الأحد، 16 ديسمبر 2018

الرئيسية تدهور في الأداء والكلمات واللحن

تدهور في الأداء والكلمات واللحن

الأغنية العراقية... من (البنفسج) الى (بسبس ميو(
وجد على رقيم بابلي ما يبرهن على أهمية الأغنية وقيمتها عند اجدادنا في الحضارات القديمة من هذا القول" أغاني الآلهة أعظم من الآلهة" وما يؤكد كلامنا ان اقدم اغنية حب هي سومرية ويمتد عمرها الى 5000عاما، واليوم نرى تلك الايقونة تحولت الى سلعة مباحة لكل من هب ودب فتجد الاغنية العراقية الرصينة والهادفة تحولت الى اهازيج والموسيقى الى (ردح) والأداء الى عروض أزياء وقصات شعر ورقص بنات، فبدلا عن الاستماع الى(حسبالي) و(حن وآنه أحن) و(لاخبر) و(النفسج) تخرق اسماعنا أغاني اليوم (بس بس ميو) و(أنه بيا حال والدفان يغمزلي)و(شعر...شعر) (بيت كطيو) وغيرها من أغاني النشاز، ما الأسباب التي تقف وراء تدهور الاغنية العراقية التي عاشت عصرها الذهبي في سبعينيات القرن الماضي؟
الاغنية اليوم
الروائية والإعلامية عالية طالب ترى انه بعد استقبال الاغنية السبعينية بترحاب لثرائها الابداعي المتكامل،كان صعبا علينا ان لا ندخل في المقارنة مع كل عقد يضخ للمشهد الفني نماذج قد تختلف وقد تتقارب وهو ما حصل في الثمانينيات وبدأ بالانحدار نحو هاوية الفراغ الابداعي مطلع التسعينات وما تلاها وصولا الى حاضرنا الغرائبي بمشهد غنائي هجين.
مبينة ان هذا لا يمنع استيعابنا لفكرة مسار الزمن وتغيير الامكنة وغياب الهويات وضعف الوعي وتشتت القراءة الممنهجة وشحة النقد الموجه وتفتيت قاعدة لغوية لا بد لها ان تقف بصلابة امام من يحاول سحبها الى المجهول.
طلب اوضحت بان الاغنية العراقية عاشت زمنا ذهبيا حين كانت الاقرب الى كل الشرائح بفعل اللهجة المحلية القابلة للدخول بلا استئذان للاصغاء والحفظ والترديد، وان كان قد استفحل فيها في وقت ما صور تزيين الموت والحروب والصراع والاقصاء والمدح والتكسب ، فأن عليها الان التخلص من الاسفاف اللفظي والسقوط الفني واستخدام الالفاظ السوقية والايحاءات الشاذة سواء بحركة المؤدي وليس المطرب اذ ان اغلبهم الان مؤدين وليسوا مطربين وهم يصطحبون حلقة من الراقصات بملابس فاضحة وإيماءات تدغدغ الحواس وغرائزها لتكون بوابة لشهرة اغنية هابطة باتت تجد لها مكانا حتى في ارقى النوادي الاجتماعية العراقية.
اكدت طالب ان الازمة ليست في الثقافة الشعرية الغنائية، بل في منتج الثقافة المتباكي على انحسار دوره في المشهد المؤثر في التغيير الايجابي ، ويولول في ان هناك اصرارا على تغييبه وتهميشه وعدم الاهتمام به متناسيا انه يتمتع بسلبية لا يحسد عليها، ويعيش في اغتراب عن الواقع الملموس ، ويفضل دائما ان يغرد خارج السرب ليقول انه متميز وفريد وان هناك مؤامرة لتغييبه وانكفاءه!! المثقف السلبي أصبح أزمة ثقافية مضافة لظاهرة الكم السلبي في النتاج الثقافي المحلي الذي لو ادخلناه في حسابات الربح والخسارة لكان كارثة معرفية لحاضر العراق الثقافي بكل ما يحويه من غث وتشظيات وتكريس للبهرج " الأعلاني" اكثر منه وعيا فكريا لواقع عراقي يحتاج من المثقف وقفة جادة وموقفا صريحا وفاعلا في وجه ظواهر باتت تفعل فعلها التخريبي الفني بطريقة ستترك تشوها بندب لا تزول سريعا مهما تقادمت السنوات بحسب قول طالب.
