وطن متخم بالأساطير، بمفاتن الحضارة، الطبيعة فيه تميط اللثام عن سحرها، تحتاج لألف عين لتستوعب دهشة الأمكنة، وطن يحتاجه العالم كأوكسجين يستنشق من خلاله صيرورة الإنسانية بكل تجلياتها ورقيّها.
* يوسف المحمداوي
"الكنيسة الخضراء" وتسمى أيضا "كرسي المشرق" احدى المعالم التي تشهد وبما لايقبل اللبس ان هذا الوطن حاضن للأديان منذ بدايات البشرية في الوجود، بنيت هذه الكنيسة على قمة جبل تكريت الجنوبي في قضاء تكريت مركز محافظة صلاح الدين التي تقع شمال بغداد.
شيدت الكنيسة في القرن السابع الميلادي من قبل ماروثا بن حبيب التكريتي الذي اشتهر بعلمه وسعيه الدؤوب لاقامة الكنائس، وبناها بالحجر الأحمر على مرتفع حجري متدرج يرتفع بثلاثين مترا عن نهر دجلة، وجودها في تكريت يشير وبحسب المصادر التاريخية ان المدينة كانت مركزا لكرسي المشرق للديانة المسيحية وأقام المفارنة فيها الى العام 1272م ، وكانت المدينة مقرا للمفريانات منذ القرن السادس الميلادي الى العام 1164م والمفريان لفظة سريانية مشتقة من كلمة "مفريونو" وتعني الرئيس الروحي وهي درجة ادنى من البابوية، وهذا ما جعل المدينة حاضنة للعديد من الكنائس كما يذكر الآثاري إبراهيم الناصري "وجود كنائس أخرى الأولى تجاور قلعة تكريت والثانية بنيت على انقاض الأولى والثالثة تسمى كنيسة الشهيدين (سرجيوس وباخوس) اللذان اعدمهما الرومان في العام 307 م في مدينة سرجيوليوس السورية وأوضح الناصري ان معظم الكنائس في تكريت دمرت اثناء غزو تيمورلنك في القرن الرابع عشر الميلادي".
تتميز الكنيسة الخضراء بأقواسها المدورة والمثلثة، ويحتوي طابقها العلوي على صالة كبيرة وغرف لسكن الكهنة وخدام الكنيسة وتزيّن جدرانها بالنقوش والكتابات والرسومات، وفي العام 1994 اجرت مديرية الآثار عملية ترميم عليها، وتم العثور اثناء العملية على صلبان حجرية والعديد من النقوش والكتابات السريانية فضلا عن وجود شبكة لتصريف المياه، وأشارت عمليات البحث الى وجود سبع كنائس لم يتم استكشافها بعد.
الكنيسة الخضراء تعد من أقدم كنائس الشرق في تكريت، ولكن مكانتها التاريخية الشاهد على وجود الديانة المسيحية في وقت مبكر لم يشفع لها عند النظام السابق، حيث قام ببناء قصوره الرئاسية ضمن منطقة الكنيسة الواقعة على ضاف نهر دجلة وقام بطلاء تلك التحفة المعمارية بالاسمنت لتختفي الكثير من النقوشات والرسومات والكتابات السريانية التي توثق لتاريخ طويل من حياة تلك المدينة، وجدران الكنيسة الزاهية بهتت الوانها وضاعت الكثير من معالمها، أحجار أرضيتها أصبحت مستودعا للأتربة، سقوفها التي كانت تروي للناس أحداث القرون الأولى للديانة المسيحية تم طلاؤها بالاسمنت وكأنها عملية مقصودة لمحو تاريخ مهمم وشاهد على وجود المسيحيين في تلك المدينة، الكنيسة التي يجاورها جامع إسلامي تعرضت لتشويه آخر بعد عملية التغيير، حيث أصبحت منطقة القصور الرئاسية مقرا للقوات الأميركية حيث قام الجنود الاميركان بكتابة ذكرياتهم واسمائهم على جدران تلك الكنيسة قبل ان يغادروا المدينة، وما ان رفع عنها ظلم الاميركان حتى حلّ ظلم " الدواعش" عليها حيث قام أعداء الحضارة بنسف أجزاء مهمة من تلك التحفة العمرانية والتاريخية التي تنظر الى الجامع الذي يجاورها بنظرة استغاثة تقول: ماذا جنيت؟



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق