الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

الرئيسية متى وكيف تنتهي أزمة تشكيل الحكومة؟

متى وكيف تنتهي أزمة تشكيل الحكومة؟


د. عامر حسن فياض عمية كلية العلوم السياسية يقول ان حل ازمة تشكيلة الحكومة في المبادرة الوطنية... ووضع سؤال :- كيف تتحقق هذه المبادرة؟
أولاً :- تشخيص الأزمة 
1- ماهية الأزمة:- تتحدد ماهية الأزمة بوصفها أزمة نزف سياسي لوطن مصاب بأمراض عنقودية الأبعاد والآثار (سياسية – أمنية – اقتصادية- اجتماعية - ثقافية) تخص تباطؤاً وتراخي وتقصيراً وإخفاقاً في تشكيل رئاسات مؤسسات المناصب السياسية السيادية الثلاث (رئاسة مجلس النواب – رئاسة الجمهورية – رئاسة مجلس الوزراء).

2- أسباب الأزمة :- في إطار أسباب هذه الأزمة بالذات وليس في أسباب مرض وطن اسمه العراق ليس من الصواب بل وليس من المجدي أن ننشغل في تسطير مسببات أو إرجاع كل شيء وفي كل وقت الى مسببات أخرى (وهي مسببات مهمة) أبرزها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي :-

• الحضور الأجنبي في الشأن العراقي ( قوات أجنبية – تدخلات إقليمية ...إلخ).

• العوز التشريعي وعدم إجراء التعديلات الدستورية المقررة وفق المادة (142) من الدستور .
• عدم انجاز متطلبات تنفيذ المادة (140) من الدستور الخاصة بمعالجة قضايا المناطق المتنازع عليها وضمنها قضية كركوك .
• عدم إتمام تنظيم حرية الاجتماع والتظاهر السلمي بقانون حسب ما جاء في المادة (38) من الدستور .
• عدم إتمام تكوين وتنظيم الذراع الثانية للسلطة التشريعية (مجلس الاتحاد) حسب ما جاء في المادة (65) من الدستور .
• عدم وجود نظام داخلي لتنظيم سير العمل في مجلس الوزراء حسب المادة (85) من الدستور .
• عدم تنظيم وتكوين المحكمة الاتحادية العليا حسب المادة (92) من الدستور .
• عدم تنظيم وتكوين مجلس الخدمة العامة الاتحادية حسب المادة (107) من الدستور .
نعود لنؤكد هنا أهمية مراعاة وانجاز ما تقدم، بيد أن هذه المراعاة وذلك الانجاز لما تقدم لا يتحقق الا بعد إيقاف نزف التباطؤ والاسترخاء والتقصير والإخفاق في حل أزمة تشكيل رئاسات المؤسسات السياسية السيادية الثلاث .
وأولى خطوات تجاوز هذا الإخفاق وحل الأزمة هي خطوة تشخيص أسبابها الحقيقية المباشرة والمتمثلة بـ:-
أ‌- طبيعة العلاقة بين قادة وفرقاء العملية السياسية بوصفها علاقة تصارعية وليست علاقة تنافسية رغم أن هؤلاء جميعاً من دون استثناء او إقصاء هم قادة لكتل وقوائم ذات مشاريع وطنية كما هو معلن ومصرح به من قبلهم جميعاً.
ب‌- سوء في الفهم والاستعمال لآلية التفاوض بين قادة وفرقاء العملية السياسية. فالتفاوض لديهم يعني الفرض المتبادل (وليس العرض المتبادل) للمطالب والشروط فيما بينهم، الأمر الذي يجعل من المفاوضات غير مجدية إن لم تكن فاشلة في تقديم معالجات متوازنة وحلول تسوية لتنتهي بالنتيجة الى خلافات لا اختلافات وتصفيات لا تسويات وعنادات لا تنازلات واختلالات لا توازنات .
ج- سوء فهم وغياب إدراك القادة للاختلاف والتمايز ما بين المشاركة في العملية السياسية والمشاركة في الحكومة . حيث إن العزوف عن المشاركة في الحكومة يسحب معه بالخطأ – عزوفاً عن المشاركة في العملية السياسية أو التهديد بالانسحاب من العملية السياسية ، في حين أن العزوف أو الانسحاب من المشاركة بالحكومة ينبغي ألا يعني بأنه انسحاب من العملية السياسية .
وبهذا فالملاحظ أن الجميع ( وهم الشركاء في العملية السياسية ) يتطير من العمل في المعارضة السياسية السلمية ( داخل البرلمان وخارجه ) ويعتقد - بالخطأ – أن وجوده خارج الحكومة يعني وجوده خارج العملية السياسية. إن سوء الفهم والغياب في الإدراك لهذا الشأن يدل على انعدام ثقافة المعارضة السليمة وتجنب بل الهروب من ممارسة هذه المعارضة .
د- الفشل في التعامل مع المواد الدستورية ( 55-70-76 ) التي تحدد خارطة طريق دستورية لمعالجة الأزمة. الامر الذي يؤشر خطورة خرق الدستور ويبرر السخط الشعبي والاعتصامات الجماهيرية مع العشرات من مؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية الديمقراطية للدفاع ولصيانة ولحماية الدستور من الخروق التي مورست عليه.