هجرة الملحنين والشعراء الكبار
الملحن سرور ماجد بين ان السبب الرئيسي في تردي الأغنيه هي الحكومات التي توالت على السلطه في العراق، وبالتأكيد هذا القول يضعنا امام تساؤل مفاده ما علاقة الحكومات بتردي بالأغنيه، وللتأريخ نقولها ان حكومة صدام لها الأثر الكبير في هجرة الملحنين خوفاً من بطش السلطة، وانا واحد من هؤلاء الملحين كما يقول ماجد والحال ينطبق على الملحنين طالب القره غولي وكوكب حمزة وعبدالحسين السماوي وآخرين بحسب قول ماجد،مضيفا ان إرهاب السلطة ساهم كذلك بهجرة العديد من الشعراء المهمين والمطربين الكبار من أمثال كاظم الركابي وشاكر السماوي وقحطان العطار وسامي كمال وغيرهم من المبدعين، وهذا الامر ساهم في جعل الساحة فارغة من الأغاني الهادفة، موضحا ان حتى المبدعين الذين لم يهاجروا العراق وفضلوا البقاء في الداخل اعتزلوا الفن خشية من النظام الديكتاتوري، وبقيت الساحة لكل من هب ودب من ملحنين ومطربين وشعراء من دون رقيب ولا متابعة ومحاسبة، وهذا ما جعل الاغنية العراقية هابطة بهذه الصورة التي أبعدت الاغنية العراقية عن اصالتها ومنبعها وكذلك لحنها الموسيقي، مبينا اذا اردت ان تتعارف على حضارة شعب فاستمع الى موسيقاه، والفلكلور العراقي غني جدا بتراثه وحضارته، وعلينا ان لاننسى ان دور الاغنية الهادفة مهم جدا في إيصال رسائل تساهم في وحدة المجتمع ومكوناته من خلال الكلمات الشعرية المعبرة وليست التافهة كما نراها اليوم.
تعددت الأسباب!!
الشاعر والإعلامي كاظم غيلان بين قائلا :تحيلني الأجابة على سؤالك هذا الى مجموعة أسباب أدت لما آل أليه حال الغناء العراقي وألتي أمتدت منذ حقبة تسعينيات القرن الماضي إذ قام المقبور نجل رئيس النظام السابق بتأسيس قناته سيئة الصيت ( الشباب) ألتي فتحت أبوابها لأرباع الموهوبين وصدرتهم كجيل فتي لمشهد الأغنية العراقية .. برعاية وترويج حفنة من خونة رسالة الصحافة وشرفها فتشكل طابور من ملحنين هابطين ومتشاعرين أمعنوا بأدخال مفردات الشارع والسوق مغرقة بالأبتذال ليصنعوا من كل ذلك بديلاً سيئاً لماضي الغناء العراقي وما فيه من قيم جمالية ووجدانية عالية.
أكد غيلان ان المشهد لم ينتهي ، بل وأخذ بالأمتداد ليومنا هذا بحكم الأوضاع الشاذة التي شهدها العراق ، فضلاً عن الأنفلات التي تمثله دور ومؤسسات إنتاجية للغناء بلا رقابة ولا تدخل من قبل مؤسسات الحكومة ألتي أصبحت عديمة السيطرة على التقنيات التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة كالفيسبوك واليوتيوب ، مبينا أن هذا الحال لاينحصر في العراق بقدر انتشاره عربياً وعالمياً.
أن الغناء بوصفه نتاجاً بيئوياً وجدانياً لايشبه سوى الصلاة في تسابيحها والماء في أنسيابه وله ميزته الروحية الشفافة العالية لكننا اليوم نجد أنحساره أو غروبه عن هذا المفهوم واضحاً جداً أذا ما أصغينا لتشبع مضامين الغالب منه نسبة بمفردات عدوانية تبعث عن أحقاد شرسة أفرزتها الحروب المتعاقبة والحصارات ألتي عمقت مفاهيمها في أرواح الناس ، ولذا فأنك لو عملت أستبياناً منصفاً نخبوياً وحتى شعبياً لوجدت الميل غالباً لحقبة السبعينيات ألتي شهدت ولادة أصوات غنائية مفرطة بعذوبتها وقوة تأثيرها وهذا مايؤكد ما أمتازت به تلك الحقبة من هدوء وأستقرار غلب أيقاعها العام وبضمنه الغناء.
من وراء تدهور الذائقة الغنائية؟
المؤلف والموسيقي سامي نسيم بين ان الخوض بهذا المجال الحيوي والفاعل بحياة الناس يتطلب جهداً نقدياً ومعرفياً من نوع خاص وتخصص علمي بالفنون عامة والموسيقى تحديداً لما فيه من جوانب خفية على من لديه رغبة إطلاع ومغامرة معرفية به. ويرى نسيم تكمن عوامل عديدة وراء تدهور الذائقة الغنائية عند المؤدي والمتلقي على حد سواء لو جعلنا الركن الرابع وهو المستمع حسب وصف الموسيقار محمد عبد الوهاب بعد الأركان التي تقوم عليها الأغنية حيث ان الأول هو الشاعر والثاني الملحن والثالث المؤدي (المطرب) والرابع هو المتلقي الذي غاب أو توفى حسب تعبير عبدالوهاب وهذا موضع الإشكالية أي كون الأذن الموسيقية الناقدة في زمن الغناء الذهبي هي لدى الجمهور الذي يميز بين الصالح والطالح ولاينساق وراء الغث والرخيص من كلام ونشازات لحنية. موضحا لذا كانت الذائقة السمعية تنتقي وتنتقد ويبدأ ذلك من مقرئ المواليد وتجويد القرآن الكريم إلى قراء المقام ومايصدر من اساطين الغناء واللحن والشعر من إبداع محكوم بضوابط للغة وعلوم الموسيقى ولايأتي عبر فوضى القنوات الفضائية واصدارات شلل المراهقين التي دون أساس فني رصين وتعتمد على الألفاظ الوقحة المثيرة لدى الجمهور الأجوف الراغب به من وجهة نظر اللا فنان المشهور مثل أي سلعة يروج لها بمهارة.
ويرى نسيم انه ساعدت منشطات أخرى من إستعراض جسدي وأزياء معاصرة وصورة لتغليف هذه البضاعة الفنية الرديئة فاقدة الهوية ،ويلعب المال دوراً مهما بترويجها ، وبظل غياب النقد الفني الرصين و إنحسار دور الرقيب ولجان إجازة الشعر واللحن والأداء ، بعصر الإنفتاح والبث المباشر دون قيود وثوابت وعلل البعض ذلك هو خيرات الحرية ونعيمها الوارف الظلال والإحتكام إلى رغبة الجمهور المتلقي ومشيئته وانتج هذا الإنفلات نجوم من نوع خاص رسالتها الإسفاف وترسيخ التردي بالذائقة بزمن مقيت يشبهها بجانب منه ، زمن تراجع فيه السامي والرفيع من طروحات الفن الراقية بأعلامها وشعرائها وملحنيها الذين انتجوا ورسخوا الفن الجميل البناء لذاكرة سمعية مرهفة واعية . ولعل الأغنية العراقية من أكثر الأغنيات في العالم العربي تعرضت إلى موجة الإسفاف الممنهج وخرج هذا الفن عن جادة الصواب . ولانعدم إن هناك نسبة بسيطة جيدة ورصينة يقابلها نسبة عالية من اللافن الغنائي الرديء، وبذات الوقت لم يسلم الفن العربي من هذا النكوص بحسب قول نسيم.
سيطرة أغاني النشاز
الموسيقي جمال السماوي يرى انه خلال العشرين سنه الاخيرة بالنسبة للعراق كانت الاغنية تعبوية لدعم الحرب بعد انتهاءها اكثر الملحنين هاجروا لان الوضع العام للبلد خرج من فوهتي الحرب والحصار، وطعم الاغنية الاصيلة فقد تماما ،والعديد من المعنيين هاجروا البلد لاسباب سياسية وهذا ماجعل الذوق العام يختلف بعد التغيير بعد ان رفع الدعم عن الفنان من حيث التسجيل لذلك هجره العديد من الملحنين والشعراء والمطربين الملتزمين، لذلك ظهرت موجة جديدة من الملحنين والشعراء وفضائيات ضد الفن الملتزم بعد الفراغ الذي تركه هجره الكبار، وشهدالفن انتكاسة كبرى بعد سيطرة أغاني النشاز على أغلب الفضائيات التي تسجل أغاني سوقية للعديد من الطارئين الذين لايمثلون الغناء العراقي الأصيل بحسب قول السماوي.
