الخميس، 27 ديسمبر 2018

الرئيسية الشاعر يوسف المحمداوي، وادمان الوجع بنوعيه: الجسدي والروحي!

الشاعر يوسف المحمداوي، وادمان الوجع بنوعيه: الجسدي والروحي!

وجدان عبدالعزيز
الشعر الشعبي العراقي احتل مكانته في التراث الشعري العراقي، بل والعربي، ومنه من قد ترجم الى لغات اجنبية، كونه يمثل حالة وجدانية عبّر من خلالها الشاعر عن كل الاحداث التي تدور حوله، حيث كانت هذه الاشعار تحمل الكثير من الهموم السياسية والاجتماعية والعاطفية، فالقصيدة الشعبية تحولت عندنا الى عوالم شعرية اكثر انفتاحا، لاسيما في زمن العولمة وانفتاح الثقافات على بعضها البعض، حتى غاصت في اعماق الانسان وجسدت معاناته ومشكلاته الروحية، ولهذا احتلت اهمية كبيرة في حياة العراقيين وتاريخهم, ومثلت ثقافتهم واتجاهاتهم في مسيرة الحياة، وكذلك ميزت الشعب العراقي عن غيره، فالعراق يمتلك موروثاً شعبياً جميلاً وثرّاً, ولاشك ان هذا الموروث اتًى من تاريخ طويل، ومثل ثقافة وجمال وذوق.. وامامي بعضاً من قصائد موغلة بالوجع والضيم للشاعر يوسف المحمداوي، يقول في قصيدته (عوفني عيطة قطار):
(وانا احب اجروحي كلهن ... وأدري بيهن بويه كلهن دافيات
بسد عباة الضيم خطاري وتلفهن عافيات
وآنه اكلك....وانتي كلي...ياهو منهن...ياهو بيهن....
حتى اكلك ....عوفني.... جاس البرد دفو الجروح
علمونه من الزغر كدام أهلنه ما ننوح)
فالقصيدة كلها اوجاع عبر من خلالها الشاعر عن هذا الاحساس، فالوجع على نوعين: وجع عضوي حسي، ووجع روحي نفسي، وايحاءات اشعار المحمداوي توحي بامتزاجها في داخله، لذا هو يغرق في محيطات من الاوجاع بنوعيها.. لذا كان يردد:
(عوفني بستان تفاح ورياحين وي توت
جيسني وخليني اموت..
ياورد مشتاقلك...لا... مشتهيك
بيك عطر العافنه..مجبور اجيك
وهاي جفي اللي تلوح وما تلوح
عوفني ....والدنيا طيره شايهه فوك
السطوح)
فالورد يختصر الكلمات داخل اعماقنا في جميع تناقضات المشاعر الإنسانية من معاني الحب والرومانسية والأمل والتفاؤل والبهجة والشوق والفرح والحزن والدموع والإنتظار... فوردة واحدة كافية بأن تقول الكثير من الكلمات والأحاسيس بأجمل وأرقى أسلوب، ونحن نعرف ان لكل وردة ولونها لغتها الخاصة بها وحدها ومناسبتها، التي تحاكي مزاجنا وحالتنا النفسية وشخصيتنا، ويستمر المحمداوي في خطابات الوجع المطعم بالامل وتأمل الجمال، لذا يقول:
(ما كلتلك ليش خاف الليش تجرح
وانته بحبال المودة ... بين ضلعاني تمرجح
ورغم غلطاتك يروحي ... اعترفلك انت صح
وبالي محتاج الفراها
ذكرى للدنيا النساها
وروحي روح.............
عوفني بسد مشتهاتي ... آني مدمن عالجروح...........)
فيربط وجع الجرح ووجع الروح، ويظل يبحث عن رؤية الخلاص، رغم انه مدمن على الجروح، الا انه مرتبط بحبال المودة والحب والجمال، فاحس بالشاعر ان هناك سياط تلهب روحه وتوجعه، وتبقى ضاربة بنارها اعماقه، مفرطة في الألم.. في الوجع.. في الموت..فالحياة عند الشاعر المحمداوي يكمن جمالها في الحب، لان الحب يُزيّن حياتنا ويشع فيها نوراً يُنير دُروبنا، والحياة بدون حُب لا تساوي شيئاً، فلكل منّا تجاربه في هذه الحياة، ولكل منّا قصة حب خاصة به، فما علينا إلّا أن نأخذ الحكم من تجارب غيرنا في الحياة والحب، حتى نستطيع حَل كل ما يواجهنا، فهُنا يقف المحمداوي بين وجع الزمن بنوعيه الجسدي والروحي، وبين الحياة بمباهج الحب الصادق النقي، وكما اسلفت هو يبحث عن رؤية الخلاص في اشعاره..
.....
المقال نشر في جريدة الصباح

جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.