادت الضغوط لاختيار تموضع واضح،
في وقت يحتاج فيه البلد إلى قدر أعلى من التوازن للحفاظ على استقراره الاقتصادي
والأمني.
في الداخل،
تتباين مواقف القوى الكردية والسنية بين دعم مشروط وانتظار لما ستسفر عنه مداولات
الإطار التنسيقي. الجميع يدرك أن أي حكومة لا تحظى بقبول إقليمي ودولي نسبي ستواجه
تحديات كبيرة في إدارة الاقتصاد، خصوصاً في ظل ارتباط العراق بالنظام المالي
العالمي وتعقيدات سوق الطاقة. كما أن استمرار الشلل الدستوري يفاقم من تآكل الثقة
الشعبية في النظام السياسي، ويعزز شعوراً عاماً بأن الصراع يدور حول تقاسم السلطة
أكثر مما يدور حول بناء الدولة.
المبادرات
المدنية والتحذيرات الصادرة عن بعض النخب السياسية تعكس اتجاهاً متنامياً يرفض
تحويل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، ويطالب بإعادة تعريف الأولويات بعيداً عن
منطق المحاصصة والسلاح السياسي. فالأزمة لم تعد مجرد خلاف على رئاسة الحكومة، بل
باتت تمس طبيعة النظام السياسي ذاته، وقدرته على إنتاج تسوية داخلية مستقلة نسبياً
عن إرادات الخارج.
في المحصلة،
يقف العراق أمام اختبار مزدوج: اختبار القدرة على تجاوز الانسداد الدستوري ضمن أطر
دستورية واضحة، واختبار إعادة ترميم مفهوم السيادة في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
فسواء انتهت المشاورات بولاية ثانية للسوداني، أو بمرشح توافقي جديد، فإن جوهر
الإشكال سيبقى قائماً ما لم تُحسم ملفات أعمق تتعلق بإدارة السلاح، ومكافحة
الفساد، وإصلاح بنية الحكم، واستعادة ثقة الشارع.
بغداد اليوم
ليست أمام مفاضلة بين شخصين فحسب، بل أمام سؤال مصيري يتعلق بقدرتها على الانتقال
من ساحة تتقاطع فوقها الرسائل الدولية إلى دولة تملك قرارها وتدير توازناتها بوعي
واستقلال. وبين ضغوط الخارج وتعثر الداخل، يتحدد مستقبل العملية السياسية، لا في
تغريدة عابرة ولا في زيارة دبلوماسية، بل في مدى نضج الإرادة الوطنية لإعادة بناء
معادلة الحكم من داخلها.
*****
بين خرائط
البحر وذاكرة البرّ
هل يعيد ترسيم
الحدود اختبار نضج العلاقة العراقية – الكويتية؟
دجلة الخير - بغداد
لم تكد العلاقات العراقية – الكويتية تستقر نسبيًا على إيقاع "التنافس المنضبط"، حتى أعادت التطورات الأخيرة في ملف ترسيم الحدود البحرية إحياء حساسية قديمة بصيغة جديدة. فقد أقدمت بغداد على إيداع خرائطها البحرية وخطوط الأساس لدى الأمم المتحدة، في خطوة وصفتها بأنها إجراء سيادي يتسق مع القانون الدولي، ويوازي خطوة كانت الكويت قد سبقتها إليها عام 2014.
وزير الخارجية
العراقي فؤاد حسين أوضح أن الكويت أودعت خرائطها البحرية آنذاك من دون تشاور مع
العراق، مؤكدًا أن بغداد تلتزم بالقرارات الأممية والاتفاقات الثنائية ذات الصلة،
وتؤمن بحل الإشكالات عبر الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها
الداخلية. خطابٌ حاول أن يؤطر المسألة ضمن سياق قانوني بحت، بعيدًا عن أي تصعيد
سياسي.
غير أن ردود
الفعل في الداخلين العراقي والكويتي كشفت أن الملف يتجاوز طابعه الإجرائي إلى بُعد
رمزي يمسّ الذاكرة السيادية والهوية الوطنية. ففي العراق، برزت أصوات ترى في
الخطوة تصحيحًا لمسار تفاوضي سابق، بينما عبّرت الكويت عن تحفظها، معتبرة أن أي
تحرك أحادي قد يخلّ بتوازن التفاهمات القائمة.
لفهم أبعاد
الخطوة العراقية، لا بد من التمييز بين "الإيداع" و"الحكم
القضائي". ما قامت به بغداد هو تسجيل رسمي لموقفها الحدودي، وفق قواعد
اتفاقية قانون البحار، وليس قرارًا ملزمًا للدول الأخرى. وبحسب مختصين في القانون
الدولي، فإن أي دولة متضررة، ومن بينها الكويت، تملك حق الاعتراض عبر مذكرة رسمية
تُودَع لدى الأمم المتحدة، تعلن فيها عدم اعترافها بالإحداثيات المقدمة. وعندها
تُسجَّل المنطقة بوصفها "منطقة متنازعًا عليها"، من دون إلغاء الوثائق
العراقية.
النقطة
الجوهرية هنا أن لا جهة دولية تملك سلطة شطب خرائط أودعتها دولة ذات سيادة من طرف
واحد، إلا في حالتين: اتفاق ثنائي جديد يعيد ترسيم الحدود نهائيًا، أو صدور حكم
ملزم من جهة مختصة مثل محكمة العدل الدولية، شريطة قبول الطرفين بالاختصاص.
من منظور
قانوني بحت، تمثل الخطوة العراقية انتقالًا من موقع الدفاع إلى موقع تثبيت الموقف.
فبعد أن كان الملف يُدار في إطار تفاوضي ضبابي، بات للعراق خط أساس وإحداثيات
مودعة رسميًا، ما ينقل عبء الطعن القانوني إلى الطرف المعترض.
يتقاطع هذا
التطور مع أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين، وهو الخلاف حول خور عبد الله،
الذي لا يحمل أبعادًا فنية فحسب، بل يتصل مباشرة بمفاهيم السيادة والهوية الوطنية
في الوعي الجمعي للطرفين.
كما تزداد
أهمية الإيداع في ضوء التقاطع مع منطقة حقل الدرة، إذ يمنح العراق سندًا قانونيًا
لإثبات وجود مصالح سيادية في المياه المؤدية إليه أو المتداخلة معه، ويحول من دون
تجاهل موقعه في أي ترتيبات استثمارية مستقبلية محتملة.
ولفهم دلالة
اللحظة الراهنة، ينبغي العودة إلى السياق الأوسع للعلاقة بين البلدين. فلم تكن
العلاقات العراقية – الكويتية، طوال عقود، مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تاريخًا
مثقلًا بالشكوك والصدامات التي بلغت ذروتها عام 1990. غير أن ما بعد 2003 مثّل
نقطة انعطاف مفصلية، إذ بدأت العلاقة رحلة بطيئة من القطيعة إلى الحوار.
بسقوط نظام
صدام حسين، انهار أحد أعمدة التهديد المباشر الذي ظلّ يؤرق الكويت، فيما وجد
العراق نفسه أمام ضرورة إعادة تعريف موقعه الإقليمي عبر الالتزام بالقانون الدولي
وبناء علاقات حسن جوار. هكذا بدأ مسار جديد، تُرجم بإعادة فتح السفارات، وتكثيف
الزيارات الرسمية، وتسوية ملفات شائكة، كان أبرزها إغلاق ملف تعويضات حرب 1990 عام
2022، في خطوة اعتُبرت لحظة رمزية فارقة في طي صفحة من الماضي.
اقتصاديًا
وأمنيًا، توسّع التبادل التجاري، وشاركت الكويت في دعم جهود إعادة إعمار العراق،
فيما تطورت أشكال التنسيق الأمني بما يخدم استقرار المنطقة. كل ذلك رسم ملامح
علاقة أقرب إلى الشراكة الحذرة منها إلى الخصومة المفتوحة.
السؤال اليوم
ليس ما إذا كان الخلاف قائمًا، فذلك أمر طبيعي بين الدول، بل كيف يُدار هذا
الخلاف. الفارق الجوهري بين الأمس واليوم أن النزاع يُطرح تحت سقف المؤسسات
الدولية، لا في فضاء القطيعة أو الاستقطاب الحاد. وهذا بحد ذاته مؤشر تحوّل مهم في
طبيعة العلاقة.
التحدي
الحقيقي لا يكمن في الخرائط ذاتها، بل في إدارة تداعياتها السياسية والإعلامية.
فإذا نجح الطرفان في إعادة الملف إلى طاولة التفاوض الهادئ، فإن ذلك سيعزز فرضية
أن العلاقة انتقلت فعلًا من مرحلة العداء البنيوي إلى مرحلة إدارة المصالح
المتبادلة.
اللحظة
الراهنة ليست لحظة حسم، بل لحظة احتمال. فإما أن تتحول هذه الأزمة إلى محطة تثبيت
جديدة لمسار قانوني ناضج، أو تعود الملفات العالقة لإعادة إنتاج أنماط الشك
القديمة.
لكن المؤكد أن
مستقبل العلاقة العراقية – الكويتية لن يُحسم بالقوة، بل بقدرة الطرفين على إدارة
الذاكرة الثقيلة، وترجمة القانون إلى أداة توازن لا ساحة صراع.
*****
اتفاقيات
شيفرون في العراق: شراكة نفطية كبرى بين رهانات الاقتصاد وحسابات السياسة
دجلة
الخير/ بغداد
شهدت بغداد
توقيع اتفاقيتين نفطيتين بارزتين بين العراق وشركة Chevron الأميركية، برعاية رئيس الوزراء محمد شياع
السوداني، وبحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى
تركيا Tom
Barrack،
في خطوة وُصفت رسمياً بأنها جزء من مسار إصلاح القطاع النفطي وتعزيز الاستقرار
الاقتصادي، فيما أثارت في المقابل نقاشاً سياسياً وقانونياً داخل الأوساط
العراقية.
الاتفاقية
الأولى تتعلق بنقل إدارة حقل غرب القرنة/2، أحد أهم الحقول المنتجة في البلاد، في
حين تشمل الاتفاقية الثانية تطوير حقل الناصرية والرقع الاستكشافية الأربع في
محافظة ذي قار، إضافة إلى تطوير حقل بلد في صلاح الدين، مع تعديل اتفاق سابق
بإضافة حقل الناصرية إليه. وقد سبقت هذه الخطوة اتفاقية تسوية بين شركة نفط البصرة
وشركة لوك أويل، جرى بموجبها تحويل العقد بصورة مؤقتة إلى شركة نفط البصرة وتسوية
المستحقات المالية بين الطرفين، تمهيداً لإحالته لاحقاً إلى شيفرون بعد استكمال
التفاوض على بنود العقد الجديد، على أن تتمتع الشركة الأميركية بحق التفاوض الحصري
لمدة عام وفق معايير متفق عليها.
رئيس الوزراء
أكد أن هذه الاتفاقيات تمثل محطة مهمة في استكمال إصلاحات قطاع الطاقة، مشيراً إلى
ما يمكن أن تتيحه من فرص لرفع المستوى الاقتصادي والمعيشي في محافظتي ذي قار وصلاح
الدين، في ظل توجه حكومي لتعظيم الموارد النفطية وتحسين كفاءة الإدارة والاستثمار.
كما تزامن التوقيع مع لقاء سياسي تناول العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن،
وملفات الاستقرار الإقليمي، والتأكيد على أولوية الحوار والمسارات الدبلوماسية في
معالجة النزاعات.
في المقابل،
حملت التصريحات الأميركية رسائل واضحة بشأن البعد الاستراتيجي للشراكة، إذ اعتُبر
الاتفاق "علامة فارقة لشعب العراق ولشركة شيفرون"، مع الإشارة إلى أن
الحقل المعني يساهم بنحو 12% من إنتاج النفط العراقي، وأن الاستثمارات الأميركية
تعكس ثقة متزايدة باستقرار العراق وإمكاناته الاقتصادية. كما جرى ربط الاتفاق
برؤية أميركية أوسع تقوم على تعزيز السلام عبر الازدهار المشترك، بما يرسخ
الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد في المنطقة.
غير أن هذه
التطورات لم تمرّ من دون جدل داخلي، إذ طُرحت تساؤلات تتعلق بطبيعة المرحلة
السياسية التي جرى فيها توقيع الاتفاقيات، ومدى جواز إبرام تفاهمات استراتيجية من
قبل حكومة تُوصَف بأنها في إطار تصريف الأعمال، فضلاً عن نقاشات حول الأبعاد
السيادية لإدارة حقول تمثل نسبة مؤثرة من الإنتاج الوطني. وذهبت بعض التحليلات إلى
ربط توقيت الزيارة الأميركية بسياقات سياسية أوسع تتعلق بمستقبل السلطة التنفيذية،
في حين ركزت أصوات أخرى على ضرورة إحالة الملف إلى المؤسسات الدستورية المختصة
لضمان سلامة الإجراءات من الناحية القانونية.
في المحصلة،
تعكس الاتفاقيات النفطية الأخيرة تقاطعاً واضحاً بين الاقتصاد والسياسة، حيث يتحول
ملف الطاقة إلى محور رئيس في رسم ملامح العلاقة العراقية – الأميركية، وفي تحديد
مسار الإصلاح الاقتصادي الداخلي. وبين الترحيب الرسمي والتحفظات السياسية، يبقى
الرهان الحقيقي معلقاً على قدرة هذه الشراكة على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد
الوطني، وضمان إدارة متوازنة للثروة النفطية بما يحفظ المصالح العليا للعراق ويعزز
استقراره في بيئة إقليمية معقدة.
*****
أرتفاع الأسعار و تأخُرُ الرواتب يُنذرُ المواطنين من مخاوف بتأمين أبسط احتياجات العيش
د. حسين محمد الفيحان/ بغداد
حين ترتفع
الأسعار وتتأخر الرواتب يصبح الفقرُ سياسة غير معلنة ليدفع المواطن العراقي ثمن
قرارات لم يكن شريكاً في صنعها، والسؤال الذي نطرحه في مقدمة موضوعنا، إلى متى
يبقى "المواطن العراقي" وحده في مواجهة الغلاء وتأخر أستحقاقاته
الشهرية؟!
ففي شهر رمضان
الفضيل، الذي يعتاد فيه العراقيون على زيادة التبضع من أجل أفراش موائد الإفطار
والطعام بأشهى الأكلات، ارتفعت معها أسعار المواد الغذائية وخاصة تلك الغائبة من
الحصص التموينية التي كانت توزع إلى المواطنين، مما أثر ذلك بشكل كبير على العوائل
خصوصاً أصحاب الدخل المحدود.
المواطنة
"هدى سلمان" تقول لـ(دجلة الخير): كل عام ومع قدوم شهر رمضان المبارك
تزداد المواد الغذائية غلاءً وتبقى أسعارها مرتفعة حتى بعد انتهاء الشهر الكريم.
أما المواطن
"احمد الحمداني" الموظف في أحد الوزارات العراقية فقد تحدث لـ(دجلة
الخير) قائلاً: رواتبنا محدودة جداً ولا تتناسب مع هذا الإرتفاع المستمر في
الأسواق وفي المواد الغذائية خصوصاً وباتت لا تكفي لسد حاجاتنا حتى نهاية الشهر،
أضف إلى ذلك الحصة التموينية التي تنقطع لأشهر عديدة وإذا جاءت فهي لا تكفي لأسبوع
من الشهر.
ابتعاد
الحكومة عن المواطنين بحسب وصف المتابعين للمشهد جعل بعض المتنفذين يستغلون الموقف
لمصالح شخصية عبر التلاعب بأسعار صرف الدولار من أجل الصعود بأسعار المواد
الغذائية دون حسيب ولا رقيب، هذا ما أوضحه المُتابع للشأن الإقتصادي في البلاد
الأكاديمي "حيدر مكي" قائلاً لـ(دجلة الخير): للأسف لا توجد أنظمة
حكومية مُطبقة على أرض الواقع تحاسب التجار على رفعهم المستمر لأسعار المواد
الغذائية، وحتى و إن وجدت تلك القوانين فهي حبر على ورق، فالمواد الغذائية الغير
كافية في كميتها التي تعطيها الحكومة للمواطنين بين أشهر متباعدة هي لا تعدو عن
(السُكر والرز والزيت) ما يجعلهم تحت رحمة التُجار المتنافسين بينهم بجنيّ أكثر
الأرباح برفع أسعار المواد الغذائية.
بين
"مواطنٍ" و"تاجر" و"حكومة"، الأول يرمي التُهم على
الثاني برفع أسعار المواد الغذائية لزيادة الأرباح، أما الثاني يتهم الثالث بتعطيل
المصانع الوطنية وزيادة التأشيرة (التعرفة الگمرگية) على دخول المواد الغذائية
لداخل البلاد إلى قرابة الـ35%، ما يدفعهم لاستيراد المواد الغذائية بجودة واطئة
لتُباع بأسعار باهظة، ناهيك عن سيطرات أمنية توصف بأنها تَسلب الأموال وضح النهار
من التجار بإدعاء الحماية الأمنية لشاحناتهم وسلعهم فيها.
وأكد (محمد
حنون) المتحدث الرسمي بإسم وزارة التجارة
لـ(دجلة الخير): أن وزارة التجارة قد تعاقدت خلال شهر رمضان الجاري مع
القطاع الخاص لبيع المواد الغذائية بأسعار مخفضة تصل إلى 25% بمنافذ محددة بسبب
إرتفاع أسعارها في السوق، إضافة إلى اتخاذ إجراءات حكومية للحيلولة دون إرتفاع
الأسعار كتوزيع مفردات السلة الغذائية بشكلٍ كامل على جميع المواطنين المشمولين
بها وعملية الرقابة المستمرة بالتنسيق مع الأجهزة الامنية لمتابعة الأسواق المحلية
وضبط الأسعار.
اما الخبير
المالي والإقتصادي (حيدر خشان) فقد أوضح لـ(دجلة الخير): أن المواطن العراقي اليوم
لا يواجه أزمة غلاءٍ فقط بل أزمة إدارة وفشل إقتصادي في ظل عجز واضح عن تقديم حلول
أو حتى توضيحات.
وتزامناً مع
تكرار موضوع تأخر صرف رواتب الموظفين منذ أشهر عديدة، تبقى أسعار المواد الغذائية
في إرتفاع مستمر، مُرجعاً القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات خطيرة، فالأسواق
تعج بالغلاء وسلعٌ أساسية باتت خارج متناول شرائح واسعة من المجتمع وسط غياب حقيقي
لأي إجراء من الحكومة لكبح هذا الإرتفاع بالاسعار وحماية ذوي الدخل المحدود،
فالإرتفاع بأسعار المواد الغذائية يأتي في توقيت بالغ الحساسية حيث يعتمد قرابة
الـ(8,5) ملايين مواطن عراقي على رواتبهم كمصدر وحيد للعيش ومع كل يوم تأخير
تتضاعف معاناة الأُسر وتزداد مخاوف العجز من تأمين أبسط الاحتياجات.
الاقتصاد الصغير.. حين يصبح الراتب مشروعَ إدارة لا موردَ عيش
دجلة الخير - بغداد -
تقرير خاص
لم يعد
الراتب، في حياة كثير من الأسر، نهاية الشهر ولا بدايته، بل صار سؤالًا مفتوحًا
يتكرر كل صباح: كيف نُكمل به الأيام؟ في الماضي القريب، كان الدخل يُستهلك بعفوية؛
نشتري لأننا نحتاج، ونؤجل التفكير إلى وقت لاحق. اليوم انقلب المشهد. لم يعد
الشراء فعلًا تلقائيًا، بل قرارًا يُسبق بحساب، وتردّد، وأحيانًا شعور بالذنب. كأن
الاقتصاد، الذي كنا نراه في نشرات الأخبار وتقارير الحكومات، انتقل فجأة من
المكاتب إلى المطابخ، ومن لغة الأرقام الكبيرة إلى دفاتر صغيرة تُدار داخل البيوت.
تجلس العائلة
حول قائمة المشتريات، لا لتدوين ما ترغب به، بل لتحديد ما يمكن الاستغناء عنه.