ثلاثة مقومات لنجاح الأغنية
الكاتب والصحفي علاء الماجد بين ان الاغنية تعتمد على ثلاث مقومات لنجاحها، الكلمات (القصيدة) والموسيقى (اللحن) والأداء (الصوت).. وان أيا من هذه المقومات يؤثر منفردا في نجاحها او فشلها، لقد شهدت الاغنية العراقية مراحل تطور منذ انطلاقها في بدايات القرن المنصرم، فبرزت فرق خاصة بالمقام العراقي والجالغي البغدادي والمنولوج، والمربعات البغدادية، كما تشكلت فرق موسيقية كبيرة وأسماء موسيقيين كبار مثل صالح الكويتي ومنير بشير وروحي الخماش وداود الكويتي وجميل بشير وباهر الرجب وسلمان شكر وغانم حداد وسالم حسين، والجيل الذي لحق بهم، أمثال فاروق هلال، طالب القرة غولي، كمال السيد، محمد جواد أموري، كوكب حمزة، ومحسن فرحان، وحسين السماوي، ثم سرور ماجد وجعفر الخفاف ونصير شمة وغيرهم. وتطورت الاغنية الريفية أيضا وتقاربت مع الاغنية البغدادية بعد ظهور أسماء شعراء كبار مثل مظفر النواب وعريان السيد خلف وكاظم إسماعيل الكاطع وكريم العراقي وكاظم السعدي وفالح حسون الدراجي. مبينا ان الاصوات الغنائية الأولى الأثر الكبير في بناء اللبنات الأساسية للاغنية العراقية الناجحة والمؤثرة، مثل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم ومحمد القبانجي وسليمة مراد وزهور حسين وعفيفة إسكندر وغيرهم. ثم الجيل الاخر من المطربين مثل حسين نعمة، وفاضل عواد، وفؤاد سالم، وياس خضر، وقحطان العطار، وسعدون جابر، ورياض أحمد، وسامي كمال، وغيرهم. وفي هذه المراحل وبخاصة مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، ابدع هؤلاء في انتاج اغنية عراقية تمتلك كل مقومات النجاح والبقاء. وكانت بحق تعد الفترة الذهبية في مسيرة الاغنية العراقية. لكن الاغنية العراقية بدأت تفقد ميزاتها تدريجيا منذ تسعينيات القرن الماضي، اذ لا أبداع للشعراء ولا تميز ونجاح للملحنين ولا حضور للمطربين. وبهذا تكون الاغنية العراقية قد تدهورت شعرا ولحنا واداءا. ولهذا أسبابه كما يرى الماجد التي منها هذه الفوضى والخراب الذي شمل كل مناحي الحياة بعد عام 2003 وخرب الذوق العام، وغياب الأسماء الكبيرة التي اشرنا اليها، اذ لم تنتج الساحة الغنائية شاعرا غنائيا او ملحنا او مطربا خلال الـ 15 سنة الماضية، والسبب الاخر والاهم هو غياب الرقابة على الإنتاج، وسهولته لدى انصاف الشعراء والملحنين والمطربين الذين لايمتلكون أدوات النجاح الا بالاعتماد على الرقص (الردح) المصاحب للاغنية، والازياء التي لاتنم عن ادنى ذوق وتسريحات الشعر والمكياج أحيانا. كما ان لجوء بعض صناع الاغنية الى السفر او الاعتزال قد ساهم في هذا الخراب بحسب قول الماجد.





جميع ما ينشر في هذه المدونة للكاتب والصحافي نوري حمدان وهي متاح لجميع المؤسسات الاعلامية في استخدام. يتم التشغيل بواسطة Blogger.