3- الجهة المسؤولة عن الأزمة :- بعد المصادقة على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة من المفيد الإشارة الى وجود ثغرة تشريعية في الدستور وكذلك في قانون الانتخابات تتمثل بجعل الفترة الزمنية مفتوحة ما بين إعلان النتائج والمصادقة على النتائج وهذه الفترة ، بسبب غياب تنظيمها وتحديدها قانوناً.
والمسؤولية في الأزمة تبدأ ما بعد التصديق على نتائج الانتخابات من قبل الهيئات القضائية التميزية في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهي مسؤولية تقع على عاتق اشخاص قلائل بعدد أصابع اليد هم رؤساء القوائم الانتخابية الفائزة. وهذه المسؤولية ظلت لصيقة بهم فقط لحين انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب. بعد هذا الانعقاد والجلسة فإن المسؤولية تقع على مؤسسة البرلمان بكامل نوابها وضمنهم معظم قادة القوائم والكتل الفائزة لأن جلستهم ينبغي أن تبدأ لتصبح جلسة عمل فعلية .

ثانياً :- المعالجة ( المبادرة الوطنية لحل الأزمة) 
في خضم ماراثون طويل من المفاوضات والمشاورات والزيارات المتبادلة بين قادة الكتل والقوائم والتدخلات المحلية والإقليمية والدولية . تشنفت مسامعنا بمجموعة مبادرات لحل الأزمة أبرزها تشكيل حكومة اغلبية – تشكيل حكومة جامعة – تشكيل حكومة أبوية – تشكيل حكومة قضاء وطني ...إلخ.
ولكن بغض النظر عن الجهات التي تقف وراء هذه المبادرات، فإن المبادرة كيما تستكمل شروط نجاحها ينبغي أن تحمل المواصفات الآتية :-

1- ان تكون عراقية الصياغة والمضمون على أساس أن أي مبادرة يشم منها حضور إقليمي أو دولي سواء كان هذا الحضور على شكل تدخل أو نفوذ أو تأثير أو إعلان تفضيل أو نصيحة، فإن من الصعوبة تسويقها عراقياً. وعلى عكس ذلك عندما تكون المبادرة عراقية من حيث المبادأة والصياغة والمضمون والمضمون ومكان الإعلان، فإنها ستكون مقبولة وناجحة عراقياً وسهلة التسويق والقبول إقليمياً ودولياً. انطلاقاً من معادلة تفيد بأن الضاغط الإقليمي (ايراني – تركي- سعودي - قطري وكذلك الضاغط الدولي (الأميركي) يستطيع أن يرفض حكومة ورئيسها دون أن يستطيع فرض حكومة ورئيسها .

2- أن تكون مبادرة غير متعارضة مع إرادة الناخبين العراقيين، بمعنى أدق، أن تكون موضع رضا وقبول الناخبين العراقيين من مختلف القوائم المشاركة في الانتخابات الفائزة وغير الفائزة .

3- أن تكون مبادرة دستورية بمعنى أن لا تتعارض مع السياقات الدستورية التي تنظم اختيار رئاسات المؤسسات السيادية الثلاث (المواد 55-70-76) .