السؤال لم يعد: ماذا نريد؟ بل: ما الذي يمكن تأجيله؟ وما الذي يمكن إلغاؤه تمامًا؟
هكذا، بصمت، تتشكّل أولويات جديدة. يُلغى السفر أولًا، ثم الترفيه، ثم بعض العادات
اليومية التي كانت تبدو بديهية: وجبة خارج المنزل، اشتراك غير ضروري، ماركة اعتاد
الناس عليها. كل بند يُمحى من القائمة هو اعتراف غير معلن بأن الواقع تغيّر، وأن
العيش كما في السابق لم يعد ممكنًا.
في هذا
السياق، لا يظهر ما يُسمّى "الاقتصاد الصغير" كخيار ثقافي أو وعي
استهلاكي راقٍ، بل كاستجابة اضطرارية. الشراء بالجملة لم يعد رفاهية لمن يملك
فائضًا، بل حيلة ذكية لتقليل الخسارة. البحث عن البدائل المحلية لم يعد تعبيرًا عن
دعم الإنتاج الوطني فقط، بل محاولة لتخفيف العبء. حتى الاقتصاد التشاركي، من
مشاركة الخدمات إلى تبادل المنافع، لم ينشأ من فراغ، بل من شعور عام بأن الفرد لم
يعد قادرًا وحده على تحمّل الكلفة.
المفارقة أن
هذا التحول يجري غالبًا من دون ضجيج. لا مظاهرات ولا بيانات، بل تغييرات هادئة في
السلوك اليومي. ومع ذلك، فهو من أعمق التحولات الاقتصادية. حين تعيد ملايين الأسر
ترتيب أولوياتها بالطريقة نفسها تقريبًا، فإننا أمام ظاهرة اجتماعية لا تقل أثرًا
عن قرارات كبرى تُتخذ في العواصم. هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما نعيشه وعي
اقتصادي جديد يولد من رحم الأزمة، أم أنه مجرد تكيّف قاسٍ مع واقع يُفرض على الناس
فرضًا؟
القلق الحقيقي
لا يكمن في التقشف ذاته، بل في طبيعته. فالتقشف الذي يُبنى على الوعي قد يخلق
سلوكًا رشيدًا ومستدامًا، أما التقشف المفروض فقد يتحول إلى إنهاك نفسي واجتماعي.
حين يشعر رب الأسرة أن كل قرار شراء هو معركة صغيرة، وحين تشعر الأم أن إدارة
البيت صارت وظيفة بلا أجر ولا تقدير، وحين يكبر الأطفال على ثقافة "لا
نستطيع" بدل "لا نريد"، فإن الأثر يتجاوز الحسابات المالية إلى
بنية الحياة نفسها.
ومع ذلك، لا
يمكن إنكار أن داخل هذا الضيق تولد مهارات جديدة. كثير من الأسر صارت أكثر دقة،
أكثر تخطيطًا، وأقل اندفاعًا. تعلّم الناس المقارنة، والبحث، والمفاضلة. صار
السؤال عن القيمة قبل السعر، وعن الجدوى قبل الرغبة. هذه مهارة اقتصادية حقيقية،
لكنها جاءت بثمن نفسي واجتماعي لا يُحتسب في التقارير.
يبقى السؤال
الأهم معلقًا: إلى متى؟ وهل يُعقل أن يُترك هذا "الاقتصاد الصغير" وحده
في مواجهة اقتصاد كبير لا يلتفت إلى تفاصيل الحياة اليومية؟ إدارة الأسرة لأزمتها
لا تعفي السياسات العامة من مسؤولياتها، ولا ينبغي أن تتحول براعة الناس في
التكيّف إلى مبرر لاستدامة الخلل. فالأسرة التي تُجيد إدارة الضيق تستحق، في
المقابل، اقتصادًا أوسع لا يختبر قدرتها على الاحتمال كل يوم.
ربما أخطر ما
في المشهد أن الاعتياد يزحف ببطء. ما كان أزمة قد يصبح قاعدة، وما كان استثناء قد
يُقدَّم كفضيلة. هنا، لا بد من التوقف قليلًا، ليس للبكاء على ما فُقد، بل لطرح
السؤال بصوت عالٍ: هل نريد اقتصادًا يُدار من داخل البيوت لأن الخارج لم يعد
آمنًا، أم نريد اقتصادًا يعيد للراتب معناه البسيط.. أن يكون موردَ عيش، لا مشروعَ
صمود دائم؟
*****
بين الحاجة
الخدمية والكتلة الوظيفية.. مقارنة بين العراق ودول المنطقة
دجلة الخير –
تقرير خاص
مع إعلان
النتائج النهائية للتعداد السكاني الأخير في العراق، الذي أظهر أن عدد السكان بلغ
46,118,793 نسمة، عاد الجدل مجددًا حول حجم الجهاز الحكومي وعدد الموظفين، وما إذا
كان هذا العدد يعكس "ترهّلًا وظيفيًا" أم "حاجة خدمية حقيقية"
تفرضها طبيعة الدولة والمجتمع.
وتكتسب هذه
الإشكالية أهميتها حين توضع في سياق مقارن مع دول إقليمية ذات خصائص ديموغرافية
واقتصادية مختلفة، مثل مصر والسعودية وتركيا والأردن، بهدف الإجابة عن سؤال جوهري:
هل عدد موظفي الدولة في العراق مفرط مقارنة بدول المنطقة، أم أنه يتناسب مع حجم
السكان ومتطلبات الخدمة العامة؟
تشير البيانات
المستندة إلى قانون الموازنة الاتحادية للأعوام 2023–2025 إلى أن إجمالي عدد
الموظفين في مؤسسات الدولة العراقية يبلغ نحو 4,074,697 موظفًا. وبمقارنة هذا
الرقم بعدد السكان وفق التعداد الأخير، نجد أن:
نسبة الموظفين
الحكوميين إلى السكان 8.84%، أي ما يعادل نحو 88 موظفًا حكوميًا لكل ألف مواطن.
ظاهريًا، يبدو هذا الرقم مرتفعًا، لكنه لا يحمل دلالة قاطعة بحد ذاته، ما لم
يُقارن بسياقات إقليمية مشابهة، وما لم يُفكك داخليًا بحسب القطاعات (تعليم، صحة،
بلديات، أمن، رعاية اجتماعية).
تُعد تركيا
مثالًا مهمًا للمقارنة، كونها دولة ذات تعداد سكاني مرتفع واقتصاد متنوع: عدد
السكان (2024): 85.7 مليون نسمة. عدد العاملين في القطاع العام: نحو 5.24 مليون
موظف، وعليه: نسبة الموظفين إلى السكان 6.1%، أي 61 موظفًا لكل ألف نسمة. ورغم أن
العدد المطلق للموظفين في تركيا أعلى من العراق، إلا أن الكثافة الوظيفية أقل،
ويُعزى ذلك جزئيًا إلى: اتساع دور القطاع الخاص في تقديم الخدمات، الاعتماد الواسع
على البلديات واللامركزية، وجود شراكات خدمية خارج الجهاز الحكومي المركزي.
في السعودية،
تختلف بنية الدولة الخدمية جذريًا: عدد السكان (2024): نحو 35.3 مليون نسمة، القوى
العاملة: نحو 17.2 مليون، نسبة العاملين في الحكومة والقطاع العام: قرابة 10% من
القوى العاملة. وباحتساب ذلك، يقدّر عدد العاملين في القطاع الحكومي والعام بنحو
1.7 مليون موظف، أي: حوالي 4.8–5% من السكان، ما يعادل 49 موظفًا لكل ألف نسمة،
ويُفسَّر هذا الانخفاض النسبي في الكثافة الوظيفية بـ: الاعتماد الكبير على القطاع
الخاص في التعليم والصحة والخدمات، وتعد نموذج "الدولة المنظِّمة" أكثر
من "الدولة المشغِّلة"، كما أن ارتفاع نسبة العمالة غير المواطنة في سوق
العمل.
في الحالة
المصرية: عدد السكان (نهاية 2024): نحو 107.2 مليون نسمة، عدد موظفي الجهاز
الإداري للدولة (تقديرات 2023/2024): قرابة 3.9 مليون موظف. وهذا يعني: نسبة
الموظفين إلى السكان 3.6%، أي 36 موظفًا لكل ألف نسمة، ورغم ضخامة الجهاز الإداري
تاريخيًا، فإن مصر اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى: تقليص التعيينات، نقل بعض
الخدمات إلى شركات عامة أو خاصة، ربط التوظيف بالإصلاح المالي وضبط الموازنة.
الأردن، بعدد
سكان يقارب 11.7 مليون نسمة، يعتمد بدرجة كبيرة على الدولة في التعليم والصحة
والخدمات، إلا أن حجمه الديموغرافي الصغير نسبيًا يجعل الكثافة الوظيفية أكثر
قابلية للإدارة، وغالبًا ما تُقاس نسبة الموظفين فيه إلى القوى العاملة أكثر من
السكان الكليين.
العراق يمتلك
أعلى كثافة وظيفية حكومية بين دول المقارنة عند قياسها نسبةً إلى عدد السكان.
لكن.. هل الكثافة تعني فائضًا؟ هنا بيت القصيد. فالكثافة الوظيفية المرتفعة لا
تعني تلقائيًا وجود فائض، ما لم تُربط بثلاثة أسئلة حاسمة: كيف يتوزع الموظفون؟،
هل تتركز الوظائف في الإدارات المكتبية أم في التعليم والصحة والخدمات البلدية؟،
ما مستوى الإنتاجية؟
كم معاملة
ينجز الموظف؟ ما زمن الخدمة؟ ما جودة المخرجات؟ ما بدائل الدولة؟ هل يمتلك العراق
قطاعًا خاصًا قادرًا على امتصاص عبء الخدمات كما في تركيا والسعودية؟
في دولة مثل
العراق، حيث يعتمد المواطن بدرجة عالية على الدولة في التوظيف والدخل والخدمة،
وحيث ما يزال القطاع الخاص محدود التأثير، فإن الحاجة الخدمية قد تبرر عددًا
كبيرًا من الموظفين، لكن بشرط إعادة توزيعهم ورفع كفاءتهم.
إن المقارنة
الإقليمية تُظهر أن العراق لا يعاني من "مشكلة رقم" بقدر ما يعاني من
مشكلة هيكل ووظيفة. فبلد يضم أكثر من 46 مليون نسمة يحتاج حتمًا إلى جهاز خدمي
واسع، لكن معيار النجاح لا يقاس بعدد الموظفين، بل بقدرتهم على تحويل هذا العدد
إلى خدمة عامة محسوسة وعادلة وفعّالة.
ومن هنا، فإن
أي نقاش جاد حول التوظيف في العراق يجب أن ينتقل من سؤال: كم عدد الموظفين؟ إلى
سؤال أكثر عمقًا: أين يعمل هؤلاء؟ وماذا يقدّمون؟
*****
المعرفة والتكنولوجيا في العراق: بين رافعة التنمية وإعادة إنتاج اللامساواة
دجلة الخير - تقرير خاص
في ظل التحولات العالمية المتسارعة، باتت المعرفة والتكنولوجيا عنصرين حاسمين في رسم مسارات التنمية والعدالة الاجتماعية. وفي العراق، يبرز هذا الملف بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، لما يحمله من فرص واعدة، وما ينطوي عليه في الوقت ذاته من مخاطر حقيقية إذا ما أسيء التعامل معه.
من حيث
المبدأ، تمثل المعرفة والتكنولوجيا أدوات مركزية يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في مسار
التنمية العراقية، إذا ما جرى توظيفها ضمن رؤية شاملة وسياسات عامة رشيدة.
فالتكنولوجيا قادرة على تحسين جودة التعليم وتوسيع نطاق الوصول إليه، ولا سيما في
المناطق المهمشة، كما تفتح آفاقًا جديدة لفرص العمل عبر الاقتصاد الرقمي، بما يخفف
من الاعتماد المزمن على القطاعات التقليدية.
إلى جانب ذلك،
يسهم التحول الرقمي في تعزيز الشفافية وكفاءة المؤسسات، ويحدّ من مظاهر الفساد
الإداري عبر أتمتة الخدمات وتبسيط الإجراءات، فضلًا عن دوره في تمكين فئات لطالما
عانت التهميش، مثل الشباب والنساء، من المشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية
والاجتماعية.
في هذا
الإطار، يمكن للتكنولوجيا أن تتحول إلى رافعة حقيقية للعدالة الاجتماعية، عبر
تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، والحد من التفاوت بين الطبقات الاجتماعية
المختلفة، إذا ما اقترنت بسياسات إدماجية واستثمارات متوازنة.
غير أن الوجه
الآخر لهذه التحولات لا يقل أهمية. فالمعرفة والتكنولوجيا قد تتحولان، في غياب
الرؤية الشاملة والحوكمة الفاعلة، إلى عامل جديد لإنتاج اللامساواة. ضعف البنية
التحتية الرقمية، وتراجع جودة التعليم، وعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الإنترنت
والتقنيات الحديثة، كلها عوامل قد تفضي إلى تعميق الفجوة بين من يمتلكون المعرفة
الرقمية ومن يُحرمون منها.
وفي هذه
الحالة، تتركز الثروة والفرص في أيدي فئات محدودة داخل المدن الكبرى، بينما تُقصى
شرائح واسعة من المجتمع عن سوق العمل الجديد، ما يفضي إلى نشوء "نخبة
رقمية" في مقابل أغلبية مهمشة معرفيًا واقتصاديًا.
وعليه، فإن
مستقبل المعرفة والتكنولوجيا في العراق لا يمكن النظر إليه بوصفه مسارًا حتميًا أو
نتيجة تلقائية للتطور العالمي، بل هو خيار سياسي وتنموي بامتياز. فإذا ما ارتبط
التحول التكنولوجي بسياسات تعليمية عادلة، واستثمارات شاملة، وحوكمة رشيدة، فإنه
يمكن أن يشكل أداة للتحرر والتنمية المستدامة.
أما إذا تُرك
لقوى السوق وحدها، أو أُدير بمنطق انتقائي، فقد يصبح مصدرًا جديدًا لإعادة إنتاج
اللامساواة بأشكال أكثر تعقيدًا.
إن المعرفة والتكنولوجيا في العراق تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تكون جسرًا نحو التنمية والعدالة الاجتماعية، أو حاجزًا يعمّق التفاوت القائم. والفارق بين المسارين لا تحدده الأدوات بحد ذاتها، بل الإرادة السياسية، ونوعية السياسات العامة، وشمولية الرؤية التنموية.
*****
مواقع التواصل في العراق.. عطش للتعاطي مع الفضائح وتلوّث بصري يُهدّد مستقبل الأجيال
أنس الشمري
عندما بدأ
الإنترنت يدخل إلى العراق في نهايات تسعينيات القرن الماضي، كان حضوره أشبه بضيفٍ
جديد يحمل ملامح عالمٍ مختلف. يومها، انشغل الشباب باكتشاف هذا التطور التقني،
وتفاصيله، وكيف يمكن لشاشة صغيرة أن تربط العراق بمشارق الأرض ومغاربها. لم يكن
الأمر مألوفًا؛ فقد كان الاتصال بالعالم الخارجي محدودًا، فجاءت مقاهي الإنترنت
لتملأ الأحياء، وتصبح ملتقى للراغبين في مراسلة أقاربهم في الخارج، وللباحثين
وطلبة الدراسات والمثقفين الذين وجدوا في هذه الوسيلة نافذة للمعرفة.
في تلك
المرحلة، لم يكن الإنترنت يحتل المساحة التي يشغلها اليوم في تفاصيل الحياة
اليومية، رغم وجود شريحة واسعة تستخدمه لأغراض عملية منتظمة. كان حضوره وظيفيًا في
الغالب، ومحصورًا في البحث والتواصل والبريد الإلكتروني. لكن مع اتساع رقعة التحول
الرقمي، وظهور منصات التواصل الاجتماعي وتعددها خلال العقدين الأخيرين، تغيّر
المشهد جذريًا، وانتقل الإنترنت من أداة مساعدة إلى فضاء مفتوح يلامس كل جوانب
الحياة.
بين
"فيسبوك" و"إنستغرام" و"تلغرام" و"إكس"،
وغيرها من المنصات التي لا يكاد يخلو منها هاتف عراقي، أصبح تداول الأخبار والصور
والمقاطع المصوّرة يتم بضغطة زر. لم تعد المسافات عائقًا، ولا الزمن حاجزًا؛ حدثٌ
في أقصى العالم قد يصل خلال ثوانٍ إلى شاشة هاتف في أحد أحياء بغداد أو البصرة أو
الموصل. هذه السرعة المذهلة في نقل المعلومة عكست حجم التطور التقني، لكنها في
الوقت نفسه فتحت الباب أمام تحولات عميقة في سلوك الأفراد وطبيعة التفاعل
المجتمعي.
غير أن هذا
الفضاء المفتوح لم يُستثمر دائمًا بما يخدم الصالح العام. فمع سهولة النشر وغياب
الضوابط الذاتية لدى بعض المستخدمين، برزت مظاهر من سوء الاستخدام، تمثلت في
التركيز على تداول الإشاعات، وتضخيم الأخبار المثيرة للجدل من دون تحقق أو دليل،
فضلًا عن نشر محتويات خادشة للحياء أو مواد مسرّبة تمسّ الحياة الخاصة للأفراد.
ومع كل "إعجاب" أو "مشاركة"، كانت دوائر الانتشار تتسع،
ويتحوّل بعض المستخدمين إلى صانعي محتوى قائم على الإثارة والفضيحة.
ولو أجرينا
جولة سريعة في هذه المنصات خلال ساعة واحدة، لوجدنا كمًا هائلًا من الصفحات التي
تستقطب المتابعين عبر عناوين صادمة، أو ملفات ذات طابع جنسي، أو أخبار غير موثقة
تُقدَّم بوصفها حقائق. وفي المقابل، يتراجع حضور المحتوى الرصين، أو يبقى أقل
جاذبية أمام منطق الإثارة السريعة. هذه المعادلة خلقت بيئة رقمية مشبعة بما يمكن
وصفه بـ"التلوث البصري"، حيث يُجبر المستخدم، شاء أم أبى، على المرور
بمحتويات لا تتسق مع القيم المجتمعية أو الذوق العام، حتى أصبحت منصّات التواصل
تشكّل خطراً وتهديداً لشريحة كبيرة من مستخدميها.
وتبرز الخطورة حين يكون المتلقّي طفلًا أو مراهقًا لم يكتمل وعيه بعد. فالتعرض المستمر لمثل هذه المضامين قد ينعكس على سلوكياته وتصوراته، ويُعيد تشكيل منظومة القيم لديه بطريقة غير مباشرة. ومع غياب الرقابة الأسرية الكافية في بعض الحالات، يتحول الهاتف الذكي إلى نافذة مفتوحة على عوالم لا تناسب مراحلهم العمرية.
لا يمكن إنكار أن وزارة الداخلية العراقية، عبر لجنة "المحتوى الهابط"، اتخذت خطوات للحد من بعض مظاهر الانفلات، وتمكنت من ملاحقة حسابات تروّج لمضامين مسيئة أو مخالفة للقانون. غير أن طبيعة الفضاء الرقمي، واتساعه، وتعدد أدواته، تجعل السيطرة الكاملة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ما يتعلق بالتشهير، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المشاهد المخلة بالحياء، والترويج لسلع أو خدمات لا تتلاءم مع الفئات العمرية الصغيرة.
قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، بصيغته الأصلية، لم يكن يتوقع هذا التسارع التقني الذي أفرز أنماطًا جديدة من الجرائم. فالمادة (403) تعاقب على نشر أو توزيع كتابات أو صور مخلة بالحياء، فيما تجرّم المادة (433) أفعال القذف والتشهير. إلا أن الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت تتطلب في كثير من الأحيان آليات قانونية وإجرائية أكثر تخصصًا.
ومن هنا جاء
طرح مشروع قانون الجرائم الإلكترونية، في محاولة لسدّ الفراغ التشريعي ومواكبة
التحولات الرقمية. وبين مؤيد يرى فيه ضرورة لتنظيم الفضاء الإلكتروني، ومنتقد يخشى
من تأثير بعض مواده على حرية الرأي والتعبير، يبقى التحدي قائمًا في تحقيق التوازن
بين حماية المجتمع وصون الحقوق.
ولابد أن نشير
إلى قانون العقوبات العراقي الذيي يُطبق حالياً (خاصة المواد المتعلقة بالسبّ،
القذف، الابتزاز، التهديد، الاعتداء على الأخلاق والآداب العامة، والتجسس) لمعاقبة
الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت، مع وجود مواد إشكالية في المشروع المقترح تنتقدها
منظمات حقوقية لتقييدها حرية الرأي والتعبير، بينما يهدف القانون الجديد إلى توحيد
الأحكام وتخصص القضاء وتعزيز حماية البيانات، مع إدراج مواد خاصة بالجيوش
الإلكترونية ونشر الأخبار الكاذبة.
خلاصة الأمر، أصبحت منصّات التواصل في ظل الانفلات الحاصل لدى بعض مستخدميها والمتمثل بالترويج لأمور غير أخلاقية وخادشة للحياء فضلاً عن نشر الفضائح التي باتت تتسبّب بمشاكل اجتماعية وأسرية وعشائرية، هدّدت حياة الكثيرين، تشكّل عبء على العائلة العراقية، فبين ضنكة العيش والأزمات الاقتصادية ومتطلبات توفير مستلزمات دراسة الأبناء، والجهاد اليومي لربّ الأسرة والأم، يُجبر هؤلاء على القتال في ساحة حرب خلقتها العولمة والتطوّر التكنلوجي، ليسكب فوقها الوقود أفراد من المجتمع يستجدون الـ"لايك" و"التعليق" و"المشاهدة"، عبر نشر محتويات تخلق تلوثاً بصرياً نُجبر يومياً على مشاهدته والمرور من فوقه للأسف، الأمر الذي بات يتطلب وقفة جدية وصارمة من السلطات، لمحاسبة كل من يتسبّب اصبعه عمداً بنشر تفاهات لها أثر سلبي كبير على المجتمع، وردم فتن قد تنشأ من تداعيات هذه التصرفات غير المنضبطة، والتي تمت بصلة لعادات وتقاليد المجتمع العراقي.
*****
مجلس
السلام.. حين يُعاد تعريف العالم من بوابة الحرب
في لحظة دولية
تتكاثر فيها الحروب وتتراجع فيها الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، عاد الرئيس
الأميركي دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الدولي بإطلاق مجلس السلام، في
خطوة قُدّمت على أنها محاولة جريئة لإعادة ضبط مسار النزاعات العالمية، لكنها في
الوقت ذاته أثارت عاصفة من ردود الفعل المتباينة، بين من رأى فيها فرصة لفرض
تسويات طال انتظارها، ومن اعتبرها إعادة هندسة للنظام الدولي وفق مقاربة القوة لا
مقاربة العدالة.
لم يأتِ
الإعلان عن المجلس في سياق اعتيادي، بل في ظل مشهد عالمي متوتر: حرب مستمرة في
غزة، تصدع في بنية النظام الدولي، عجز واضح في مجلس الأمن عن إنتاج حلول ملزمة،
وتنامي خطاب يدعو إلى تجاوز البيروقراطية الأممية لصالح صيغ أكثر
"مرونة". في هذا المناخ، بدا مجلس السلام محاولة لملء فراغ سياسي، لكنه
في الوقت ذاته بدا تعبيرًا عن نزعة متصاعدة لإعادة تعريف الشرعية الدولية خارج
الأطر التقليدية.
اللافت أن
ردود الفعل لم تنحصر في محور جغرافي واحد. في الداخل الأميركي، انقسمت النخبة
السياسية بين من اعتبر المجلس امتدادًا لنهج "الصفقات الكبرى" الذي ميّز
مقاربة ترامب في ولايته السابقة، وبين من حذّر من تحويل قضايا السلم والأمن إلى
مساحات تفاوض شخصي بعيدًا عن مؤسسات الدولة العميقة. أما أوروبيًا، فقد ساد قدر من
التحفظ، إذ رأت عواصم عدة أن أي إطار موازٍ للأمم المتحدة قد يضعف النظام متعدد
الأطراف الذي شكّل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأوروبية منذ الحرب العالمية
الثانية.
في الشرق
الأوسط، حيث تختبر المبادرات الدولية دائمًا على محك القضية الفلسطينية، اتخذت
ردود الفعل طابعًا أكثر حساسية. فهناك من رأى في المجلس فرصة لوقف نزيف الحرب
وإطلاق مسار سياسي جديد، فيما عبّر آخرون عن خشيتهم من أن يتحول
"السلام" إلى عنوان لإعادة ترتيب موازين القوى بعد الحرب، لا إلى مسار
يعالج جذور الصراع التاريخية. هذا التباين عكس سؤالًا أعمق: هل نحن أمام مبادرة
لإنهاء النزاعات، أم أمام إطار لإدارتها بما ينسجم مع توازنات ما بعد المعركة؟
إن جوهر
الإشكالية لا يكمن فقط في أهداف المجلس المعلنة، بل في بنيته ومصادر شرعيته. فحين
تُنشأ منصة دولية بدعوة ورعاية قوة عظمى، وبتصميم يتيح انتقاء المشاركين وتحديد
أولويات الملفات، فإن ذلك يطرح سؤالًا حول طبيعة التمثيل وحدود الحياد. السلام، في
جوهره، ليس صفقة تجارية ولا اتفاقًا ثنائيًا محدود الأثر، بل عملية سياسية
وقانونية معقدة تتطلب ضمانات دولية، وتوازنًا في القوة التفاوضية، واعترافًا
متبادلًا بالحقوق.
ردود الفعل
الدولية كشفت كذلك عن قلق من أن يتحول المجلس إلى سابقة تؤسس لمرحلة تتراجع فيها
المرجعيات القانونية لصالح ترتيبات مرنة تُبنى على التوافق بين الأقوياء. فالتاريخ
المعاصر يعلّم أن أي نظام دولي لا يقوم على قواعد واضحة ومُلزمة ينتهي إلى فوضى
مقنّعة، تُدار فيها الأزمات بمنطق إدارة الخسائر لا بمنطق حلّ المشكلات.
في المقابل،
لا يمكن إنكار أن قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي باتت ترى في الأمم المتحدة
إطارًا مثقلًا بالشلل السياسي، خصوصًا في ظل استخدام متكرر لحق النقض، وعجز مزمن
عن فرض قرارات حاسمة في النزاعات الكبرى. من هذا المنظور، يُقدَّم مجلس السلام
باعتباره استجابة لواقع مأزوم، ومحاولة لتجاوز العجز البنيوي في المؤسسات القائمة.
غير أن تجاوز العجز لا يعني بالضرورة إنتاج عدالة، كما أن السرعة في فرض تسوية لا
تعني بالضرورة استدامتها.
غزة، بوصفها
الساحة الأكثر سخونة في اللحظة الراهنة، تحوّلت إلى الاختبار العملي الأول لصدقية
المجلس. فإعادة الإعمار، وملف الأسرى، والترتيبات الأمنية، ومستقبل الحكم، كلها
ملفات تتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية بالرهانات الجيوسياسية. أي مقاربة تختزل
هذه التعقيدات في إطار أمني صرف، أو تربط المساعدات بإعادة تشكيل الخريطة
السياسية، ستواجه حتمًا شكوكًا عميقة لدى الأطراف المعنية.
من هنا، فإن
ردود الفعل لم تكن مجرد مواقف سياسية عابرة، بل مؤشرات على صراع أوسع حول شكل
النظام الدولي المقبل. هل يتجه العالم نحو مرحلة "المجالس الخاصة" التي
تدير الأزمات خارج المنظومة الأممية؟ أم أن هذه المبادرات ستظل أدوات ضغط ظرفية
سرعان ما تعود الملفات بعدها إلى المؤسسات التقليدية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد
ما إذا كان مجلس السلام محطة عابرة في مسار مضطرب، أم بداية لتحول هيكلي في طريقة
إدارة العالم لصراعاته.
في المحصلة،
قد ينجح المجلس في فرض وقف لإطلاق النار هنا، أو في جمع أطراف متخاصمة هناك، لكن
معيار النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو الصور التذكارية، بل بقدرته على
إنتاج تسويات عادلة تعالج جذور النزاعات، لا أعراضها فقط. فسلام يُبنى على اختلال
فادح في موازين القوى، أو يُفرض تحت ضغط الإنهاك، سيظل هشًا، قابلًا للاهتزاز عند
أول اختبار.
لقد أظهرت ردود الفعل أن العالم لا ينقسم فقط حول جدوى المجلس، بل حول مفهوم السلام ذاته: أهو نهاية المعارك فحسب، أم إعادة تأسيس للعلاقات على قاعدة الحق والكرامة والسيادة؟ بين هذين التعريفين تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن السلام الذي لا يستند إلى عدالة، قد ينجح في إسكات البنادق، لكنه لا ينجح في إغلاق ملفات الصراع.
*****
ترامب ومجلس
السلام وموقف القانون الدولي
علي التميمي -
باحث قانوني
مجلسُ السلامِ
الذي أعلن عنه الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب، وما رافق ذلك الإعلان من الحديث عن
منهاج أو نظام داخلي لهذا المجلس، يثير إشكاليات قانونية وسياسية عميقة عند قراءته
في ضوء القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. فبحسب ما أُعلن، فإن هذا المجلس يقوم
على رئاسة الرئيس ترامب، بعد أن وجه الدعوة إلى أكثر من ستين دولة، ووضع نفسه
رئيسًا للمجلس مدى الحياة، وقبل عضوية الدول بنفسه، على أن تكون العضوية لمدة ثلاث
سنوات قابلة للتجديد، ويكون هو الجهة التي تقرر التجديد. كما نص النظام الداخلي
على نوع آخر من العضوية، يتمثل بالعضوية الدائمة المشروطة بإيداع مليار دولار في
صندوق المجلس.
وتُتخذ
القرارات في هذا المجلس من قبل ترامب بصفته المقرر الأول، مستعينًا بعدد من
المستشارين والمساعدين من شخصيات عالمية معروفة، ومن خلال هذا الإطار، يبدو أن
الولايات المتحدة الأمريكية تسعى، خلال ولاية ترامب، إلى احتكار الحق الحصري في
التعامل مع الأزمات الدولية بعيدًا عن ميثاق الأمم المتحدة، رغم أن هذا المجلس
يتداخل بشكل واضح مع اختصاصات الأمم المتحدة، ولا سيما أن الولايات المتحدة نفسها
عضو دائم في مجلس الأمن الدولي. ويزداد هذا التداخل وضوحًا مع ملاحظة أن مسودة
ميثاق مجلس السلام لم يرد فيها أي ذكر لغزة أو فلسطين على الإطلاق، كما أن إعلان
ترامب نفسه رئيسًا للمجلس مدى الحياة يدعو إلى التساؤل حول مصير هذا المجلس عند
انتهاء ولايته الرئاسية، إذ ما الضمان بأن الرئيس الأمريكي القادم سيوافق على هذا
المجلس أو يعترف به؟! إضافة إلى ذلك، فإن الدستور الأمريكي يشترط في الاتفاقيات
والمعاهدات الدولية موافقة الكونغرس، بشقيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ، على أي
اتفاق يوقعه الرئيس، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة. وبذلك فإن توصيف مجلس السلام، من
منظور القانون الدولي، يمكن أن يوصف بأنه اتفاقية دولية، ولا يمكن بأي حال من
الأحوال أن يكون كيانًا موازيًا أو بديلًا للأمم المتحدة التي وقّعت عليها جميع
دول العالم تقريبًا، كما جاء في ديباجة ميثاقها. ويؤكد ميثاق الأمم المتحدة ذاته،
ولا سيما المادة 109، أن أي تعديل على الميثاق يستلزم عقد مؤتمر دولي بدعوة من
الجمعية العامة، وتصويت ثلثي أعضائها، وموافقة تسعة أعضاء من مجلس الأمن، وهو ما
يجعل أي مجلس يُنشأ بإرادة أحادية أو انتقائية خارج هذا الإطار فاقدًا للشرعية
الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقف المؤسسات الدستورية في الولايات المتحدة تجاه هذا التداخل، إذ إن هذا المجلس لا يمكن أن يشكل إطارًا موازيًا للأمم المتحدة، بل يظل كيانًا متداخلًا معها دون سند قانوني واضح. كما أن الطرح الذي يقوم عليه هذا المجلس يوحي بأن الرئيس الأمريكي يريد تكريس منطق أن «الحق للقوة»، في مقابل مبدأ «القوة للحق» الذي يقوم عليه النظام الدولي المعاصر، وهو ما يضعف أي ادعاء بكون المجلس أداة لتحقيق السلام. ومن ناحية أخرى، فإن الأمم المتحدة، التي يضم ميثاقها 188 دولة ويتكون من 111 مادة، ما تزال الإطار الدولي الجامع، وقد صدرت عنها قرارات ملزمة بشأن غزة، من بينها القرار 2803 لسنة 2025 القاضي بإيقاف الحرب، باعتباره صادرًا عن مجلس الأمن. وفي المقابل، فإن مجلس السلام المعلن لا تربطه أي علاقة قانونية أو مؤسسية بمجلس الأمن أو بالأمم المتحدة، الأمر الذي يثير التساؤل حول الجهة التي ستلجأ إليها الدول عند وقوع الأزمات الدولية أو اندلاع الحروب، وهل ستتجه الولايات المتحدة إلى مجلس السلام أم إلى الأمم المتحدة التي ما زالت تمثل المحور الرئيسي للنظام الدولي. ومع أن بعض الدول تحركت استجابة للدعوة، وقبلت الانضمام أو وافقت على دفع الأموال، فإن غياب دول كبرى مثل الصين وروسيا، رغم كونهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، يكشف بوضوح محدودية هذا المجلس وعدم قدرته على تمثيل السلام الدولي أو إدارة الأزمات العالمية بقرارات ذات شرعية ملزمة.
*****
المدينة
الفاضلة (الجمهورية).. حلم أفلاطون، ووهم البشرية؟
محمد
البغدادي
في أعماق
التاريخ، حيث كانت الفلسفة تزهر، وتطرح الأسئلة الكبرى، جاء أفلاطون بفكرته
الجريئة المدينة الفاضلة. حلم يراود البشرية منذ الأزل، مجتمع مثالي، يحكم بالعدل
والحكمة، حيث يعيش الجميع في سعادة وازدهار، فلاطون، التلميذ النجيب لـ سقراط، كان
يرى أن المجتمع المثالي هو الذي يحكم بالفلسفة، حيث يقود الحكماء البلاد، ويعمل
الجميع معًا لتحقيق السعادة العامة. لكن، هل كان أفلاطون واقعيًا؟ هل يمكن تحقيق
هذا الحلم في عالم مليء بالتعقيدات والصراعات؟
النقاد يرون
أن أفلاطون كان ساذجًا، أن المدينة الفاضلة هي وهم، لا يمكن تحقيقها في عالم مليء
بالاختلافات والصراعات. الجماعية المفرطة، التمييز الطبقي، السيطرة على الإعلام..
هذه بعض الانتقادات التي وجهت إلى أفلاطون. لكن، هل يمكن أن نستفيد من فكرة
أفلاطون؟ هل يمكن أن نأخذ الأفكار الجيدة وتعديلها لتناسب واقعنا؟ ربما يمكننا أن
نتعلم من أفلاطون أهمية التفكير النقدي، والبحث عن الحقيقة، والعمل المشترك لتحقيق
الأهداف المشتركة.
التعايش هو
عملية مستمرة تتطلب الجهد والالتزام من جميع الأطراف. يمكن أن يبنى على أسس
مشتركة، مثل الاحترام المتبادل، والتفاهم، والتعاون. لكن، في أحيان أخرى، يمكن أن
ينتزع التعايش بالخلافات والتقاطعات. المدينة الفاضلة (الجمهورية) تبقى حلمًا،
لكنها حلم يمكن أن يلهمنا، حلم يمكن أن يجعلنا نعمل نحو بناء مجتمع أفضل. كما قال
أفلاطون، "العدل هو أن يعطى كل فرد ما يستحقه".
كتاب
"المدينة الفاضلة" هو عمل فلسفي كتبه الفيلسوف اليوناني أفلاطون في
القرن الرابع قبل الميلاد. يعتبر هذا الكتاب من أهم الأعمال الفلسفية في التاريخ،
ويتناول فيه أفلاطون فكرة المدينة الفاضلة، وهي مجتمع مثالي يحكم بالعدل والحكمة.
ينقسم الكتاب
إلى عشرة أجزاء، ويتناول فيه أفلاطون عدة مواضيع، مثل العدل، والنفس الإنسانية،
والحكومة، والتعليم. يبحث أفلاطون عن تعريف للعدل، ويقارن بين العدل الفردي والعدل
الاجتماعي. يصف أفلاطون المدينة الفاضلة، وهي مجتمع مثالي يحكم بالفلسفة، حيث يقود
الحكماء البلاد، ويعمل الجميع معًا لتحقيق السعادة العامة.
كان لكتاب
"المدينة الفاضلة" تأثير كبير على الفلسفة والتاريخ، وقد أثر على العديد
من الفلاسفة والمفكرين، مثل أرسطو، وتوماس الأكويني، وروبرت أوين.
هل نحن
بمواجهة السياسات الطوباوية ولا حقيقة للمدينة الفاضلة؟
السؤال يطرح
تساؤلًا حول ما إذا كانت السياسات الحالية تعكس أفكار أفلاطون حول المدينة
الفاضلة، أو ما إذا كانت تتماشى مع مفهوم الحكومات الطوباوية.. أفلاطون في كتابه
"الجمهورية" يصف المدينة الفاضلة بأنها مجتمع مثالي يحكم بالعدل
والحكمة، حيث يقود الحكماء البلاد، ويعمل الجميع معًا لتحقيق السعادة العامة. هذا
المفهوم يركز على أهمية التعليم والتربية في تشكيل الأفراد ليكونوا فضلاء. من
ناحية أخرى، الحكومات الطوباوية غالبًا ما تشير إلى نظريات أو أفكار مثالية حول
كيفية حكم المجتمع، قد تكون مستوحاة من أفكار أفلاطون أو غيرها من الفلاسفة.
في العصر
الحديث، نجد أن العديد من الدول تتبنى سياسات تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية،
مثل البرامج الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية، وتسعى لتحقيق موازنة بين الحقوق
الفردية والمصالح الجماعية. هذا يمكن أن يُنظر إليه على أنه تطبيق عملي لبعض أفكار
أفلاطون حول العدالة والمدينة الفاضلة، ومع ذلك، يجب أن نلاحظ أن تحقيق المدينة
الفاضلة كما وصفها أفلاطون قد يكون صعبًا في الواقع، حيث تتطلب مجتمعًا مثاليًا
يحكم بالعدل والحكمة، وهو ما قد يصعب تحقيقه في ظل التعقيدات والصراعات الاجتماعية
والسياسية.
بشكل عام،
يمكن القول إن السياسات الحالية قد تتأثر بأفكار أفلاطون حول العدالة والمدينة
الفاضلة، ولكنها قد تختلف في التطبيق العملي بسبب اختلاف السياقات الاجتماعية
والسياسية.
*****
إسقاط
القدسية الوهمية عن جسد المرأة: تحرير الكرامة من القيد الاجتماعي
الاء محمد
الشبوط
ظلّ جسد
المرأة في ثقافتنا محاطاً بهالة من “القداسة” التي لم تكن في حقيقتها تكريماً بقدر
ما كانت وسيلة للضبط والسيطرة، فبدلاً من التعامل معه كجسد إنساني طبيعي، تم
تحميله معاني رمزية وأخلاقية واجتماعية جعلته ساحةً للشرف الجمعي، وموضوعاً
للرقابة، ومصدراً دائماً للقلق الأخلاقي، وكأن المرأة لا تملك جسدها بل تحمله
نيابةً عن المجتمع.
هنا يجب
التمييز بين الكرامة والقداسة؛ الكرامة قيمة إنسانية تعني احترام الجسد وعدم
انتهاكه، أما القداسة فتعني وضع الشيء خارج النقاش وتحويله إلى منطقة محرّمة
تحكمها الطقوس والخوف والرقابة. جسد المرأة يحتاج إلى الكرامة لا إلى القداسة، لأن
القداسة حين تُنزع من الإنسان وتُلصق بجسده تتحول إلى قيد إضافي، وتصبح وسيلة
لتبرير السيطرة عليه باسم الأخلاق أو الدين أو التقاليد.