4- أن تكون مبادرة مؤسساتية بمعنى أنها حتى لو طبخت بوصفها (صفقة واتفاق) خارج إطار القبة البرلمانية، فإنها بالنتيجة لا بد وأن تكون مبادرة معلومة وشفافة ومقنعة بالنسبة للمواطن. وهذه الشفافية وتلك القناعة لا يلتمسها المواطن إلا اذا كانت المبادرة خارجة من الرحم الطبيعي لها من رحم مجلس النواب كجزء من واجباته السياسية الأساسية التي ينبغي أن تسبق واجباته التشريعية والرقابية .
كل ما تقدم يجعلنا نسجل مسؤولية التقصير في معالجة الأزمة على ذمة مجلس النواب الذي مازال ينتظر فقط ما تسفر عنه اتفاقات وصفقات رؤساء الكتل من دون أن ينتبه الى واجباته المتمثلة بـ(العمل) وليس بـ (الانتظار) ضمن إطار جلساته الأولى وما بعدها التي يفترض أن تكون ( لسات عمل) حقيقية لا (جلسات انتظار) تبعية .
والسؤال الآن :- كيف تتحقق مثل هذه المبادرة الوطنية بالمواصفات المذكورة أعلاه ؟
سبق ولاحظنا أن العقدة في هذه الأزمة ليست أحادية، فهي لا تتصل بتشكيل الحكومة فحسب بل هي عقدة تعددية تتصل بالمناصب السياسية السيادية الثلاثة (رئاسة مجلس النواب، رئاسة الجمهورية، رئاسة مجلس الوزراء) . وبذلك فإنها تحتاج الى اتفاق صفقة بين القوائم الفائزة يخص اختيار الرئاسات الثلاث مرة واحدة. ولكن إن لم يتحقق هذا الحل (اتفاق الصفقة) لهذه العقدة ثلاثية الأبعاد، وهو الحل الذي يبدو أنه دخل دائرة المستحيل، فإن الغضب الشعبي المشروع الذي ترجمته المطالبات والتظاهرات على امتداد أكثر من مدينة عراقية يدعو، بشدة الى اعتصام (عمل) وليس اعتصام (صراخ وكلام) لأعضاء مجلس النواب الجديد جميعاً، كيما يواصلوا بشجاعة وبمسؤولية مهامهم داخل مجلس النواب يومياً من اجل عقد الجلسة الأولى، وفيها تسمّي كل قائمة فائزة من القوائم الأربع مرشحها لرئاسة مجلس النواب، كما يعطي الحق للقوائم الأخرى الفائزة بترشيح مرشحها من خارج أو من داخل القوائم الفائزة ويتم التصويت على خمسة مرشحين أو اقل على درجة أو درجتين أو اكثر ومن يحصل على النصاب المقرر دستورياً للفوز (51% من الأصوات حسب المادة 55 من الدستور) يتولى منصب رئاسة مجلس النواب، ويكون الثاني بعده نائباً أول والثالث بعدهما النائب الثاني لرئيس المجلس. وتنتهي الجلسة الأولى.
أما بالنسبة لتولي منصب رئيس الجمهورية، فإن السياق ذاته يتم إتباعه في الجلسة الثانية لمجلس النواب، وسيكون رئيس الجمهورية الجديد ممن حصل بجولة أو أكثر على ثلثي أصوات أعضاء المجلس .
أما بالنسبة لتولي منصب رئيس مجلس الوزراء، فإن تولي المنصب الأخير يتم وفق هذا السياق أيضاً، ومن يفوز بالأغلبية المطلقة من بين المرشحين الخمسة أو الأقل المتنافسين سيكون المكلف من قبل رئيس الجمهورية الجديد لتشكيل الوزارة وفق السياقات .
إن خريطة عمل اختيار الرئاسات الثلاث آنفة الذكر، هي خريطة وطنية تحترم إرادة الناخبين جميعاً من جهة، وتحترم الدستور وسياقاته وتوقيتاته الزمنية من جهة ثانية، وتحترم الأطر المؤسساتية التي تقتضيها عملية التحول الديمقراطي بعيداً عن الشخصنة المملة والصفقات غير المريحة والمحاصصة المقيتة والتدويل المرفوض.


جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.