الجسد في
حقيقته البيولوجية أداة الحياة في العالم المادي، به نأكل ونعمل ونمرض ونشفى وننجب
ونشعر، وهو ليس موضوعاً ميتافيزيقياً بل كياناً عضوياً يؤدي وظائف طبيعية. الأعضاء
الجنسية ليست رموز شرف ولا خزائن أخلاق، بل أجزاء من الجسد تؤدي وظائف حيوية.
تحويلها إلى رموز أخلاقية ضخّمها إلى حدّ مرضي، وربط قيمة المرأة بسلوك جسدي محدد،
في حين لا يُحمَّل جسد الرجل العبء نفسه.
ولكي نفهم
الخلل العميق في فكرة “تقديس” الجسد، يكفي أن ننظر إلى مفارقة أنثروبولوجية واضحة:
حين يتحول الإنسان إلى “قيمة عليا رمزية”، يفقد إنسانيته الواقعية. في بعض
المجتمعات التي دُرست أنثروبولوجياً، مثل مجتمع رجال اليانومامو في الأمازون، جرى
التعامل مع المرأة بوصفها جائزة عالية القيمة، أي رمزاً للمكانة والانتصار، فدخل
الرجال في دوائر تنافس وصراعات دموية للظفر بالنساء، ونشأت الحروب والقتل
والاختطاف نتيجة هذا “التقديس” الرمزي. هنا لم تكن المرأة ذاتاً إنسانية بقدر ما
كانت موضوعاً للصراع، ومع تحوّلها إلى جائزة، انهارت قيم إنسانية أخرى كدعم الضعيف
واحتواء العاجز وحماية الصغير، لأن معيار القيمة أصبح الفوز بالمرأة لا احترام
الإنسان. وهكذا تحوّلت المرأة من “قيمة مقدسة” في الخطاب إلى غنيمة في الواقع، ثم
إلى ضحية عنف المنتصرين، نفسياً وجسدياً وجنسياً.
هذه المفارقة
تكشف أن التقديس لا يرفع الإنسان بل يرمّزه، وحين يُرمَّز الإنسان يُجرَّد من شخصه
الواقعي، فيصبح شيئاً ثميناً يُتنافس عليه ويُنتزع، لا إنساناً يُحترم. الرمز
دائماً ساحة صراع، أما الإنسان فموضوع كرامة.
هل يعني نزع
القدسية إلغاء الخصوصية؟ أبداً. هنا يقع الخلط الكبير. الخصوصية ليست قداسة.
الجسد: ليس مقدساً، لكنه ملكٌ لصاحبه، لا يُمسّ ولا يُقترب منه ولا يُنظر إليه ولا
يُستخدم إلا بموافقته. هذا هو أساس الكرامة الإنسانية الحديثة: الجسد قرار صاحبه،
لا قرار المجتمع ولا العائلة ولا الرجل.
الأخطر أن
“تقديس” جسد المرأة لم يمنع انتهاكه، بل أوجد مفارقة: المجتمع يحمّله قيمة عليا
نظرياً، لكنه يبرر السيطرة عليه عملياً. نزع القدسية يعيد الجسد إلى مكانه
الطبيعي: كيان إنساني له حرمة قانونية وأخلاقية أساسها الرضا، لا الأسطورة.
الخلاصة أن
تحرير جسد المرأة من القداسة الوهمية لا يعني الفوضى، بل يعني نقله من مجال “الشرف
الجمعي” إلى مجال “الحق الفردي”، ومن منطق العار إلى منطق الكرامة، ومن الرقابة
الاجتماعية إلى الموافقة الشخصية. الجسد ليس معبداً، لكنه أيضاً ليس ساحة مباحة؛
إنه مساحة سيادة شخصية، وهذه السيادة هي جوهر إنسانية المرأة.
*****
اتحاد
الأدباء يحتفي بتجربة الشاعر أحمد الشيخ علي..
غسان عادل
احتفى الاتحاد
العام للأدباء والكتّاب في العراق، يوم الأربعاء الموافق 4 شباط 2026، بتجربة
الشاعر الدكتور أحمد الشيخ علي، في جلسة ثقافية خاصة تضمّنت قراءات شعرية وشهادة
أدبية قدّمها الشاعر الدكتور فارس حرّام،
مع ورقة نقدية قدمها الناقد اسماعيل ابراهيم عبد بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين
الذين امتلأت بهم قاعة الجواهري.
وقال مدير
الجلسة الناقد د. جاسم محمد جسّام في مفتتحها،إن الشيخ علي يخلق الأشكال والقيم
ويثير الاسئلة ويزيد من كمية الأفكار ويحرر النظريات والتصورات من أسر الزمان
التاريخيّ. بمعنى أن يضفي على عناصرها الحيوية والجمال.
واستهلّ الشيخ
علي حديثه بالتأكيد على أهمية الشعر بوصفه جنساً أدبياً إنسانياً وجمالياً، مبيناً
أن الحديث عن الشعر حديث ذو شجون، والمسير في دروبه مسير عامر بالإرادات والقراءات
والتحولات، مؤكداً أن ذلك تجسّد بوضوح في تجربته وكتاباته، ثم قرأ الشيخ أولى
قصائده في الجلسة بعنوان (أبي يا أبي) وسط تفاعل لافت من الحضور.
وتحدّث الشيخ
علي عن بداياته الأولى، مشيرًا إلى أنه بدأ علاقته بالشعر منذ سن العاشرة، حين كان
يصغي ويقرأ في مكتبة البيت، إذ حفظ أول بيت شعري لابن الفارض، ومنه عشق الشعر، ثم
انطلق من خلال ديوان دعبل الخزاعي فالمعلقات العشر، وصولًا إلى ولعه الخاص بالأعشى
شاعراً ومثقفاً.
كما تطرّق
الشيخ علي، إلى تجربته الشعرية في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية،
وأن مسيرته بدأت قبل أن تتأثر بتلك التحولات، لكنها تفاعلت معها لاحقًا، لتكوّن
ملامح صوته الشعري الخاص، وتمنحه خصوصية فنية واضحة.
وفي محور آخر،
أشار الشيخ علي إلى تجربته في كتابة القصة والمسرح، موضحًا أنها تعود إلى مطلع
تسعينيات القرن الماضي، حيث أنجز نصًا مسرحيًا بعنوان (تراميديا) أخرجه الفنان
إحسان الخالدي، في مرحلة وصفها بالصعبة، لكنها تميّزت بالجرأة والتمرد.
وأضاف أن
العمل حصد أربع جوائز مهمة، قبل أن يتوقف لاحقًا عن التجربة المسرحية، متفرغًا
للشعر والسرد، ليقرأ بعدها مجموعة من قصصه القصيرة أمام الحضور.
واستعرض حرام
في شهادته الأدبية بداية علاقته بالشيخ علي، مشيراً إلى أنها تعود إلى عام 1989،
حين التقيا لأول مرة في مبنى اتحاد أدباء النجف.
وأوضح حرّام،
أن مكتبة الشيخ علي كانت آنذاك ملتقى ثقافياً مفتوحاً للأدباء والشعراء، ومركزًا
للحوار وتبادل الرؤى والأفكار، وأسهمت في صقل العديد من التجارب الأدبية الشابة.
وأضاف أن
تجربة الشيخ علي تمثّل محطة مهمة في مسار الشعر العراقي المعاصر، وأظن أن شعر أحمد
الشيخ علي قد يكون خاتمة لمرحلة الرمزية في الشعر العراقي، وهو يشكّل حلقة وصل
فنية وجمالية بين جيل الثمانينيات وجيل التسعينيات.
وبيّن أن هذه
الخصوصية جعلت من تجربة الشيخ علي تجربة متفرّدة تجمع بين عمق الرؤية وثراء اللغة
والانفتاح على التحولات الفكرية والجمالية، فضلًا عن قدرتها على مواكبة المتغيرات
الثقافية من دون التفريط بالهوية الشعرية.
وأكد الناقد
إسماعيل إبراهيم في ورقته النقدية أن الشاعر أحمد الشيخ علي يُعدّ واحدًا من أبرز
كتّاب قصيدة النثر في العراق والوطن العربي، وقد كتب قصيدة النثر برمزية مكثّفة
ومتشابكة وقلقة، استطاع من خلالها التعبير عن الألم الإنساني والتحولات الوجودية
بلغة شعرية عالية الحساسية، تجمع بين التأمل والاحتجاج والجمال.
وأضاف أن
الشيخ علي، أسهم في ترسيخ حضور قصيدة النثر بوصفها شكلًا إبداعياً مؤثراً، مؤكداً
أن شعره ظلّ حياً ومتجدداً، قادراً على ملامسة الوجدان وفتح آفاق جديدة أمام
التجربة الشعرية العربية المعاصرة.
وشهدت الجلسة
نقاشات ومداخلات أغنت المحور النقدي، وأكدت المكانة التي يحتلها الشاعر أحمد الشيخ
علي في المشهد الثقافي العراقي، بوصفه أحد الأصوات التي أسهمت في ترسيخ حضور الشعر
العراقي، بوصفه شاعر استعارات من طراز خاص.
*****
تجربة علي نعمة: الواقعي بوصفه مغامرة إنسانية مفتوحة
يمضي الرسام
العراقي علي نعمة في تجربته التشكيلية ضمن مسار فني يتخذ من المغامرة الجمالية
مدخلاً لاكتشاف الذات، والكشف عن طبقاتها الوجدانية والفلسفية في علاقتها بالحياة.
فالرسم لديه ليس فعلاً تقنياً معزولاً، بل ممارسة تأملية عميقة، تتكئ على خبرة
تراكمت عبر سنوات من العمل، حيث تشكّلت رؤيته الجمالية بحثاً عن هوية فردية تتجلى
في بعدها الإنساني قبل أي اعتبار آخر.
ينتمي نعمة
إلى جيل من الفنانين المعاصرين الذين تمرّدوا على الأطر التقليدية في تمثيل
الواقع، فلم يعد أسير الصورة الظاهرة أو الشكل الملموس، بقدر ما يسعى إلى النفاذ
تحت السطح المرئي للأشياء. وفي هذا السياق، تتبدّى تجربته بوصفها محاولة لكسر خط
الزمن المستقيم، واستنطاق ما يختبئ خلف المشهد اليومي، عبر رؤية تتوغّل في المعنى
لا في المظهر.
شهدت تجربته
تحولات واضحة في تعامله مع الدلالة الواقعية داخل اللوحة. ففي بداياته، حضرت
الواقعية بقوة من خلال ألوان حارة وصريحة، ولا سيما الأحمر، الذي فرض حضوره بكثافة
تعبيرية لافتة. غير أن تطور أدواته الفنية قاده لاحقاً إلى تعميق نظرته للواقع، مع
الحفاظ على شفافية لونية مشبعة بغموض لا يبعث على القلق، بل يفتح أفق التأمل. وفي
هذه المرحلة، شاعت الألوان الباردة بتدرجاتها، مترافقة مع ضربات فرشاة قوية، لكنها
لينة في إيقاعها، توحي بحركة متدفقة وسلسة.
انعكست هذه
التحولات الأسلوبية على طبيعة الموضوعات التي يشتغل عليها، حيث انفتح بشكل متزايد
على الوجوه الإنسانية والمشاهد اليومية، مستكشفاً ما تختزنه من مشاعر خفية. يتجلّى
ذلك في لوحات ترصد لحظات عابرة من الحياة، كأشخاص يجلسون في لعبة بمدينة ملاهٍ، أو
شابة تحتضن أصيصاً من الزهور بنظرة ساهمة، حيث تمتزج الواقعة بالحلم، ويتداخل
الشعري بالمرئي.
ويشير هذا
المسار إلى نضج متصاعد في تجربته، وانتقاله من التشخيص الواقعي في بداياته إلى
واقعية تعبيرية أكثر انفتاحاً وثراءً. وفي مشهد تشكيلي عراقي يشهد وفرة في الإنتاج
وتفاوتاً في المستوى، يلفت علي نعمة الانتباه بقدرته على تفكيك البنى المكرّسة في
التعامل مع الواقع، من دون الانسياق وراء السائد أو المألوف.
إنه فنان يعيد للوحة تماسّها العميق مع وجدان المتلقي، ويجعل من الإنسان محوراً مركزياً لحضوره البصري، منطلقاً من حساسية إنسانية خالصة، لا من نزعة خطابية أو وظيفة اجتماعية مباشرة. وبهذا، يرسّخ علي نعمة تجربة فنية قوامها قوة اللون، وصدق الإحساس، ورؤية شعرية قادرة على إيقاظ الدهشة في عين المتلقي.
*****
نرجسية بلا حدود..
لماذا يأتي العراق ثانيًا بعد ألمانيا؟ وخبراء يدقّون ناقوس الخطر
في عالمٍ
يتسارع فيه إيقاع الفردانية، تكشف دراسة علمية حديثة صادرة عن Michigan State
University في الولايات المتحدة عن معطيات صادمة تتعلق
بانتشار سِمة النرجسية على مستوى العالم، واضعةً العراق في المرتبة الثانية بين
أكثر الدول التي تعاني من هذه الظاهرة النفسية.
الدراسة، التي
نُشرت في مجلة Self and Identity العلمية المحكمة، شملت أكثر من 45 ألف مشارك من 53 دولة، واعتمدت
على واحدة من أوسع قواعد البيانات النفسية تنوعاً من حيث الثقافات والبيئات
الاجتماعية. وخلص الباحثون إلى أن النرجسية ليست سلوكاً فردياً معزولاً، بل سمة
عالمية تختلف حدتها من مجتمع إلى آخر.
وتُظهر
النتائج أن فئة الشباب تسجّل معدلات أعلى من النرجسية مقارنة بكبار السن، كما أن
الرجال أكثر ميلاً إليها من النساء عبر مختلف الثقافات. وتصدّرت ألمانيا قائمة
الدول الأعلى في مستويات النرجسية، تلتها العراق، ثم الصين، فالنيبال، وكوريا
الجنوبية.
ويعرّف
الباحثون النرجسية بأنها سمة نفسية تقوم على تضخيم صورة الذات والشعور المفرط
بالأهمية، مقابل تراجع التعاطف مع الآخرين وضعف القدرة على بناء علاقات إنسانية
متوازنة. وفي بعض الحالات، قد تتطور هذه السمة إلى اضطراب نفسي يُعرف باضطراب
الشخصية النرجسية.
خبراء علم
النفس يحذّرون من أن ارتفاع مؤشرات النرجسية في أي مجتمع قد ينعكس سلباً على
التماسك الاجتماعي، ويؤثر في العلاقات الأسرية والمهنية، بل وحتى في الحياة
السياسية والاقتصادية.
ويبقى السؤال
مفتوحاً: هل ما نراه اليوم هو أزمة أفراد.. أم مرآة تعكس تحولات عميقة في ثقافة
المجتمعات الحديثة؟
*****
حين تتحول
الدولة إلى غنيمة
نوري حمدان
ليست المشكلة
في العراق أن الفجوة بين المترفين والمحرومين تتسع فحسب، بل إن هذا الاتساع بات
يبدو وكأنه جزء من آلية اشتغال النظام نفسه. نحن لا نقف أمام اختلال عابر في توزيع
الدخل يمكن إصلاحه بإجراءات مالية محدودة، بل أمام بنية سياسية ـ اقتصادية تعيد
إنتاج الامتيازات بصورة منتظمة، وتجعل من الدولة مصدراً للثروة لا إطاراً لتنظيم
إنتاجها.
العراق بلد
نفطي غني بالموارد، لكن غناه لم يتحول إلى عدالة اجتماعية مستدامة، بل إلى نمط
ريعي مسيّس ترتبط فيه الثروة بالوصول إلى مراكز القرار أكثر مما ترتبط بالكفاءة
والعمل المنتج. في هذا السياق، لا تتشكل طبقة ثرية نتيجة تراكم صناعي أو ابتكار
اقتصادي، بل نتيجة قربها من السلطة وقدرتها على النفاذ إلى مفاصل الدولة. وهكذا
تتحول الثروة العامة تدريجياً إلى امتيازات خاصة، ويغدو الموقع السياسي رأسمالاً
اقتصادياً بحد ذاته.
المفارقة أن
الفقر في العراق لا ينتج عن ندرة الموارد بقدر ما ينتج عن تركّزها. فالمشهد اليومي
يكشف مفارقة حادة بين أنماط عيش مترفة تحيط بالدوائر العليا، وواقع معيش متعثر
تعانيه قطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب الباحثون عن عمل كريم وفرصة
مستقرة. هذه المفارقة البصرية والمعيشية هي التي تولد شعوراً متنامياً بأن قواعد
اللعبة مختلة، وأن مسار الصعود الاجتماعي لا يمر عبر التعليم والإنتاج، بل عبر
الارتباط بالشبكات النافذة.
لقد تحولت
المحاصصة، في ممارستها العملية، من صيغة تمثيل سياسي إلى آلية توزيع اقتصادي،
فأصبحت المؤسسة العامة مجالاً للنفوذ وتقاسم الموارد أكثر من كونها أداة لخدمة
المواطنين. ومع الوقت، تراجع معيار الكفاءة لحساب الولاء، وتوسعت دائرة التوظيف
السياسي للمال العام، فيما بقي الاقتصاد الحقيقي، غير النفطي، عاجزاً عن خلق فرص
عمل مستدامة تعزز استقلال المجتمع عن الدولة.
إن أخطر ما في
هذا المسار ليس وجود تفاوت في الدخول، فالتفاوت بدرجات معينة سمة مشتركة في معظم
المجتمعات، بل في مصدر هذا التفاوت وطبيعته. حين يترسخ في الوعي الجمعي أن الثروة
ترتبط بالقرب من السلطة لا بالإنتاج، فإن الثقة العامة تبدأ بالتآكل بصمت. وهذا
التآكل لا يظهر فوراً في شكل انفجار، بل في هيئة لامبالاة سياسية، وهجرة متزايدة،
وتراجع الإيمان بفكرة العدالة ذاتها.
وفي ظل اعتماد
الاقتصاد على الريع النفطي، تبقى قدرة الدولة على توزيع الأموال مرهونة بتقلبات
الأسعار العالمية. قد يسمح ارتفاع الأسعار بإخفاء التناقضات مؤقتاً، لكنه لا
يلغيها، بل يؤجل ظهورها. أما عند أول هزة مالية حادة، فإن ما كان كامناً تحت السطح
يصبح أكثر وضوحاً وحدّة، لأن المجتمع الذي يشعر بعدم العدالة لا يحتاج إلا إلى
صدمة كي يعبر عن احتقانه.
لا يكفي
الحديث عن إصلاح إداري أو تحسين مؤشرات كلية، بل ينبغي إعادة تعريف وظيفة الدولة
ذاتها. المطلوب هو فك الارتباط بين الثروة والسلطة، وبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي
يوسع قاعدة الفرص، ويعيد الاعتبار للعمل بوصفه مصدر القيمة، لا القرب من القرار.
كما يتطلب الأمر سياسات عامة تعيد توزيع الفائض بشكل عادل، وتعزز الاستثمار في
التعليم والصحة والبنية التحتية، بحيث يصبح الإنفاق العام أداة لبناء مجتمع متماسك
لا وسيلة لإدامة الامتيازات.
إن العدالة
الاجتماعية ليست ترفاً خطابياً، بل شرطاً للاستقرار طويل الأمد. والديمقراطية، إن
لم تُسند بعدالة ملموسة وفرص متكافئة، تتحول إلى شكل إجرائي فارغ من مضمونه
الاجتماعي. فالمواطنة لا تكتمل بصندوق اقتراع فقط، بل بإحساس فعلي بأن الدولة تقف
على مسافة واحدة من جميع أبنائها.
العراق ما يزال يمتلك فرصة لتصحيح المسار قبل أن تتكرس الفجوة بصورة يصعب ردمها، لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فحين تتحول الدولة إلى غنيمة، ويتحول الريع إلى أداة لإعادة إنتاج النخبة نفسها، يصبح السؤال الجوهري ليس عن حجم الفجوة فحسب، بل عن الإرادة السياسية القادرة على تفكيك منطقها. والتاريخ يخبرنا أن المجتمعات التي تؤجل إصلاح الاختلالات البنيوية حتى تفرضها الأزمات تدفع أثماناً أعلى بكثير مما لو بادرت إلى الإصلاح في زمن القدرة لا زمن الاضطرار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق